جديد الموقع
recent

خطبة: "لولا عياض ما عرف المغرب" | عبد الله بنطاهر

بسم الله الرحمن الرحيم 
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه. 

الحمد لله الذي يسر لنا شريعة بها قضاءٌ للأوطار والأغراض، وسَتْرٌ للعيوب والأعراض، وشفاءٌ للأوجاع والأمراض، وأشهد أن لا إله إلا الله أكرم المغرب بعلماء أمثال القاضي عياض، فبينوا للناس من العلوم السواد من البياض، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله أعطاه الله الكوثر وهو أفضل الأحواض، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الذين واجهوا الباطل بالاعتراض، وعلى التابعين لهم بإحسان ما أَجَاءَ الحواملَ المخاضُ.

أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.
قد أكرم الله تعالى بلاد المغرب بعلماء أجلاء، علماء هم شموس تشرق من المغرب لتضيء من الدنيا مشرقها ومغربها، ومن أوجب الواجبات أن نعرِّف بعلمائنا حتى نعترف بقدرهم ومكانتهم، وحتى نغترف من بحور فهومهم وعلومهم؛ ومن هؤلاء العلماء الإمام القاضي عياض الذي قيل عنه: لولا عياض ما عرف المغرب؛ فمن هو القاضي عياض؟
إذا كان وزن القاضي عياض يقارن ببلد بأكمله، فالتعريف به في خطبة لا يزيده إلا ما تزيد الإشارة بأصبع إلى الشمس في كبد السماء، وأنى لخطبة أن تفي بحق عالم بث العلوم عبر التاريخ بتأليف الكتب، كما بثها عبر الصدور بتأليف القلوب، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جله ولا أقله؛ فبذكر العلماء تتنزل الرحمات.
فالقاضي عياض هو أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض السبتـي نسبة إلى مولده مدينة سبتة المحتلة أعادها الله للوطن، شهدت هذه المدينة مولده في الخامس عشر من شعبان سنة أربعمائة وست وسبعين هجرية (476هـ = 28/12/1083م)، وفيها نشأ وتلقى تعليمه الأولي على يد شيوخها، ولكن مَثَل طالب العلم كمَثَل النحل، لا بد له من الانتقال والترحال بحثا عن رحيق الأزهار والأنوار، ومن أجل هذا رحل عياض وهو في مقتبل العمر إلى مدن العلم بالأندلس، ليتعلم من شيوخها في الفقه والحديث؛ فنزل قرطبة أولا، وأخذ فيها عن علمائها أمثال ابن رشد (الجد)، وابن العربي وغيرهم، ثم رحل إلى مدينة مُرْسِيَّة من مدن الفردوس المفقود الأندلس، فالتقى فيها بحافظ عصره أبي علي الصدفي، فلازمه وأخذ عنه الصحيحين، صحيح البخاري وصحيح مسلم، ولم يثبت عنه أنه رحل إلى المشرق مثلما فعل غيره من طلاب العلم؛ بل اكتفى بما حصله في رحلته إلى الأندلس، وقد شغلته حياته العلمية وانشغاله بالقضاء لإصلاح المجتمع عن أداء فريضة الحج؛ وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الحركة العلمية قد ازدهت في المغرب الإسلامي منذ القدم، فقد تمتع المغرب بالاكتفاء الذاتي في العلوم الشرعية واللغوية، فكثير من العلماء أيضا لم تسجل لهم الرحلة إلى المشرق منهم: ابن عبد البر (ت463هـ)، وابن رشد الجد(ت520هـ) وعبد الحق بن عطية(ت541هـ)، وهم علماء كبار في ميادين الثقافة العربية والإسلامية، ينافسون بعلمهم علماء المشرق المعروفين.
ثم رجع إلى مسقط رأسه مدينة سبتة واتجهت إليه الأنظار، والتفَّ حوله طلاب العلم وطلاب الفتوى، فجلس للتدريس وهو في الثانية والثلاثين من عمره، ثم تقلد منصب القضاء في سبتة وغرناطة، وظل قاضيا أزيد من ثمانية عشر عاما، يحكم بين الناس بالعدل والإنصاف، ويصدع بالحق في وجه كل باطل وإجحاف، فكان موضع تقدير الناس وإجلالهم.
وهكذا كانت حياته موزعة بين القضاء والإقراء والتأليف، وكان في علم الحديث الفذَّ في الحفظ والضبط والرواية والدراية؛ بيد أن الذي أذاع شهرته، وخلَّد ذكره هو مصنفاته التي بوَّأَتْه مكانة رفيعة بين كبار الأئمة في تاريخ الإسلام، وحسبك بها شاهدة على سعة العلم، وإتقان الحفظ، وجودة الفكر، والتبحر في فنون مختلفة وعلوم متنوعة؛ من الحديث والفقه والتاريخ، وجل مؤلفاته مطبوعة عدة طبعات، متداولة في كل الدول والبلدان، ومنها ما هو مخطوط باق على الحالة التي كان عليها، ومنها ما هو مفقود عرف اسمه وجهل رسمه، ومنهجه فيها يقوم على التحقيق والتدقيق والتوثيق وبذلك نال من الله التوفيق... 
ومن مؤلفاته الضاربة في الآفاق، الغواصة في الأعماق، العابرة للقارات: كتابه الشفا بتعريف حقوق المصطـفـىﷺ، تناول فيه سيرة النبيﷺ، فأحاط الذات النبوية الشريفة بكل ما يليق بها، من العصمة والتفرد والتميز عن سائر البشر؛ وقلما تخلو منه خزانة عامة أو خاصة حتى قيل فيه: 
كلهم حاولوا الدواء ولكن * ما أتى بالشفـاء إلا عيـاض
ومن مؤلفاته في الفقه المالكي كتابه المختصر "الإعلام بحدود قواعد الإسلام"، وقد شرفني الله تعالى بتحقيق شرحه وتحويله من نسخ مخطوطة إلى مطبوعة.
ومن مؤلفاته أيضا في التاريخ ورجاله كتابه: "ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك"؛ به دخل القاضي عياض ميدان التاريخ من باب الفقه والحديث، وهو يُعَدُّ أكبر موسوعة تتناول تراجم رجال المذهب المالكي بطريقة تفصيلية اعتمد عليه كل من جاء بعده في هذا الباب، كما له أيضا كتاب جمعت فيه بعض خطبه في الجمعة يسمى "خطب عياض". 
وإلى جانب كونه محدثا فقيها خطيبا؛ فقد كان أيضا أديبا شاعرا، له شعر رائع في قصائد كثيرة، ومن شعره في مدح الرسولﷺ قوله: 
هذا الذي ما رأت عين ولا سمعت * أذن بأكرم من كفيه إن سألوا
هذا الذي جاءت التوراة شاهـــــدة * بأنه خير من يحفى وينتعــــل
هذا الذي جاء في الإنجيل مبعثــه * يتلوه من قبل ذا رهبانـه الأول
هذا الذي هتفت من قبل مولـــــده * به الهواتف واشتاقت لــه المقل
هذا الذي جاءت الأخبار واتفقـت * قدما على بعثه الأخبـــار والملل
ومن شعره في الحث على الإقامة وعدم الإكثار من الأسفار 
ومن منا لا يحب السفر، و يبرمج له، ويفرح به، ويسعد فيه، لكن للعلامة القاضي عياض رأي آخر في شعره حيث قال:
تقاعد عن الأسفار إن كنت طالبا * نجاة ففي الأسفار سبع عوائق
تفكر إخوان وفقد أحبــــــــــــة * وتشتيت أموال وخيفة سارق
وكثرة إيحاش وقلة مؤنــــس * وأعظمها ياصاح سكنى الفنادق 
فإن قيل: في الأسفار كسب معيشة * وعلم آداب وصحبة فائـق 
فقل كان ذا دهرا تقادم عهده * وأعقبه دهر كثير العوائـــق
فهذا مقالي والسلام كما بدا * وجرب ففي التجريب علم الحقائق
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين والحمد لله رب العالمين...

الحمد لله رب العالمين...
أما بعد؛ فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ هكذا ابتسمت الدنيا للقاضي عياض فوظفها في العلم والعدل، وذلك في عهد دولة المرابطين يوم كان طالبا ومدرسا وقاضيا، لقد استغلها في العلوم فدارسها ودرَّسها، وفي الإصلاح فباشره ونشره؛ لكن ذلك لم يدم طويلا حتى بدأت ملامح دولة الموحدين الفتية تلوح في الأفق، وبين هاتين الدولتين اختلاف كبير في المنهج السياسي والعقدي؛ فيكون القاضي عياض من ضحايا هذا الاختلاف، فيقع في حيرة من أمره، كيف يتعامل مع الدولة الجديدة وقد اختلف معها اختلافا جذريا في الفقه والعقيدة معا، الشيء الذي سبب له وهو في آخر عمره متاعب صحية، ومصاعب مادية، فما كان له إلا أن يساير هذه الدولة الجديدة اتقاء شرها رغم مضايقتها له في شتى المجالات، إلى أن اختاره الله لجواره، وقيل: مات شهيدا، وعن بلده سبتة بعيدا، وفي أحضان الغربة وحيدا، وذلك منتصف ليلة الجمعة التاسع من جمادى الأخيرة سنة خمسمائة وأربع وأربعين هجرية (544هـ = 14/10/1149م)، ودفن بمراكش في باب أيلان داخل السور، وقبره معروف إلى اليوم يزار، وهو من رجالها السبعة المعروفين، ورغم ما خلف لنا من علوم غالية، وشهرة عالية؛ فإن نهايته كانت مأساوية، وأيامه الأخيرة كانت غامضة، ولله في خلقه شؤون؛ فقد قال النبيﷺ: «أشد الناسِ بلاء الأنبياء ثم العلماء، ثم الأمثل فالأمثل وَيُبْتَلَى العبد على حسب دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يدعه يمشي على وجه الأرض وما عليه خطيئة».
رحمه الله القاضي عياض ورضي عنه آمين...
ألا فاتقوا الله عباد الله وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ…

28 ربيع الأخير 1440هـ | 4 / 1 / 2019م.
الشيخ الفقيه: عبد الله بنطاهر
mokhtarat

mokhtarat

يتم التشغيل بواسطة Blogger.