جديد الموقع
recent

خطبة: تأخر المطر فرصة من أجل الإلحاح في الدعاء | عبد الله بنطاهر


بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه
الحمد لله الذي جعل سلاح المؤمن الدعاء، وهو لروحه الغذاء والدواء، وأشهد أن لا إله إلا الله خالق الأرض والسماء، وهو سبحانه المستحق لكل مدح وإطراء، وهو سبحانه المنعم علينا بنعم فاقت الإحصاء والاستقراء، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله أرسله الله هاديا حين زاغت الأبصار وضلت الآراء، فأزال بنوره عن العقيدة الشك والمراء، وحارب الضلال والافتراء، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه الذين كانوا في نشر الإسلام خير سفراء…


أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون، أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته. 
لقد تأخر المطر هذه السنة؛ فأصبح صقيع من البرد القارس يجتاح البلاد ويؤذي العباد، وبدأ جفاف حاد يطل برأسه، وظهرت مند الآن تأثيراته السيئة، خصوصا في المناطق التي تعتمد على الفلاحة البورية، وعلى تربية المواشي؛ بل إن هذه التأثيرات بدأت تطال جوانب متعددة في حياة المواطن، من تردي الأوضاع المعيشية، واستفحال البطالة التي استفحلت أصلا، لقد أصبحت الأرض صعيدا زلقا، وأصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا، والفلاح قد أحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها، وهي خاوية على عروشها، فيبس الضرع وجف الزرع، لقد أخذ الجفاف بمجامع الأرض كما أخذ الجفاء بمجامع القلوب، وبدأت الأكف ترفع إلى السماء والأصوات تعج بالدعاء: «اللهم اسق عبادك وبهيمتك»، والدعاء سلاح المؤمن، به يدفع البلاء، وبه يرد شر القضاء، ولا شيء أكرم على الله من الدعاء؛ لأنه استعانة من عاجز ضعيف بالقوي اللطيف، واستغاثة من عبد ملهوف، برب رحيم رؤوف، وتوجه ورجاء من محتاج فقير، إلى العلي القدير، ليزيل العلة ويرفع المحنة ويكشف الغمة ويحقق الرجاء والرغبة؛ فقد أمر بالدعاء ووعد بالإجابة فقال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ }، وقال سبحانه: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}، وروى أبو يعلى والحاكم أن النبيﷺ قال: «الدعاء سلاح المؤمن، وعماد الدين، ونور السموات والأرض»، وروى أبو داود وأحمد أنهﷺ قال: «إن الدعاء هو العبادة»، وفي رواية: «الدعاء مخ العبادة».
ولكن دعونا نتساءل: لماذا ندعو فلا يستجاب؟ ولماذا نلهج فلا يفتح الباب؟ فكثيرا ما ندعو «اللهم اسق عبادك وبهيمتك» والجفاف في ازدياد، أهناك مشكل في الاستجابة؟ معاذ الله، وهل أصبح باب الدعاء مغلقا؟ حاشا لله؛ فأين الخلل إذن؟ 
لقد صار الدعاء في حياتنا عادة من العادات، لا عبادة من أشرف العبادات، صار الدعاء مجرد أقوال جامدة وألفاظ جارية لا روح فيها ولا حياة، يتحرك بها اللسان تحرك آليا، وترفع لها الأيدي ارتفاعا شكليا؛ بل إن هذا اللسان الذي يردد الدعاء طالما أكل من لحوم الناس ونهش من أعراضهم، طالما اغتاب ونمَّ وكذب وخدع وأفسد وآذى؛ فأنى يستجاب له؟ وهاتان اليدان المرفوعتان ملطختان بأوحال المعاصي والسيئات، ملوثتان بأقذار الذنوب والآثام، فعلت من الفواحش وأتت من المنكرات ما تهتز له الأرض والسماوات؛ فأنى يستجاب له؟ 
يدور السحـــــــاب ببلدتنــــــــا * كدَوْر الحجاج ببيت الحرام
فلم يستطع النزول لسفك الدماء * وفرط الذنوب وأكل الحرام
فالسبب الحقيقي في عدم قبول دعائنا أننا ندعو الله بلسان المقال لا بلسان الحال، فكيف ندعو الله ونحن على الذنوب عاكفون، وعلى معصية الرحمن مقيمون، وبعبادة الشيطان فرحون ومستمرون ومستثمرون، ولقد صدق من قال: إن الدعاء هو ترك الذنوب. 
نحن ندعو الإله في كل كرب * ثم ننساه عند كشف الكروب
كيف نرجـو إجابـة لدعــــــاء * قد سـددنا طريقهـــا بالذنـوب
يقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إني لا أحمل هم الإجابة؛ ولكن أحمل هم الدعاء، فإذا ألهمت الدعاء علمت أن الإجابة معه». 
أيها الإخوة المؤمنون؛ إن للدعاء شروطا لابد من توفرها، وإن له موانع لابد من اجتنابها، ويمكن أن نلخص تلكم الشروط في ستة أمور: أن يكون الداعي صالحا في قلبه، صالحا في عمله، مصلحا لغيره، مخلصا في دعائه، حامدا لربه، مصليا على رسولهﷺ.

أما الشرط الأول: أن يكون صالحا في قلبه، والمراد به الحضور وعدم الغفلة؛ فقد روى الترمذي أن النبيﷺ قال: «...إن الله تعالى لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه»؛ تصوروا لو أن أحدنا وقف أمام أمير، أو وزير أو ولي أو رئيسه في العمل، فكيف سيكون حاله؟ لا شك أنه سيستجمع قلبه لامتثال الأوامر والنواهي، سيكون على أتم الاستعداد للامتثال بالإشارة قبل العبارة، سيكون حاضرا بكيانه كله بقلبه وعمله، بمظهره ومخبره، سيركز وسيخضع وسيخشع؛ بل قد يرتعد ويرتعش وتقشعر منه الجلود. هكذا يكون حالنا ونحن في مقابلة إنسان بشر مخلوق، ولكننا إذا وقفنا أمام ملك الملوك لمناجاة رب العالمين، ندعو ونلهو، نقدم مصالحنا على صلواتنا، نضيع مشاعرنا في سبيل مشاغلنا، وإنها لمقارنة عجيبة! وإنها لمفارقة غريبة! {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الاعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}.
أما الشرط الثاني: أن يكون صالحا في عمله؛ وأنتم تعلمون أن العمل الصلاح ينتج المال الصالح الحلال، وأن العمل الخبيث ينتج المال الحرام، ومن أعظم موانع الدعاء أكل الحرام وشرب الحرام ولباس الحرام؛ روى الإمام مسلم أن رسول اللهﷺ قال: »أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إِلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا}، وَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب؛ ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغُذِي بالحرام فأنى يستجاب لذلك»، وروى الطبراني عن ابن عباس قال: تُليت هذه الآية عند رسول اللهﷺ {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا}؛ فقام سعد بن أبي وقاص، فقال: يا رسول الله؛ ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، فقال له النبيﷺ: «يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده إن العبد ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل منه عمل أربعين يوما وأيما عبد نبت لحمه من السحت فالنار أولى به».
أما الشرط الثالث: أن يكون مصلحا لغيره؛ والمراد فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإن تعطيلها من موانع الدعاء، وبتركها يكثر الفساد والعصيان، وتنتشر الفواحش والبهتان، وتعم الذنوب وأعمال الشيطان؛ روى الترمذي أن النبيﷺ قال : »والذي نفسي بيده لتأمرُنَّ بالمعروف ولتنهوُنَّ عن المنكر أو ليوشكَنَّ الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم».
أما الشرط الرابع: أن يكون مخلصا في دعائه؛ قال الله سبحانه: {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} وقال تعالى: {هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}؛ فإذا كان الدعاء مخَّ العبادة فإن الإخلاصَ هو روح العبادة؛ يقول ابنُ عَطَاء الله: "الأعمال صُوَر قائمة كالتماثيل، وروحُها وجودُ سرِّ الإخلاص فيها".
الشرط الخامس والسادس: أن يكون حامدا لله ومصليا على رسولهﷺ؛ فقد روى أبو داود والترمذي: «أن النبيﷺ سمع رجلا يدعو في صلاته، فلم يُصَلِّ على النبيﷺ فقالﷺ: عَجِل(1) هذا، ثم دعاه فقال له: إذا صلى أحدكم فليبدأْ بتحميد الله والثناء عليه، ثم ليُصَلِّ على النبيﷺ ثم ليدع بعدُ ما شاء» وفي وراية: «ثم صلى رجل آخر بعد ذلك، فحمد الله، وصلى على النبيﷺ؛ فقال له النبيﷺ: أيها المصلي؛ ادع الله تُجَبْ»؛ وإنما عجل الأول حين ترك الترتيب في الدعاء، فقدم المسألة قبل الوسيلة؛ فالتحميد أولا، ثم التصلية ثانيا، ثم الدعاء بعدهما، حينئذ يكون أهلا للإجابة... 
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين والحمد لله رب العالمين.

الحمد لله رب العالمين…
أما بعد؛ فيا أيها الاخوة المؤمنون؛ تلكم هي شروط الدعاء المستحق للإجابة: أن يكون الداعي صالحا في قلبه، صالحا في عمله، مصلحا لغيره، مخلصا في دعائه، حامدا ربه، مصليا على رسولﷺ؛ فما للمسلم بعدها إلا أن يدعو وكله عزم ويقين بالإجابة بلا شك ولا تردد؛ فقد روى البخاري ومسلم أن الرسولﷺ قال: «لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة فإنه لا مستكره له» وفي رواية: «فإن الله صانع ما شاء لا مكره له»، وروى الترمذي أن النبيﷺ قال: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة...».
ولكن على المسلم ألا يتعجل الإجابة، لأن التعجيل دليل على الشره والطمع، وعلامة على اليأس والقنوط؛ فقد روى الإمام مسلم أن الرسولﷺ قال: «يستجاب لأحدكم ما يعجل، فيقول: دعوت فلم يستجب لي»؛ لأن الله تعالى يجيب دعوة الداعي في الوقت الذي يريد، وبالكيفية التي يريد؛ روى الحاكم وصححه أن الرسولﷺ قال: «ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها». قالوا: إذاً نكثر، قال: الله أكثر». وقال ابن عطاء الله في حكمه: "لا يكن تأخر أمد العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجبا ليأسك، فالله تعالى قد ضمن لك الإجابة فيما يختار هو، لا فيما تختار أنت لنفسك، وفي الوقت الذي يريد، لا في الوقت الذي تريد".
ألا فاتقوا الله عباد الله وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) «عجل هذا» بكسر الجيم ثلاثيا، ويجوز فيه الفتح والتشديد رباعيا.

الشيخ عبد الله بنطاهر
11 جمادى الأولى 1440هـ
 18 / 1 / 2019م.

mokhtarat

mokhtarat

يتم التشغيل بواسطة Blogger.