جديد الموقع
recent

العلماء والسياسة | د. عبد الهادي التازي


لعل أصدق من يستطيع المقارنة والمفارقة بين الأمرين المتقابلين هو نفسه الشخص الذي باشر الأمرين كليهما معا. وقد أعرب ابن خلدون العالم السياسي عن رأيه في مزاولة العلماء للسياسة.
إن مفاهيم العلم في نظره مفاهيم غير مفاهيم السياسة، لأن مفاهيم العلم لها صبغة الدوام، بخلاف الأخرى فإن لها طابع التوقيت، كل حالة سياسية تقتضي حلا قد يكون غير الحل الذي يختار في اليوم الموالي لنفس تلك الحالة نظرا لتغير الشخص والزمان والمكان.
ومن أجل هذا كان للمبادرات في باب السياسة أثر كبير في نجاح السياسيين، وعلى العكس من ذلك العلم فإنه يقتضي وقتا لقياس الأمور بأشباهها ونظائرها. لقد مارس ابن خلدون الأمرين معا. وهو في نظرياته ليس ينقّص قطعا من زعامة العلماء السياسية، وقد ظلوا منذ فجر الإسلام قادة للدولة، ولكن القصد إلى حمل العلماء الذين يزاولون السياسة على أن يتبينوا جيدا المفاهيم، ويلبسوا لكل حال لبوسها.
إن تعاليم الإسلام تقضي بعدم انفصال الدين عن السياسة، المسجد صعيد للأمرين معا، ولهذا نجد الجامع في الأيام الأولى للإسلام كان لا يبعد عن دار الإمارة، كما كان الأمر في المدينة المنورة والفسطاط ودمشق والبصرة والكوفة وفاس: الخليفة يصلي بالمسلمين، وبتزكية المنبر تتم بيعة الملوك، وبتجريحه تسقط الدولة، وعليه تذاع البلاغات الرسمية.
ومن هذا المنطلق نرى القادة على أعلى مستوى، لم يكونوا فقط يهرعون إلى العلماء باعتبارهم الملاذ الوحيد، ولكنهم كانوا يتلذذون بانتقادهم ومتابعاتهم، يجدون فيها وقعات الجرس المحبب الذي يهدي إلى الطريق السوي.
وكما حدث التاريخ بالمصارحة القاسية التي واجه بها القاضي أبو يحيى السلطان يوسف بن تاشفين لما فرض "المعونة" على الناس من أجل الجهاد، كذلك كان موقف الشيخ أبي زيد التلمساني (ت 743 هـ) لما دعا السلطان أمير المؤمنين أبو الحسن الناس إلى الإعانة بأموالهم في الجهاد، فقال له أبو زيد: لا يصلح لك هذا حتى تكنس بيت المال، وتصلي فيه ركعتين، كما فعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وقد قام الإمام أبو الحسن الزرويلي المعروف بالصغير (ت 719 هـ) بجلْد سفير لابن الأحمر، لأنه تجاهر بشرب الخمر على مرأى المارة، واعتصم بالمسجد الجامع، ولما تطارح ذلك الأندلسي على بعض الوزراء أرسل هذا الوزير أعوانه للنيل من القاضي، لكن هذا نادى بالثورة على أولئك الأعيان، فثار الناس... ولما علم السلطان أبو الربيع بالحادث، انتقم من رسل الوزير، وانتصر للقاضي الزرويلي.
وقد اشتهروا بالتدخل من أجل المشاركة في حل المشكلات السياسية على الصعيد الدولي أو على الصعيد الوطني، وكان رأيهم هو القول الفصل، لأن "الرجوع إلى الشرع" كان -ولا يزال- شعار كل الناس في هذه البلاد. ولما تطاول الوزير اليهودي هارون على بعض النساء الشريفات من أهل فاس، فزع الناس إلى الشيخ عبد العزيز الورياكلي خطيب جامع القرويين... وكانت الثورة التي أودت بحياة هارون، وأسقطت دولة عبد الحق بن أبي سعيد.
وقد أبى العلماء أن يخضعوا للضغط الذي فرضه السعديون من أجل الحصول على تأييد رجال القرويين. إنهم كانوا يرون أنه لا داعي هناك يستوجب خلع طاعتهم للوطاسيين، وفضلوا أن يلقوا الله أوفياء شهداء دون أن يسلموا القياد، ولم تفزعهم التهديدات ولا نصب الحصون "والباستيونات" على مدينتهم.
وقد أحدثت أطماع الأجنبي في البلاد، وتخاذل بعض القادة عن ردع تلك الأطماع، ردود فعل عنيفة لدى العلماء، فأصدروا الفتاوى، وألبوا المشاعر، فبرهنوا بذلك على عزمهم على دخول المعتركات السياسية. وهكذا احتفظت لنا بطون كتب التاريخ بنص رسالة التأييد التي حررها علماء القرويين ردا على الأمير محمد السعدي الذي سمح لنفسه بالاستنجاد بسان سباَستيان ملك البرتغال ضد أبناء وطنه وأفتوا فيها بردة من استنصر على المسلمين بالنصارى، الأمر الذي كان من آثاره الاجهاز على العمالة والخيانة في معركة وادي المخازن.
ولابد من التنبيه إلى ناحية جميلة من وعي العلماء ونضجهم السياسي، فإنهم وقد نكبوا بالأمس في مشايخهم على أبواب القرويين من قبل السعديين، نسوا معارضتهم والتفوا حول الحكم السعدي صفا واحدا لمجابهة المعتدي في معركة وادي المخازن جاعلين المصلحة العليا والواجب الوطني فوق كل اعتبار.
ولم يجد المنصور السعدي في أعز أيامه بدا من استفتاء علماء القرويين عندما أزمع على فتح السودان. وإلى جانب هذا عاد العلماء إلى مناهضة المأمون الذي ضعف أمام النوازع فسلم مدينة العرائش عام 1019 هـ للإسبان، بعد أن كانت خلصت من يد البرتغال، تلك المناهضة التي تحولت إلى مناداة بالثورة والتجاء الشعب إلى العلماء، وكان للتدخل أثر قوي في الإجهاز على ذكر السعديين.
وقد كان للعلماء الكلمة الفاصلة في بعض المستوردات الأجنبية مما أخذ يتسلل إلى المغرب نتيجة اتصاله بالخارج، فقد وضعت مسألة تناول (طابة) التي وردت مع بعثة سودانية أول الأمر سنة 1007 هـ، ووضعت كذلك المنتوجات كلها من لباس وصابون وسكر، بل وبعض المسليات من كارطة وضامة وشطرنج وكرة... وكان للحديث عن القهوة والشاي ذيول.
ولما حاول بعض رجال الحكم أن يتذرع بالكلمة التي اشتهرت عن الإمام مالك: بجواز قتل ثلث العامة لمصلحة الثلثين لينال من بعض المعارضين، أنكر العلماء نسبة ذلك القول إلى مالك معلنين "ان الطريق للإصلاح المشروع إنما هو إقامة الحدود المسنونة من قبل الله والرسول، كيف وعندما سئل الإمام مالك عن مركب للعدو فيه مسلم واحد: هل يغرق؟ أجاب: لا."
هذا ولم يكن العلماء دعاة نظريات، يرتضون بالمواقع الخلفية، ولكن لهم وجودا دائما في المقدمة يؤكد أن مواقفهم السياسية صادرة عن اقتناع وإيمان.
ولهذا نجد عددا كبيرا من الذين شاركوا في مختلف المعارك، وتحصنوا بعدد من الرباطات، من أمثال: الورياغلي(794هـ)، وابن غازي(911هـ)، والبهلولي(943هـ)، وأبي المحاسن(1013هـ)، وابن القاضي(1025هـ)، زالقنطري(1018هـ)، وابن عاشر(1040هـ).
>> عن كتاب : جامع القرويين / عبد الهادي التازي رحمه الله (444-445-446)2

mokhtarat

mokhtarat

يتم التشغيل بواسطة Blogger.