جديد الموقع
recent

وباء كورونا أظهر انفتاح فقهاء المسلمين وانغلاق العلمانيين

بسم الله الحمد والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه.
وبعد:
فإن روح المواطنة تقتضي مني أن أستهل القول بوافر الشكر وجميل الامتنان للدولة المغربية في شخص كل مؤسساتها، وعلى رأسها المؤسسة الملكية، والداخلية والأطباء، الذين حازوا فضل السبق في إنذار الناس، وإرشادهم إلى اتخاذ الإجراءات الوقائية، للحد من انتشار هذا الوباء الذي عم جل دول العالم، بما في ذلك بلدنا هذا. نسأل الله أن يرفعه عنا في أقرب الآجال وبأقل الخسائر، آمين.
ثم أما بعد:
فبطلب من أمير المؤمنين حفظه الله بصفته رئيسا للمجلس العلمي الأعلى، اجتمع أعضاء المجلس العلمي الأعلى، للنظر في حكم إغلاق المساجد، وتوقيف الجمعة والجماعة، و بعد تشاور مع الأطباء المتخصصين في الفيروسات، وتصور شامل لخطورة الوباء، وسرعة انتشاره توصلوا إلى ضرورة إغلاق المساجد، باعتباره مكانا يتجمع الناس فيه يوميا، وتجمّعُ الناس يشكل أرضية خصبة لانتشار هذا (الفيروس) بغض النظر عن مكان التجمع، أو غاية المجتمعين، والمسجد ليست له أي خصوصية من هذه الناحية، وعليه اقتضت المصلحة العامة ـ المتمثلة في دفع الضرر المحقق عنهم ـ إغلاق المساجد إلى إشعار آخر.
ورافق هذا الإغلاق توضيح مجموعة من العلماء، ليقتنع الناس، ويتفهموا الوضع، ولا يعطوه أكثر مما يستحق، فتفهم المواطنون هذا الوضع، وأُغلقت بيوت الله مع استمرار الآذان، باعتباره شعيرة دينية تُعلم الناس بدخول الوقت، وتظهر للبلد هويته، وديانته، والقيام بهذه الشعيرة لا يشكل خطرا على من يقوم بها، ولا على المجتمع.
هذا كله برهَن من خلاله علماء الشريعة، والمؤسسة الدينية في البلد، على أنهم قادرون على مسايرة الأحداث ومواكبتها باجتهادهم، وفتاويهم، وأنهم معنيون بالحفاظ على أمن الأمة، وسلامتها، وأنهم ليسوا منعزلين عن واقعهم ومجتمعهم، ولهم حضور وازن في المجتمع وتأثير بليغ، يحتم عليهم أن لا ينساقوا، أو يذوبوا، أو يتملصوا، فهم مسؤولون كغيرهم، و مسؤوليتهم أعظم لأنها لا تتعلق بفئة معينة، بل تتعلق بشعب كله.
لكن هذا كله لم يشفع للعلماء، والمؤسسات الدينية، عند حثالة من العلمانين الحاقدين على الدين، وعلماء شريعة رب العالمين، كي يغيروا موقفهم من الدين، والفقهاء، والمؤسسات الدينية، فاستمروا في الاستخفاف ببعض الشعائر الدينية، والقيمين الدينين، والدعاة، ومحاولة تقديمهم للمجتمع على أنهم أغبياء، ومتخلفون، وهم سبب انتشار وتفشي هذا الوباء في المجتمع، وأنهم لا يقومون بشيء لصالح مجتمعهم، وليسوا قادرين أصلا على تقديم أي شيء في مثل هذه الأوضاع، إلا بعض الأمور الخرافية التي لا صلة لها بالعلم، لأنهم منغلقون، وغير منفتحين على واقعهم ومحيطهم، فإلى أي حد هم صادقون في ادعائهم هذا؟ وهل فعلا فقهاؤنا لم يسايروا هذا الحدث ولم يقدموا أي شيء لمجتمعهم؟ أم أن العلمانيين هم المنغلقون الذين لم يقدموا أي شيء للمجتمع، ويستغلون الأحداث ويزورون الحقائق، ويغيرون المفاهيم، لتشويه صورة الدين، والطعن في المؤسسة التي يرأسها أمير المؤمنين؟؟؟
باختصار شديد هذا ما سنحاول التعرف عليه من خلال مطلبين وخاتمة.
المطلب الأول: تجليات انفتاح الفقهاء من خلال هذا الحدث
1 ـ اعتمادهم على قرار الأطباء في فتواهم، ذلك أن الفقهاء ومنذ القدم، كانوا يقدرون التخصصات، ويعرفون حدودهم، ويدركون جيدا أن الفتوى تستوجب الإلمام بمجموعة من القضايا الاقتصادية، والسياسية، والطبية، والاجتماعية،
ويوقفون مجموعة من الأحكام والفتاوى على مراجعة بعض المتخصصين،
وهم في تقدير حجم خطورة هذا الوباء لم يحيدوا عن منهجهم، وإنما التزموا بمبدأ التشاور، والاستفسار، حتى يستوعبوا الصورة استيعابا يؤهلهم لتنزيل الحكم الشرعي تنزيلا يحقق مناطه.
2 ـ مساندة السلطة في قرار لزوم البيت وعدم الخروج إلا للضرورة، ذلك أن الفقهاء لم يسبحوا ضد التيار، ولم يخرجوا عن القاعدة، بل ذهبوا وبحثوا وأصلوا للمسألة تأصيلا شرعيا، وظلوا يرشدون الناس، ويوضحون لهم ضرورة الالتزام، بما أشار إليه الأطباء، وتسهر من أجله السلطة، وأن ملازمة البيت أصبحت مسألة لها صبغة شرعية، نظرا لما يترتب على الالتزام بها من مصالح، ومخالفتها من مفاسد، والشرع في عمومه جاء لجلب المصالح ودرء المفاسد...
3 ـ مواكبة تطور هذا الوباء، ومحاولة محاصرته بحثّ الناس على التجاوب مع قرار السلطة في البلاد، وهنا لا بد أن أشير إلى الخرجات الإعلامية المتكررة لفضيلة الدكتور سيدي مصطفى بن حمزة، وكذلك شيخي الجليل سيدي محمد الروكي، والعلاّمة مولود السريري، وبعض رؤساء المجالس العلمية، وغيرهم من الفقهـاء ممن يصعب حصرهم وتتبعهم، الذين ما فتئوا يوضحون وينصون ويوجهون خلال هذه المدة.
مما يعني أن علماءنا يهتمون بمجتمعهم، وتعنيهم سلامته، واستقامته، وصحته...
4 ـ العلماء أفتوا بضرورة خلو المساجد من المصلين، وهذا أكبر دليل على تقديرهم  للبحث العلمي في مجال الطب، ولو كانوا كما يقول العلمانيون، لقالوا للأطباء لا تبحثوا عن الدواء، ولا تجهزوا مستشفى، فإننا سننوب عنكم بالصلاة والتضرع إلى الله، ولكنهم ما قالوا هذا، وإنما قالوا للناس الزموا بيوتكم، وأعينوا الأطباء بالمزيد من النظافة، وترك المصافحة، والاجتماع ولو على ذكر الله، ودائما يختمون مداخلاتهم بالتضرع إلى الله عز وجل أن يرفع هذا الوباء عن البشرية جمعاء، وبحثّ الناس على الالتزام بسبل الوقاية، وأما العلمانيون فما سمعنا منهم في هذه الظرفية إلى التحقير، والتشهير، ومحاولة تلفيق التهم لبعض المتدينين والدعاة،
المطلب الثاني: تجليات انغلاق العلمانيين
1 ـ محاولة تلفيق التهم لبعض الدعاة بخصوص ما شهدته بض الأحياء من تمرد على قرار السلطة والخروج إلى الشارع أو التكبير فوق الأسطح، مما لا يفعله إلا الغوغاء والمتهورون الذين لا علاقة لهم بشرع، لا من حيث تطبيقه، ولا من حيث مجالسة أهله.
2 ـ تقديم ما قام به بعض المتهورين على أنه يمثل الفكر الديني وتربية العلماء والدعاة، والواقع يوضح أن الدعاة أكثر التزاما بما توصلت إليه الهيأة العلمية في البلاد المتمثلة في المجلس العلمي الأعلى، ويوضح كذلك أن المؤسسات الدينية بجميع مرافقها ومقراتها كانت في طليعة المتجاوبين مع قرارات السلطات والأطباء حيث أغلقت على الفور المساجد، ودور القرآن، ومعاهد التعليم العتيق، وما خرج ولا واحد ممن ينتسبون إلى المؤسسات العلمية الرسمية عن قرارات السلطة، أو دعا إلى خروج.
3 ـ الاستخفاف بالدعاء وربط تخلف المسلمين به وأنه لا يجدي نفعا، وأن الذي يجب فعله هو تشجيع البحث العلمي في مجال الطب، وكأن الدعاء يتناقض مع العلم ويتنافى معه، والواقع أن الدعاء والبحث العلمي لا يتعارضان حتى نلتجئ لترجيح أحدهما عن الآخر، ونحن كمسلمين الذي وصانا بالدعاء هو الذي حثنا على البحث العلمي، وهو الذي دعانا إلى التداوي ، وهو الذي ربانا على احترام التخصصات.
ولا أنسى أن أذكّر هنا هؤلاء العلمانيين بأن الدول التي ضرب بها المثل في الطب هي أكثر إصابة بهذا الوباء، ووفاة به، فيا ترى هل كان الدعاء سبب الوفاة، أو تحريض الدعاة سبّب انتشار الفيروس، أو أن أطباءهم كانوا فقهاء عالجوا مرضاهم بطرق نمطية تقليدية؟؟؟
وإذا كنتم تستخفون بالدعاء والاستغفار، فإننا في المقابل نثمن مجهودكم في اختراع الدواء الذي قدمتموه للعالم وأنقدتم به الأرواح في هذه الوضعية الحرجة، خصوصا دواء :
للذكر مثل حظ الأنثى
ودواء صايتي حريتي
ودواء الحرية الجنسية
وغير ذلك من الأدوية التي قدمتموها للمجتمع...
4 ـ العلمانيون لم يقدموا أي شيء لمجتمعهم في هذه الظرفية، إلا القدح اللاذع والتشويه والتشهير، وهذا شأن المتخلفين المغرضين الحاقدين المنغلقين المتزمتين، على العكس تماما من علماء الشريعة، والدعاة الذين ما سكتوا وما تركوا شيئا بوسعهم أن يفعلوه إلا فعلوه بما في ذلك المساعدات المادية، والتوجيهات التربوية، والإرشادات الدينية.
5 ـ العلمانيون لا زالوا متحجرين، ولم يستطيعوا بعد أن يتخلصوا من عقدة الكنيسة التي كانت تحارب العلم في جميع صوره، وقادت مجتمعها إلى عصر الظلمات والانحطاط، ولم يستوعبوا بعد أن لا علاقة لرجال الكنيسة، برجال العلم الشرعي، فبينهم ما بين الثرى والثريا، ويتجاهلون أن الدين الإسلامي دين حي، وأنه قابل للتجديد من طرف الفقهاء، ومواكبة الأحداث، واستيعاب النوازل،
وختاما أقول:
أولا: إن المؤسسة العلمية الدينية قائمة بذاتها في هذا البلد ولله الحمد، وهي مؤسسة لا تنتظر من ملحد أو علماني أن يعترف بها، أو أن يثي عليها، أو يشيد بمجهوداتها ما دامت منصوصة في دستور البلد، ويترأسها أمير المؤمنين، ويرجع إليها، ويعرف ويعترف بكفاءتها.
ثانيا: إن كل ما قامت به الدولة المغربية منذ اللحظة الأولى من إجراءات احترازية واستباقية لمحاصرة هذا الوباء، هو من صميم الشريعة، بل هي عين التوصيات النبوية، وهذا يسلتزم العودة إلى الدين، لا تنفير الناس منه، والالتفاف حول العلماء لا زرع ثقافة الاستخفاف بهم.
ثالثا: العلماء والدعاة هم أكثر الناس حضورا في مجتمعهم، ومراعاة لمصالحه، وحماية لصحة، وأرواح، وأموال أفراده،
ولذلك تجاوب المجتمع معهم وأفرغوا بيوت الله التي لولا فتوى العلماء لما أفرغت، ولو لم تفرغ لكانت كارثة بكل المقاييس، حتى وإن أُفرغت جميع المرافق والمؤسسات الأخرى، لأن المساجد ولله الحمد هي أكبر استقطابا للناس من غيرها، ولك أن تحصي عدد المساجد في المملكة، وعدد المقبلين عليها في الجماعات والجُمعات، أقول هذا لمن يتوهم أن العلماء لا قيمة لوجودهم في المجتمع، لكم أن تتخيلوا حجم الكارثة التي كانت ستحل بالمجتمع لو تصدر للفتوى في هذا الموضوع، متحمس جاهل تتحكم فيه العواطف والنزعات، ولا علاقة له بأصول ولا فقه ولا قواعد، ولا غير ذلك من وسائل الاجتهاد والنظر.
رابعا وأخيرا: ما هي إلا أيام وتنجلي هذه الغمة بإذن الله، ويرفع الله هذا الوباء، فأعيدوا ترتيب أموركم، بتقديم علمائكم والالتفاف حولهم، والإنصات لتوجيهاتهم، والنهل من علمهم، ودعوا عنكم تلك الدعاوى المغرضة التي تريد أن تحول بينكم وبين علمائكم، وتقديمهم على أنهم متخلفون، ولا يراعون مصالح المجتمع ولا يواكبون تطوره، وفي ما سبقت الإشارة إليه أكبر دليل، ودعوا عنكم الاشتغال بالتفاهة والتافهين، والسفاهة والسفهاء.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

محمد مليح بن عبد السلام
أستاذ باحث بسلك الدكتوراه
mokhtarat

mokhtarat

يتم التشغيل بواسطة Blogger.