جديد الموقع
recent

الفرق بين الإسلام القائم، وإقامة الإسلام | د. محمد أبياط

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه

مر بسمعي تلاوة قول الله تعالى:{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} [المائدة:20]. فتساءلت: هل هذا الخطاب خاص بأهل الكتاب؟..وما معنى لستم على شيء؟..وما مدلول "تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ"؟..
فأما الخطاب فهو لأهل الكتاب كما ذكر المفسرون،وأما معنى "لسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ " فمحذوف الصفة،أي لستم على شيء مستقيم كما ذكر ابن عطية في المحرر الوجيز.
وأما معنى "حَتَّىٰ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم"، أي حتى تُوَفوا حقوقها بالعلم والعمل. كما قال الراغب في المفردات. قوم. وأضاف قوله: لم يأمر تعالى بالصلاة حيثما أمر،ولا مدح به حيثما مدح إلا بلفظ الإقامة،تنبيها أن المقصود منها : توفية شرائطها،لا الإتيان بهيآتها.
ولما وقفت على هذه الدلالة عند الراغب ،وجدته رحمه الله نقلني من خطــاب أهل الكتاب إلى خطــاب المسلمين دون قصد مني، فتساءلت: هل أنا أقيم الصلاة؟..أو أنا أصلي؟..أو : هل المنفرد يصلي؟ أو يقيم الصلاة؟،ومن ثم تساءلت: هل إســلام الفـــرد هــو إسلام الجماعة؟...وهل دعــوى (الإسلام القائم) هي (إقامة الإسلام)؟...
فإسلام الفرد يقوم -على العموم- على النطق بالشهادتين،وتعلم الطهارة والتطهر،وتعلم وأداء الصلاة،والزكاة،والصيام،والحج والعمرة،والإحصان بالزواج الشرعي،والكسب الحلال،وتجنب المحرمات،وفعل القربات،وكف الأذى عن الخلق،وإيتاء الخير إلى الخلق،والتعاون على البر،والتعلم والتعليم....وغيرها من التكاليف العينية .
ولا نسلم أن إسلام الفرد يكون كاملا في كل ما ذكر،دون مشاركة الجماعة.
وإسلام الجماعة يقوم على إقامة مدلــولات كلمة التـــوحــيد،وإقامة العبادات ،وإقامة الإحصان المجتمعي،وإقامة الكسب الحلال،وإقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،وإقامة التعاون،وإقامة الأمانات،وإقامة العمران الحضاري،وإقامة الدولة المسلمة،وإقامة العـــدل،وإقامة التعاون على البر والتقوى،وإقامة النظام والنظافة(الجمال الاجتماعي)،وإقامة الجهاد الاجتماعي،ثم الدفــاعي،وإقامة العلاقات على مكارم الأخلاق...
فمفهـــوم الإسلام الجماعي هو إقامـــة الإســـلام،وليس هو فقط قول الإسلام،أو معرفة الإسلام. وإقامــة الإسلام تعني أساسا إقامــة دولة الإسلام،ولا يكمل إسلام الفـــرد إلا في ظـــل دولة الإسلام،وليس في ظل الدولة الإسلامــــية.
وقد نبه الله عز وجل على ضرورة "الإقــــامة" و"القـــومة" لمن يريد التغـــيير والإصلاح،أو البـــناء من جديــد،في قصة فتية الكهف ،حيث يقول سبحانــه:{وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَٰهًا ۖ لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا} [الكهف:14].
وقد جرني هذا السياق إلى إسلام مكة،الذي كان إسلام العلم والعمل الممكن،والصبــر؛وإلى إسلام المديــنة الذي هو إقامة دولة العلم والعــمل والعــدل بالإســلام تحت ظــل الإســـلام،وفي قيـــادة وسيـــادة الإسلام. فإقـــامة الإسلام لــيست هي الإســـلام القـــائم.
ولعــل كفــأر اليــوم تفقهــوا في إســلام مكـــة وإســلام المديــنة،فاتفقـــوا يُجهِدون أنفســهم شرقــا وغربــا في خــلق الفــتن والمــحن وزرعــها وتنميتـــها في الجســم المسلـــم اليـــوم، ليبقـــى المسلمـــون منشغلـــين ،مستغفلـــين،محرومـــين،عاجزيـــن حتـــى عن إســـلام مكـــة،إســلام العلـــم والعمـــل الـــفردي،بلـــه أن يطمحـــوا في إســـلام المديـــنة ،وفي إقـــأمة دولـــة الإســـلام.
وقد حذر الله عز وجل المسلـــمين ( لو كان مسلـــموا الـــيوم يعقـــلون) من مـــكر الكفـــار وكيدهـــم بقولـــه : { وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ} [البقرة:215].
والكفار لا يطمعون في سلخـــنا من إسلامنا في خطـــوة واحـــدة،ومحاولــة واحدة،
فالآيــة تصــرح بتكــرار المحاولات المختــلفة،ودون يأس منهــم،فتكرار إمـــرار الحبــل علــى الصخر يؤثر فيه.
ولما نصــب الكفار على المسلمين قيادات جائرة جاهــلة خائنــة،علموا أن بعض المسلمين سيهاجــر وطــنه،فمنعوا الهجرة بين الأقالــيم الإسلامية على يد القيادات 
المذكــورة،وفتحــوا سبل الهجــرة "المنظمــة" إلى بلاد الكفــر (لحاجات في نفس يعقوب). ولا يــوجد اليوم "نجـــاشي عــادل"،وصــار كفار اليوم- كما كان كفار قريش بمكــة- لا يخــشون الفــرد المسلم المنـــزوي السلبي،وإنــما يخشـــون إســلام الجمـــاعة المسلــمة المُتراصــة،المنظمَــة،المتبصــرة،الطمـــوحة،
المتشبــعة بـــروح الجمـــاعة.
إن الأعـــداء اليـــوم لا يـــرهبــون الدولة المسلمـــة -كمــا تنص على ذلك دساتيرها- لكنهم يرهبـــون قيـــام الدولة التـــي تـــقيم الإســـلام عقــــيدة
وشريـــعة.
فالســــــر في إقــــــامة الإســـلام،والقـــومية بالإســـلام،ولــــيس في التـــسمي 
بالإســـلام!!..
د.محمد أبياط
mokhtarat

mokhtarat

يتم التشغيل بواسطة Blogger.