• صوت القرويين

    الأحد، 9 ديسمبر 2018

    وسكت لسَان القرويين … الأستاذ العلامة سيدي محمد بن علي الكتاني رحمه الله

    بقلم: ذ. امحمد العمراوي
    فوجئت صباح يوم السبت 2008/04/05 وأنا في حلقة الدرس بمعهد الإمام مالك للتعليم العتيق بسيدي سليمان، بأخي العلامة سيدي عمر الدريسي حفظه الله يتصل بي ويلح في ذلك، ويصر على أن أجيبه، فعرفت أن شيئا ما قد وقع، استأذنت الطلبة وأجبت، فكان الخبر الفاجعة : لقد توفي شيخنا الأستاذ العلامة سيدي محمد بن علي الكتاني رحمه الله، قبل يوم واحد فقط أي يوم الخميس 2008/04/03 كنا جميعا برحاب جامع القرويين العامر، حيث أصر الفقيد على إلقاء كليمة، قدر لها أن تكون كلمة وداع!! نعم ألقى أستاذنا كلمة نصفها حول جامع القرويين الجامع الذي يحبه من سويداء قلبه، ويعشقه عشقا لا مثيل له، ونصفها حول مولد سيد الخلق، وحبيب الحق صلى الله عليه وسلم، فأبدع وأمتع وأجاد وأفاد، وكأنها كانت وصايا لمن يكمل المسير..
    قبل ذلك بأسبوع (يوم الأربعاء 2008/03/26) كان قد زارنا بمدرسة عبد الله گنون للتعليم العتيق بمسجد أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها بفاس بوصفه عضو اللجنة المحلية التي تنظر في ملفات الكتاتيب القرآنية المرشحة لنيل جائزة محمد السادس للكتاتيب القرآنية، رأى الطلبة يقرءون بألواحهم، والفقهاء قائمين بواجبهم، ففرح فرحا شديدا، وشكر الله على استمرار هذا الخير في الأمة، وطلب أن يسمع نماذج من طلبة وطالبات المدرسة وهم يرتلون القرآن غضا طريا فكان له ذلك…
    ثم ذهب مباشرة إلى مدينة صفرو ورافقته في رحلته ذهابا وإيابا، فكان فرحا مرحا، يحكي عن العلم والعلماء، وعن القرويين وأمجادها الغابرة، وكيف تعود إلى ما كانت عليه، وكان كل ما يتمناه أن يدرك يوم السبت حيث عودة الدراسة إلى القرويين بعد إصلاحها، فكان له ذلك.
    رجل لا تغيره المناصب
    ولد الفقيد -رحمه الله- حسب ما ذكر لي بنفسه عام 1925 بفاس، وحصل على العالمية من جامع القرويين عام 1949، ولقد عرفته -رحمه الله- منذ عام 1991 واستمرت دراستي عليه أكثر من عقد من الزمان، ثم عرفته بعد ذلك رئيسا للمجلس العلمي المحلي بفاس، وعرفته بعدها عضوا بالمجلس العلمي الأعلى، وخلال هذه المدة عرفت رجلا واحدا : لم يتغير ولم يتبدل، رجل متواضع، بشوش، يتعامل مع الجميع من دون تفريق، لم يكن يعرف ((البروتوكول)) لا من قريب ولا من بعيد.
    العلماء لا ينتظرون
    كان -رحمه الله- يجل العلم، ويقدر أهله، وكان لا يقبل من أحد مهما علا منصبه، وارتفع قدره وجاهه، أن يوقف عالما ببابه ينتظره، وكان شعاره في ذلك : العلماء لا ينتظرون، ذهب إلى إحدى العمالات التابعة لولاية فاس قبل سنوات قليلة، واستأذن في الدخول على السيد العامل، فقالوا له : انتظر قليلا، فقال : العلماء لا ينتظرون، وهم بالانصراف، لولا خروج السيد العامل إليه بنفسه، وثنيه عن الذهاب.
    وذهب إلى إحدى النظارات بفاس يوما فكان له الموقف نفسه… وكان هذا دأبه في كل مكان.
    لا يحمل حقدا لأحد
    جالسته كثيرا، وتحدثت معه في مواضيع شتى، وكانت قناعتي الراسخة فيه، أنه لا يحمل حقدا لأحد، وليست له عداوة مع أحده، وهذه خصلة نغبطه عليها، ونسأل الله أن ينفعه بها، فإنها من خصال أهل الجنة كما في قصة سعد بن مالك الأنصاري رضي الله عنه.
    دفاعه عن القرويين
    إن فقيدنا يعد بحق لسان جامع القرويين المبين، فما من مجلس جلسه إلا ويذكر القرويين على لسانه، ويحث المسؤولين على العناية به، ويحضهم على الاهتمام بشؤونه، ولقد تكلم عن جامع القرويين ودوره الريادي والأوضاع التي صار إليها وما يجب أن يكون عليه في جميع الملتقيات التي كانت تعقد بالقرويين بحضور الوزراء والأعيان، ومازلت أذكر أنه طالب السيد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية السابق الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري بإدخال طلبة العلم إلى جامع القرويين كل عام بدل الفصل بين الفوج والذي يليه بسنوات عديدة، طالبه بذلك على رؤوس الأشهاد، فاستجاب له السيد الوزير، وكان له ما أراد.
    إصلاح المجلس العلمي بفاس
    عندما عُين رئيسا للمجلس العلمي بفاس، ودخله أول مرة، قال : هذا سجن وليس مجلسا علميا، ولم يهدأ له بال حتى أعاد بناءه وإصلاحه، بجد واجتهاد رحمه الله، ومن حسناته التي لا تنسى بناؤه قاعة مهمة للمحاضرات بمقر المجلس، بعد أن استطاع الحصول على الأرض من الجهة المالكة لها بحنكته، وبعد أن استطاع اقناع الوزارة بحكمته، فبقيت مبرة من مبراته رحمه الله.
    درر من كلماته ومواقفه
    كانت له رحمه الله مواقف لا تنسى، لا يتسع المجال لبسطها، لكني أنقل هنا كلاما له رحمه الله في مواضيع مختلفة، وذلك من خلال حوار كنت أجريته معه ونشر بمجلة رسالة المعاهد بتاريخ : جمادى الأولى 1420 (شتنبر 1999) بصفته رئيس جمعية العلماء قدماء جامع القرويين، يقول رحمه الله :
    - سنظل في الميدان نؤدي الرسالة، وندافع عن الكلمة غير هيابين ولا وجلين.
    - التعليم الحالي تغلب عليه الروح الغربية، وتسيطر عليه التوجهات الأجنبية.
    - العلماء أحرص الناس على خدمة الدين والوطن.
    - النظرة الدونية التي ينظر بها إلى التعليم الديني يجب أن تمحى وتزول، فمعاهدنا الدينية هي التي تكسب المعرفة الحقة، وتكون الملكة الصحيحة.
    - دققنا ناقوس الخطر، ونبهنا إلى أن ماورد في خطة إدماج المرأة في التنمية لا يقوم على أساس شرعي.. بل إنه يهدم الكثير من أحكام ديننا، وما أجمع عليه العلماء.
    - كانت لنا نشرة تقلق وتفزع، وكان وقعها يدوي في كل مكان.
    - من أهدافنا : العمل على إصلاح التعليم ونشر اللغة العربية والثقافة الإسلامية، والإسراع بتعريب الإدارة والمدرسة المغربية.
    مقارنة محزنة
    في اليوم الذي توفي فيه شيخنا وأستاذنا سيدي محمد بن علي الكتابي، كان إعلامنا : مرئيه ومسموعه مشغولا بوفاة ممثل أمريكي!! ولد في نفس العام الذي ولد فيه فقيدنا، وتوفي في نفس اليوم الذي توفي فيه الفقيد رحمه الله، غير أن هذا الذي خدم بلده ودينه ما يقرب من ستين عاما، كانت كلها وبدون انقطاع بذلاً وعطاء لم يعرفه الإعلام، وهو على مرمى حجر منه : فاس، بيد أن هذا الإعلام عرف نكرة ماتت وراء المحيطات!! يا حسرة على العباد!! وفي الوقت نفسه توفي شخص آخر هو الأستاذ محمد بلمحجوب رئيس الجا معة الملكية المغربية لكرة القدم سابقا فاهتم به الإعلام، وهذا لا يضرنا، لكن من حقنا أن نتساءل : أليس العلامة محمد بن علي الكتابي كان رئيسا للمجلس العلمي سابقا بفاس بتعيين من جلالة الملك؟ أليس عضوا -إلى أن توفاه الله- بالمجلس العلمي الأعلى الذي يترأسه جلالة الملك؟ فما الفرق بينه وبين الأستاذ بلمحجوب رحمه الله، في خدمة البلد، إن لم نقل خدمة المغرب أم إن الإعلام في المغرب لا يعرف هؤلاء؟ أو يرى أنهم لا يستحقون الذكر؟ لا أدري! ولكنهم بالتأكيد يدرون.
    لكني أقول أخيرا ما قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين سأل أحد قادة جيوشه ذات يوم عن واقع الجند ومن استشهد منهم : فقال له يا أمير المؤمنين : استشهد فلان وفلان وفلان.. وعدد أشخاصا، ثم قال : وأناس لا تعرفهم فبكى عمر وقال له : ويحك ما ضرهم أن  عمر لا يعرفهم إن كان الله يعرفهم.
    ولقد صلي على الفقيد بمسجد الإمام مالك بفاس، ودفن عصر يوم السبت بمقبرة باب الفتوح (القباب) بجوار عدد من العلماء والأخيار رحمهم الله جميعا.
    رحمك الله شيخنا وأستاذنا، وأسكنك فسيح جناته مع من مضى من شيوخنا وآبائنا، وألحقنا بكم مسلمين ثابتين لا مبدلين ولا مغيرين ولا فاتنين ولا مفتونين، وجمعنا وإياكم بحبيبنا محمد عليها لسلام في الفردوس الأعلى.
    فإلى هناك حيث اللقاء بإذن الله.
    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    فاس في فاتح ربيع الثاني 1429
    (2008/04/08)
    المصدر: مجلة المحجة - عدد 296
    تنويه: المقالات والمواضيع المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي أصحابها
    Scroll to Top