جديد الموقع
recent

التأدب مع العلماء بين الماضي والحاضر



بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ذي الفضل والثناء، مادح العلماء، ومبجل الأتقياء، والصلاة والسلام على الرسول سيد الأنبياء، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهج الصالحين والأولياء.
ثم أما بعد، فقد جعل الله تعالى للعلماء مكانة رفيعة، ومنزلة عظيمة، بين جميع خلقه، و جعلهم ورثة أنبيائه ورسله، والنصوص الدالة على ذلك لا تحصى، والشواهد لا يمكن أن تُستقصى، قال تعالى: " يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات" وهو من عطف الخاص على العام، وذلك لمزية أولي العلم على سائر المومنين من غير العلماء.
وقال تعالى:  "شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم" قال القرطبي في جامعه:  "في هذه الآية دليل على فضل العلم، وشرف العلماء وفضلهم، فإنه لو كان أحد أشرف من العلماء لقرنهم الله باسمه واسم ملائكته كما قرن اسم العلماء".[1]
وقال صلى الله عليه وسلم: "فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم"[2]
ولا تخفى هذه المكانة الباسقة التي جعلها النبي الأعظم للعالم؛ حيث إنه جعل فضل العالم على العابد -أي الذي يعبد الله بجهل، ولا تخفى زيادة هذا القيد على طلاب العلم الشرعي- كفضله صلى الله عليه وسلم على أدنى المسلمين على جهة المبالغة، ولا يمكن أن تكون هاته الإشارة منه صلى الله عليه وسلم إلا لبيان عظمة هذا العالم، ومنزلته، ومكانته.
ثم قال صلى الله عليه وسلم: " إن الله وملائكته، وأهل السموات والأرض، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلمي الناس الخير"[3]
وإذا صلى الله وملائكته، وأهل السموات والأرض، والنملة في جحرها، والحوت على معلمي الناس الخير، فلا أرى له فضلا ومنزلة أعظم من ذلك سوى دخول الجنة.
كما قال صلى الله عليه وسلم: إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا، إنَّما ورَّثوا العلم، فمن أخذَه أخذ بحظٍّ وافر"[4]
إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الواردة في فضل ومنزلة العالم..
وعليه فإن هذا العلم الذي يحمله العالم بين ثناياه يوجب له تعظيما واحتراما وتقديرا كتقدير الوالدين. بل هناك من بالغ وفضَّله على الوالدين كما قال القائل:
أفضل أستاذي على فضل والدي     وإن نالني من والدي المجد والشرف
فهذا مربي الروح والروح جوهر    وذاك مربي الجسم والجسم كالصدف
ثم إن هذا الاحترام والتقدير أنواع ومراتب، أذكر بعضها مما أُراه[5]ضروريا:
أولها: الدعاء لهم بإخلاص بظهر الغيب جزاء ما عَلَّموا وأفادوا.
ثانيها: تقديرهم وعدم رفع الصوت أثناء حضورهم مهما بلغ الحال.
ثالثها: مناقشتهم بأدب جم، وتواضع كبير، وعدم الاستهزاء بهم إذا وقعوا في سهو، أو زلة، بل يُنَبَّهُون بأدب، لأنه قديما قيل: لكل عالم هفوة، ولكل جواد كبوة، ولكل سيف نبوة. والكمال لله تعالى. ويستحسن أن أسوق هنا قصة الشيخ أبي الفضل الجوهري الذي وقع في سهو، فنبهه تلميذه بأدب. وأترك الإمام ابن العربي يحكي القصة لأنه الراوي لها. قال: " أخبرني محمد بن قاسم العثماني غير مرة: وصلت الفسطاط مرة، فجئت مجلس الشيخ أبي الفضل الجوهري، وحضرت كلامه على الناس، فكان مما قال في أول مجلس جلست إليه: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - طلق وظاهر وآلى، فلما خرج تبعته حتى بلغت معه إلى منزله في جماعة، فجلس معنا في الدهليز[6]، وعرفهم أمري، فإنه رأى إشارة الغربة ولم يعرف الشخص قبل ذلك في الواردين عليه، فلما انفض عنه أكثرهم قال لي: أراك غريبا، هل لك من كلام؟ قلت: نعم. قال لجلسائه: أفرجوا له عن كلامه. فقاموا وبقيت وحدي معه. فقلت له: حضرت المجلس اليوم متبركا بك، وسمعتك تقول: آلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصدقت، وطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصدقت. وقلت: وظاهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذا لم يكن، ولا يصح أن يكون؛ لأن الظهار منكر من القول وزور؛ وذلك لا يجوز أن يقع من النبي - صلى الله عليه وسلم -. فضمني إلى نفسه وقبل رأسي، وقال لي: أنا تائب من ذلك، جزاك الله عني من معلم خيرا. ثم انقلبت عنه، وبكرت إلى مجلسه في اليوم الثاني، فألفيته قد سبقني إلى الجامع، وجلس على المنبر، فلما دخلت من باب الجامع ورآني نادى بأعلى صوته: مرحبا بمعلمي؛ أفسحوا لمعلمي..[7]
رابعها: تقديم الخِدْمات لهم بكل أنواعها وأصنافها كما تُقَدَّم للوالدين.
فهذا ابن عباس رضي الله عنهما مع جلالة قدره ورسوخه في العلم، يأخذ بركاب زيد بن ثابت ويقول: "هكذا أُمرنا أن نفعل بعلمائنا، وكبرائنا."[8]
خامسها: تقبيل أيديهم ورؤوسهم وأكتافهم بكل فخر واعتزاز، وألا يُسَلَّم عليهم كما يُسَلَّم على الصاحب والقرين.
فهذا الإمام مسلم بن الحجاج يجيء إلى الإمام البخاري ويقبِّل بين عينيه ويقول: دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله.[9]
وعن عاصم بن أبي النَّجود، قال: ما قدمت على أبي وائل من سفر إلا قبل كفي.[10]
وعن إبراهيم بن الأشعث قال: رأيت سفيان بن عيينة يقبل يد الفضيل مرتين.[11]
فمن شيم الطلبة الأبرار الذين يرومون السير في فلك العلماء، أن يوقروا شيوخهم بكل أنواع التوقير، وأن يحترموهم. وهذا شأن السلف الصالح مع شيوخهم كما سبق، فتجدهم يفرطون في محبة شيوخهم وتوقيرهم وتعظيمهم، وإن حصلوا منهم على فائدة يتيمة فقط، وليس بالضرورة أن يحصلوا منهم على علم كثير.
وهذا ما دأب عليه الخَلَف[12]أيضا إلى عهد قريب.
إلا أنه مع الأسف الشديد بدأت هاته الآداب المهمة والنافعة لطالب العلم تنقرض رويدا رويدا ، حيث إننا نجد من لا يتحدث مع شيخه بأدب، وهناك من يدعو على شيخه بدل الدعاء له، أما الاستهزاء واغتيابهم فحدث به ولا حرج. وقد قال ابن عساكر قولته المشهورة في اغتياب العلماء، -واغتياب طلبة العلم ليس كاغتياب العوام -: اعلم يا أخي وفقني الله وإياك لمرضاته وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب، بلاه الله قبل موته بموت القلب (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم)[13]
 أضف إلى ذلك عدم تقبيل أيديهم ورؤوسهم كأن فيهم البرص أو الجرب المعدي..
 ودائما ما أتساءل مع نفسي ما السبب الحامل لبعض الطلبة على عدم تقبيل أيدي شيوخهم، هل لما تحمل نفوسهم من شيء من العجرفة والتكبر؟ هل لكونهم حسبوا أنفسهم قد صاروا علماء، -وحتى إذا قلنا هذا فلا مانع من تقبيل أيديهم لأن ذلك ما يزيدهم إلا رفعة وسُمُوًّا-، هل لكون تقبيل أيديهم حراما..؟؟
وعليه فإن إجلال العلماء يجب أن يكون، وأن يرجع إلى مجده، ويجب أن يقدروا قدرهم، أما عدم توقيرهم واحترامهم، فإنه لا يزيد الطالب إلا انحطاطا، وإن بلغ من العلم ما بلغ.
 وقد حدثني بالسند العالي المتصل شيخي محمد اوالسو -حفظه الله- عن شيخه العلامة المربي عبد الحميد زويتن -رحمه الله- أنه قال: " أَقَلُّ ما يبتلى به من لا يُوَقّرُ شيخه، أن لا يبلغ مرتبته" وهذا مشاهد الآن.
فآمل أن يتلقى طلبةُ العلم هاته الكلمات الخارجة من قلب محروق باهتمام حتى يكونوا على بينة، ويبوؤوا الصدارة والمقدمة، و يفتح الله لهم، وينفع بهم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتبه –بِمرارة من أثر واقع تعامل الطلبة مع أساتذتهم:- زكرياء بن عبد الله غازيوي




[1]  الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، 4/41، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، نشر: دار الكتب المصرية – القاهرة .
[2]  سنن الترمذي،4/347 تحقيق: بشار عواد معروف، نشر: دار الغرب الإسلامي – بيروت

[3]  جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر،1/174 تحقيق: أبي الأشبال الزهيري، نشر: دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية.
[4]  سنن ابن ماجه،1/81 تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، نشر: دار إحياء الكتب العربية - فيصل عيسى البابي الحلبي
[5]  أُرى بضم الهمز معناه أظن، وبفتحها معناه أتيقن، وقد نظم هذا المعنى في بيت وهو:
عند اليقين فتح همزة أرى    وضمها في الظن حكما قُرِّرا
[6]  الْمَدْخَلُ الْمُمْتَدُّ ما بَيْنَ البابِ وَوَسَطِ الدَّارِ.
[7]  أحكام القرآن لابن العربي 1/249
[8]  المجالسة وجواهر العلم لأبي بكر أحمد بن مروان الدينوري المالكي،1/146 نشر : جمعية التربية الإسلامية (البحرين - أم الحصم ) ، دار ابن حزم (بيروت - لبنان)
[9]  البداية والنهاية لابن كثير 11/32
[10]  سير أعلام النبلاء للذهبي، 5/257 تحقيق : مجموعة من المحققين بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط، نشر: مؤسسة الرسالة.
[11]  المصدر نفسه 8/432
[12]  وخلف بالفتح قوم صالحون    وبسكون اللام قوم طالحون
[13]  المجموع شرح المهذب،1/24 نشر: دار الفكر


mokhtarat

mokhtarat

يتم التشغيل بواسطة Blogger.