• صوت القرويين

    الجمعة، 9 نوفمبر 2018

    الصحيح والضعيف من روايات السيرة النبوية المولد أنموذجا

    هذه محاضرة للأستاذ عبد الوهاب العمراني بالمجلس العلمي المحلي بفاس بتاريخ الخميس 29 صفر 1440 هـ الموافق 08 نونبر 2018 م .
    ملاحظة: الهوامش موجودة في الأصل .
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
    موضوع هذا العرض المتواضع:
    الصحيح والضعيف من روايات السيرة النبوية المولد أنموذجا
    وقد جعلته في مقدمة وأربعة مطالب وخاتمة 
    المطلب الأول: خصائص السيرة النبوية 
    المطلب الثاني: مصادر السيرة النبوية 
    المطلب الثالث: معيقات وصعوبات كتابة السيرة النبوية الصحيحة
    المطلب الرابع: الصحيح والضعيف من روايات المولد النبوي
    مقدمة:
    الرسول الكريم محمد بن عبد الله هو خاتم النبيين والمرسلين، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي، كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين ". وقد كان صلى الله عليه وسلم متخلقا بالقرآن الكريم كما قالت عائشة رضي الله عنها عندما سئلت عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت كان خلقه القرآن، وهو القدوة والأسوة، قال تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة ....) ، والسيرة النبوية هي مجال واسع للاقتداء والتأسي والاتباع باعتبارها التطبيق العملي للإسلام.
    والسيرة في اللغة هي الطريقة والهيئة والحالة والصورة، وفي القرآن الكريم قال تعالى: (قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى) . أي حالتها الأولى. وفي المثل: من حسنت سيرته طابت سريرته، أي حسن الظاهر دليل على صفاء النفس وطهارتها ونقائها.
    وفي الاصطلاح: إذا أطلقت السيرة لا تنصرف إلا إلى سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي تاريخ النبي عليه الصلاة والسلام من ميلاده إلى أن التحق بالرفيق الأعلى مرورا بكل مراحل حياته، ووقوفا على مرحلة ما بعد البعثة، وبمعنى عام هي قصة الإسلام من خلال 23 عاما، فهي التطبيق العملي لتعاليم الإسلام. 
    وأول من ألف في السيرة محمد بن شهاب الزهري بأمر من عمر بن عبد العزيز
    أول من دونه بالأمر محمد بن شهاب الزهري
    وكان أول من أطلق على كتابه اسم السيرة ، وأما من كان قبله فقد كانوا يعبرون بالمغازي، ثم جاء من بعده من جمع بين الكلمتين كابن عبد البر الذي سمى كتابه الدرر في المغازي والسير.
    وإن الناظر في كتب السيرة والمطالع لمصنفاتها يرى خليطا من الروايات الصحيحة والحسنة والضعيفة والموضوعة، مما يصعب معه على غير المتخصص اختيار الرواية الصحيحة من غيرها، مما حتم على أهل العلم خوض غمار هذا البحث الصعب الدقيق، وقد بدأنا نرى بعض الثمار التي تحتاج إلى مزيد من الجهد والعمل والمثابرة. 
    المطلب الأول: خصائص السيرة النبوية
    أولا: السيرة النبوية هي منظومة تربوية موثقة صحيحة في أغلبها، لأنها دونت في عصر مبكر في الثلاثة القرون الأولى التي شهد لها النبي صلى الله عليه وسلم بالخيرية في قوله: "خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" . وهذا أعطاها قيمة كبيرة، والتدوين المبكر من خصائصه وجود الصحابة والتابعين وتابعيهم، وهؤلاء عاشوا هذه الأحداث وشاهدوها وشاركوا فيها وكتبوا عنها ملتزمين الأمانة العلمية والصدق وتحري الأخبار والدقة والحق وعدم التعصب لشخص أو مذهب أو بلد او قبيلة.
    ثانيا: واضحة لا غموض فيها، حياة النبي صلى الله عليه وسلم واضحة منذ بعثته إلى وفاته، أحداثها دقيقة ومفصلة ومشروحة ومتسلسلة، "منذ زواج أبيه عبد الله بأمه آمنة إلى وفاته صلى الله عليه وسلم، فنحن نعرف الشيء الكثير عن ولادته، وطفولته وشبابه، ومكسبه قبل النبوة، ورحلاته خارج مكة، إلى أن بعثه الله رسولا كريما، ثم نعرف بشكل أدق وأوضح وأكمل كل أحواله سنة فسنة، مما يجعل سيرته عليه الصلاة والسلام واضحة وضوح الشمس" .
    ثالثا: الشمول والإحاطة، كل واحد يستطيع أن يأخذ من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم مكان القدوة، الشباب يتعلمون من سيرته، وأهل الدعوة إلى الله يجدون في رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة، كيف كان يخاطب الناس؟ كيف كان يبلغ الرسالة؟ كيف كان يؤم الناس ويخطب فيهم؟ يتعلمون منه أسلوب الخطاب والتبليغ والأداء، الآباء يأخذون منه كيفية التعامل بين الأب وأهله وأبنائه،
    كان كذلك رئيس دولة وقائد جيش وقاض يحكم بين الناس ..
    رابعا: العملية والواقعية، فهي لم تخرج النبي صلى الله عليه وسلم من بشريته وإنسانيته، ولم تظهره بمظهر الأساطير وهالة التقديس كما وقع لكثير من الأنبياء قبله. 
    ومع أن في السيرة النبوية الكثير من المعجزات والانتصارات والفتوحات، لكنها تبقى سيرة منطقية صالحة للاقتداء والتأسي والاتباع.
    المطلب الثاني: مصادر السيرة النبوية
    كانت السيرة النبوية أولا عبارة عن أحاديث يتحدث بها الصحابة في مجالسهم، يحدث الذي علم بها وحضر فيها من لم يحضر، ومن هؤلاء الذين لم يحضروا فئة من الصحابة الكبار الذين غابوا عن معترك الأحداث منهم مهاجرو الحبشة الذين غابت عنهم أحداث عظام في مكة، ومنهم فئة من الصحابة تأخر إسلامهم ولم يحضروا كثيرا من الوقائع التي وقعت في مكة، كانوا يوجهون أسئلتهم للأقدمين إسلاما، ومنهم فئة من الصحابة الصغار الذين كانوا يوجهون أسئلتهم لصحابة كبار شاركوا في أحداث الإسلام الأولى.
    هذه الأحاديث وهذه الفآت هي التي كانت النواة الأولى للسيرة النبوية.
    أولا: القرآن الكريم وقد اشتمل على قسط كبير من أحداث السيرة النبوية وأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، لكن هذا الجانب لا يعطينا فكرة متسلسلة للأحداث، لأن القرآن لا يقصد إلى سوق الأحداث، وإنما يقصد العبرة والاتعاظ، ومثال ذلك ما ورد في قوله تعالى: (ولقد نصركم الله وأنتم أذلة ...) ، (ويوم حنين إذ اعجبتكم كثرتكم ..) وهذا يعني أن القلة العددية لا يمكن أن تكون دليلا على الهزيمة والعكس، كذلك قوله تعالى: (ألم يجدك يتيما فآوى ...) ، (والقلم وما يسطرون) ، (وإنك لعلى خلق عظيم) ، (ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) . 
    فالقرآن لا يقصد سرد التاريخ، وإنما يستخلص العبرة والدرس، وأما التفاصيل فإننا نجدها في السنة والسيرة، والإفادة التامة من القرآن الكريم كمصدر من مصادر السيرة لا تكتمل إلا بالرجوع إلى التفاسير الموثقة وأهمها كتب التفسير بالمأثور كالطبري وابن كثير، والرجوع إلى كتب الناسخ والمنسوخ وأسباب النزول.
    وقد كتب محمد عزة دروزة السيرة النبوية انطلاقا من القرآن الكريم، واسم كتابه: سيرة الرسول صور مقتبسة من القرآن الكريم.
    ثانيا: السنة النبوية، كالموطإ والبخاري ومسلم وكتب السنن والمسانيد وغيرها، والسنة تبين ما أجمله القرآن الكريم، وقد خصصت بعض كتب السيرة أبوابا للحديث عن المغازي والسير، وفضائل النبي صلى الله عليه وسلم، وفضائل الصحابة، وغير ذلك من الكتب والأبواب المفردة داخل هذه التصانيف الحديثية، وينبغي أن ينصب الاهتمام على الكتب التي اهتمت والتزمت بنقل الصحيح وعرفت بأنها موثقة صحيحة. 
    ثالثا: الكتب المؤلفة في السيرة النبوية 
    وقد كان بعض الصحابة يتنبهون إلى ضرورة تقييد وتدوين بعض أحداث السيرة كعبد الله بن عباس رضي الله عنه 68 ھ ، الذي كان يخصص أياما معلومة لتعليم بعض العلوم يوما في التفسير ويوما في الحديث ويوما في السيرة ويوما للشعر والأدب ...فتكون لديه رصيد كبير من السيرة النبوية، ثم جاء بعده عروة بن الزبير 93 ھ تابعي، وهو أحد الفقهاء السبعة البارزين في المدينة، وكان له جهد كبير في جمع السيرة، ولذلك يتحدث بعض المؤرخين عن مغازي عروة، وهو أول من كتب في السيرة.
    وهناك مغازي أبان بن عثمان 105 ھ ، وهو محدث ثقة من التابعين، كذلك سعيد بن المسيب عالم أهل المدينة، وسيد التابعين في زمانه،94 ھ.
    ثم جاء بعده شرحبيل بن سعد 123 ھ ، صدوق اختلط في آخر عمره.
    ثم ابن شهاب الزهري 124 ھ ، من صغار التابعين ومن كبار المحدثين، وثقه جهابذة الجرح والتعديل، والذي جمع ما تفرق عند هؤلاء، وكان يسأل النساء والرجال عما يعلمن من السيرة ويجمع كل ما يسمع، وقد شهد له تلميذه مالك بن أنس رحمه الله بقوله: "أدركت بين هذه السواري أكثر من سبعين شيخا كلهم محدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم آخذ عن أحد منهم وإن أحدهم لو ائتمن على بيت مال لكان أمينا، ولكنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن، فلما جاء ابن شهاب الزهري ازدحمنا على بابه". 
    بعده جاء عبد الله بن أبي بكر بن أبي حزم 135 ھ ، محدث ثقة من التابعين، ثم معمر بن راشد 150ھ ، محدث ثقة من تلاميذ الزهري.
    ثم جاء تلامذة ابن شهاب الزهري ومنهم محمد ابن إسحاق 151 ھ ، الذي كان له القسط الوافر في تأسيس هذا العلم بمنهجه الخاص، وطريقته الجديدة المبتكرة في التأليف لم يسبق إليها، فهو أمير المؤمنين في السيرة، وقد جمع ابن إسحاق بين صفتي المؤرخ والمحدث وأفاد من منهج المحدثين بالتزام سرد الأسانيد، وقد ألف كتابه بإشارة من أبي جعفر المنصور، ألف كتابه في التاريخ فأمره المنصور باختصاره فاختصره مقتصرا على السيرة، هذا الكتاب لم يصلنا كما ألفه صاحبه بل كما هذبه عبد الملك بن هشام 213 ھ ، هذه السيرة أعني سيرة ابن هشام لها إيجابيات كثيرة فهي المصدر الأساسي للسيرة، وقد تلقتها الأمة بالقبول رغم ما قيل فيها وفي صاحبها، ويكفيه أنه من المدينة ومن كبار محدثيها، هذه السيرة لها روايات متعددة منها رواية زياد بن عبد الله البكائي 183 ھ ، الذي هو شيخ ابن هشام. . 
    ومن تلامذة ابن إسحاق موسى بن عقبة 141 ھ، له كتاب المغازي، وقد أثنى مالك على هذا الكتاب وقال عنه إنه أصح المغازي. 
    بعد ابن إسحاق جاء الواقدي 207 ھ، صاحب كتاب الطبقات، وهذا الكتاب لم يصلنا والذي وصل هو كتاب المغازي، وقد تكلم في الواقدي كثير من المحدثين، قال عنه الذهبي: جمع فأوعى وخلط الغث بالسمين والخرز بالدر الثمين فاطرحوه لذلك، وقال غيره عنه متروك. وقد وصف بالموسوعي المطلع وله مكتبة ضخمة. 
    بعد الواقدي جاء ابن سعد 230 ھ، شيخ التابعين وثقه كثيرون، والذي ألف الطبقات ، ولهذا العالم خصوصية ومنهج فريد في التأليف، يجمع بين النظري والتطبيقي، حيث كان يتحدث عن الغزوات ويذهب إلى البقعة والمكان الذي وقعت فيه المعركة ويكتب عن المكان والأشجار والماء والجبال وغيرها، وقد أضاف إلى السيرة جانبا مهما من شمائل الرسول صلى الله عليه وسلم. 
    رابعا: كتب متنوعة كالتاريخ والجغرافيا والأدب والشعر وكتب الرجال والتراجم والفقه والأنساب ومعاجم اللغة... وقد كان هناك شعراء ينافحون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقفون في وجه الكفار مثل كعب بن زهير وحسان وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك، هؤلاء الشعراء تركوا قدرا كبيرا من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم مبثوثة في أشعارهم.
    وينبغي أن ينزل كل مصدر من هذه المصادر منزلته.
    وتتنوع كتب السيرة إلى أنواع، منها كتب الطبقات وتعنى بالتراجم والتواريخ، والمغازي وتعنى بمغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم. والدلائل التي تذكر الحجج والبراهين الدالة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم، وترد على المغرضين والمشككين، وتبين صدق معجزاته، ومن المؤلفات في هذا المجال دلائل النبوة للبيهقي. والخصائص تعنى بجمع ما اختص الله به نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم على الأنبياء وسائر الناس، ومما ألف فيه الخصائص الكبرى للسيوطي.
    الشمائل وتعنى بجمع تفاصيل حياة النبي صلى الله عليه وسلم وعيشته وعلاقاته مع أهله ومع الناس جميعا، وتختص أيضا بذكر صفاته الخلقية والخلقية وآدابه الجميلة في اليوم والليلة، وجوده وكرمه وزهده وورعه، ومما ألف فيه: الشمائل المحمدية والخصائص المصطفوية للترمذي.

    المطلب الثالث: معيقات وصعوبات كتابة السيرة النبوية الصحيحة 
    وتتجلى هذه الصعوبات فيما يلي: 
    1 - طول المدة، باعتبار ان السيرة تشمل حياة النبي صلى الله عليه وسلم من ولادته إلى وفاته، وتوثيقها كلها يحتاج إلى جهود جبارة من مؤسسات مختصة في هذا الغرض. 
    2 - كثرة المؤلفات في السيرة وتنوع المؤلفين فيها من علماء وفقهاء وشعراء وأدباء ومؤرخين وفلاسفة، بل ألف في السيرة غير المسلمين، وهذا يحتاج إلى استيعاب كبير مما يصعب معه جمع وكتابة السيرة. 
    3 - الخلاف الواقع بين العلماء حول السيرة وهل هي علم خاص؟ أو تندرج في التاريخ العام؟ أو تنسب إلى السنة والحديث؟ باعتبارها التطبيق العملي للإسلام، وهذا أدى إلى خلاف آخر حول كيفية كتابة هذه السيرة، بعضهم كتبها على طريقة الحديث فجمع الروايات بأسانيدها رغم قلة التمحيص والتدقيق، وبعضهم كتبها على طريقة المؤرخين فجرد الروايات عن أسانيدها. 
    4 - كثرة النقول والروايات التي يقع بينها كثير من التعارض والتضارب، مما يصعب على الباحثين عملية الترجيح.
    5 - محاولة تطبيق المنهج النقدي عند المحدثين على روايات السيرة النبوية، هذه العملية ستبقي في النهاية على قليل من أحداث السيرة وتلغي أكثرها.
    6 - انتشار الكذب والتدليس، واختلاق الروايات في القرن الرابع الهجري فما بعده.
    7 - الاقتناع بفكرة ما والانتصار لها وللمذهب المتبع دون حياد وبحث عن الحق المجرد، يؤثر في كتابة السيرة وإخراجها بطريقة صحيحة موثقة.
    8 - انشغال الباحثين والمهتمين والعلماء بأشياء هي أقل شأنا، وعدم وضع منهج دقيق يضع الأولويات موضعها ويعطيها الأسبقية.
    يقول الغزالي رحمه الله: " وإن آفات المؤرخين للسيرة الشريفة ولغيرها من أحداث الناس، وأطوار الزمان، قلة التثبت وضعف التمحيص، وقد وقع كثير من الأقدمين والمحدثين في هذا الخطإ على تفاوت بينهم في دقة المأخذ وحدة الانتباه، وعندما شرعت أكتب سيرة لسيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتهدت أن ألزم النهج السوي وأن أعتمد على المصادر المحترمة.
    وأظنني بلغت في هذا المجال مبلغا حسنا واستجمعت من الأخبار ما تطمئن إليه نفس العالم البصير ". 
    المطلب الرابع: الصحيح والضعيف من روايات المولد النبوي
    أولا: الصحيح من روايات المولد النبوي:
    النسب النبوي: والصحيح منه والمتفق عليه هو ما ذكره البخاري، وما فوقه لا دليل عليه.
    قال الإمام البخاري رحمه الله: "هو أبو القاسم، محمد بن عبد الله، بن عبد المطلب، بن هاشم، بن عبد مناف، بن قصي، بن كلاب، بن مرة، بن كعب، بن لؤي، بن غالب، بن فهر، بن مالك بن النضر، بن كنانة، بن خزيمة، بن مدركة، بن إلياس، بن مضر، بن نزار، بن معد، بن عدنان" .
    أما نسبه في قومه فقد روى مسلم عن واثلة بن الأسقع، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» 
    والصحيح أنه "توفي أبوه وأمه حبلى به" .
    ولد يتيما بتصريح القرآن الكريم (ألم يجدك يتيما فآوى) ، ومما صح واحتف بمولده ما ورد أن آمنة حين وضعته رأت نورا خرج منها أضاءت منه قصور بصرى من أرض الشام .
    وصح كذلك أن ثويبة أرضعته، وأن حليمة السعدية أرضعته في بني سعد لكن خبر حليمة الطويل المشتهر حول رضاعه وما رافق ذلك من قصص وحكايات ذكر المحدثون أنها لا تصح.
    والجمهور يرى أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد في الثاني عشر من ربيع الأول عام الفيل يوم الإثنين وكان الفصل ربيعا، والدليل على أن واقعة الفيل حدثت من القرآن الكريم في سورة الفيل، والصحيح كذلك أنه ولد عام الفيل، وأما ما قيل بأنه صلى الله عليه وسلم ولد بعد حادثة الفيل ب 23 سنة أو 30 أو40 وما قيل بأنه ولد قبل الفيل ب 10 أو 15 فإنها روايات لا مستند لها بل كلها باطلة.
    وقد ورد في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم ولد يوم الإثنين وذكر بعضهم أنه مجمع عليه.
    وقد وردت روايات متعارضة حول تاريخ مولده والشهر الذي ولد فيه، أما بالنسبة ليوم مولده فقد روى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم يوم الإثنين من كل أسبوع وعندما سئل عن ذلك قال ذلك يوم ولدت فيه، والحديث أخرجه مسلم عن أبي قتادة الأنصاري قال: "وسئل عن صوم يوم الاثنين؟ قال: «ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت - أو أنزل علي فيه -» " .
    أما تاريخ مولده فقد ذكر أهل السير ما يزيد عن 18 رواية 
    1- 1 ربيع الأول
    2 – 2 ربيع الأول
    3- 8 ربيع الأول
    4- 09 ربيع الأول
    5 10 ربيع الأول
    6- 11 ربيع الأول
    7- 12 ربيع الأول
    8- 17 ربيع الأول
    9- 18 ربيع الأول
    10- اول الإثنين ربيع الأول
    11- ربيع الآخر
    12- محرم
    13- صفر
    14- رجب
    15- رمضان
    16- يوم الفيل
    17- قبل الفيل ب 15 سنة
    18- بين الفيل ومولده 10 سنوات
    ومن خلال هذه الروايات والأقوال المتعارضة يظهر لنا أن تحديد اليوم الذي ولد فيه صلى الله عليه وسلم فيه من الصعوبة والعسر مالا يخفى، وقد محص العلماء هذه الروايات واستخرجوا منها أربعة أقوال لها نوع من القوة والاعتبار وهي:
    أولا: رأي كثير من المحدثين 8 ربيع الأول
    ثانيا: اختيار الجمهور وهو 18 ربيع الأول
    ثالثا: أشهر الأقوال 12 ربيع الأول
    رابعا: رأي الفلكيين وهو 9 ربيع الأول
    والذي اشتهر بين الناس واختاره المغاربة هو اليوم الثاني عشر من ربيع الأول لكثرة رواياته والتي يعضد بعضها بعضا رغم عدم خضوعها في المجمل للمنهج المصطلحي الحديثي النقدي المعروف، ومنها من حديث ابن عباس وجابر رضي الله عنهما أنهما قالا: "ولد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الفيل يوم الإثنين الثاني عشر من ربيع الأول، وفيه عرج به إلى السماء، وفيه هاجر، وفيه مات". وهو اختيار ابن إسحاق في سيرته لأنه أوثق الروايات واختيار أبي حاتم بن حبان والبيهقي والحاكم والطبري والذهبي وابن سيد الناس واختاره ابن خلدون قال الشيخ أبو زهرة: "إن الجمهرة العظمى من علماء الرواية أن مولده صلى الله عليه وسلم في ربيع الأول من عام الفيل في ليلة 12 منه وذلك لأن الفيل وجيشه ساروا لمكة في المحرم، وولد النبي صلى الله عليه وسلم بعد مقدم الفيل بخمسين يوما، وبذلك أجمع الأكثرون على أنه ولد بعد مساورة جيش أبرهة بخمسين يوما".
    ولفهم هذا النص جيدا تذكر بعض الروايات أن الفيل قدم مكة في منتصف محرم وهذا غير مناسب لما ذكر قبل، لأن المناسب ليوم الثاني عشر هو أن يكون قد مضى 55 يوما. "وصاحب الروض الأنف يذكر فيما نقلنا أن الأشهر أنه ولد بعد خمسين يوما من قدوم جيش أبرهة، ولكن هناك قول آخر مشهور وهو أنه ولد بعد خمس وخمسين، كما في رواية أبى جعفر محمد الباقر، إذ يذكر أن الفيل قدم في النصف من المحرم، فيكون المناسب لليلة الثانية عشرة هو أن يكون قد مضى خمسة وخمسون ليلة". 
    وقال الغزالي: "وأغلب الروايات تتجه إلى أن ذلك كان عام هجوم الأحباش على مكة سنة 570 ھ في الثاني عشر من ربيع الأول سنة 53 ق ھ " .
    وقد رجح المبار كفوري في الرحيق المختوم أن يوم ميلاده هو التاسع من ربيع الأول حسبما حققه عالمان كبيران وهما محمد سليمان المنصور فوري والمحقق الفلكي محمود باشا .
    وأما الرضاع فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أرضعته أمه آمنة بكل تأكيد، 
    ومن مرضعاته ثويبة، وفي البخاري: "أرضعتني وأبا سلمة ثويبة" .
    ومنهن حليمة السعدية وقد وردت الرواية الصحيحة بأنها أرضعته في بني سعد، وأما ما صاحب إرضاعه من قصص وأخبار في الحديث الطويل المعروف في كتب السير فهو غير صحيح .
    ثانيا الضعيف من روايات المولد النبوي.
    من الضعيف ما ورد حول كيفية حمل أمه آمنة به، وما صاحب ذلك من قصص وروايات مثل قولهم لم تر أخف منه وأنها كانت تلبس التعاويذ من حديد فينقطع، وأنها رأت بشارات بقدومه، وأمرت بتسميته محمدا، وأنه وقع عند ولادته معتمدا على يديه رافعا رأسه إلى السماء، وأنه ولد مختونا، وأن من ختنه جبريل، أو ختنه عبد المطلب يوم ولادته وجعل له مأدبة وسماه محمدا، وإن كانت هذه الرواية الأخيرة أقوى من غيرها، كذلك ما ورد من روايات موضوعة حول هواتف الجان يوم مولده مبشرة به، وانتكاس بعض الأصنام في مكة، وارتجاس إيوان كسرى، وسقوط شرفاته، وخمود نيران المجوس، وغيض بحيرة ساوة، ورؤيا الموبذان الخيل العربية تقطع دجلة وتنتشر في بلاد الفرس.

    خاتمة: 
    سائر الذين كتبوا في السيرة اهتموا بجمع الروايات وتدوينها دون اشتراط الصحة، واكتفوا بذكر الأسانيد ليعرف القارئ منها الصحيح من الضعيف، وشذ من هؤلاء البخاري ومسلم حيث شرطا الصحة في الرواية في السيرة وغيرها، لكن الأمر يحتاج إلى جهد من الباحثين للحكم على الرواية بالصحة أو الضعف من خلال السند وعلم الجرح والتعديل، والاستفادة مما كتبه المختصون في هذا المجال مثل الخطيب البغدادي وابن الصلاح وعياض وابن كثير وابن حجر والذهبي، وهذا الأمر يحتاج إلى جهود هائلة تقوم بها مؤسسات كبرى مختصة في هذا الغرض، والروايات التي لا سند لها يطبق عليها منهج النقد التاريخي، ويمكن الاستفادة من الروايات المتفقة التي نقلها أهل السير إذا لم تكن تتعلق بالعقيدة أو الشريعة، إن السيرة النبوية تحتاج إلى منهج أهل الحديث الذي يسوق الرواية الواحدة بإسنادها دون خلط بين الروايات، لا إلى منهج الإخباريين الذين يسوقون الروايات الكثيرة مساقا واحدا دون إسناد ودون تمييز بين رواية وأخرى، وينبغي أن تكون الانطلاقة في هذا العمل من خلال سيرة ابن إسحاق بتهذيب ابن هشام، باعتبار أن ابن إسحاق هو الذي أقام لهذا العلم أركانه وبنى له بنيانه، وهو الجامع بين منهجي المحدثين والمؤرخين، ومما يسهل عملية توثيق السيرة أن سائر مصادرها المهمة أوردت الروايات بأسانيدها، ومعظم الرجال المذكورين في هذه الأسانيد من المحدثين المذكورين في كتب التراجم.
    وقد بذل جهد كبير لكنه ما يزال في بداية الطريق، والحاجة ماسة إلى من يتم المسير جمعا للمصادر ونقدا للأخبار واختيارا للنصوص، وقد بدأت ثمار جهود بعض المختصين تظهر مؤخرا أذكر من هذه الثمار صحيح السيرة النبوية لأحمد صالح العلي، صحيح السيرة النبوية أو السيرة الذهبية لمحمد بن رزق بن طرهوني السلمي، والسيرة النبوية الصحيحة لأكرم ضياء العمري نسأل الله تعالى أن يتقبل منهم وأن يوفق العلماء لمزيد من العطاء. والحمد لله رب العالمين.
    إعداد الأستاذ: عبد الوهاب العمراني
    التالي
    هذه اخر تدوينه
    رسالة أقدم
    تنويه: المقالات والمواضيع المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي أصحابها
    Scroll to Top