• صوت القرويين

    الاثنين، 19 نوفمبر 2018

    مذكرات المسيد - بقلم أيوب المكاوي


    أشرقت شمس يوم الخميس على صياح ديكتنا لتوقظني من نوم عميق. إستيقظت بسرعة غسلت وجهي، ارتديت جلبابي الصوفي وبلغتي استعدادا للالتحاق بزمرة الأصدقاء للعب "الغميضة". احتسيت فنجان قهوة بيدي اليمنى وفي اليسرى كسرة خبز شعير بخفة أصبحت الكسرة في طريقها للمعدة والكأس موضوعا على الطاولة، وقبل أن تطأ قدمي عتبة المنزل إذا بصوت أبي يتردد علي مناديا: أيوب أين تريد الذهاب...؟؟؟ اجبته: أبي أصدقائي في الخارج ينتظرونني للعب معهم.

    فأجابني أبي قائلا : لقد بلغت سن السادسة ربيعا، وحان أوان ذهابك للكتاب القرآني، حان الوقت لتبدأ في تطبيق وصية جدك بحفظ كتاب الله والسير على منوال الأجداد ... وتعلم الحروف وطريقة الربط بينها... لا أعرف بماذا ابتليت، هل سأواجه ذلك الوحش؟؟ لقد أخبرني حمزة بروايات كثيرة عن الفقيه، أشبه بأساطير الغول .
    إن هذا الفقيه لا يبرح حتى يفقأ إحدى أعين الطلبة الجدد، بل وقد يحجزهم يوما كاملا في مقصورة المسجد بين يدي خدامه من الجن والعفاريت التي دأبت على أكل الأذن اليمنى ونصف أنف هؤلاء الطلبة أمثالي... رباه ما السبيل للنجاة من هذا الغول؟؟!! لابد أنه الآن يسمع ما يجول بخاطري ،فقد أخبرني ذلك المعتوه أن عفاريته منتشرة في كل حدب .... أمسك أبي بيدي قائلا :هيا المسيد بانتظارك، ونادى على أمي قائلا: أحضري بعض بيضات الدجاج ولا تنسي جلب بعضا من النقود المسرورة في قطعة القماش تلك، رباه يبدو أنه لا مناص من ذلك.
    ...خطوة خطوة نقترب من باب المسجد، وقبل أن يرتد إلي طرفي أجد نفسي بعتبة المسيد، أصبح ذاك الغول أمامي بلحيته الطويلة الكثيفة... نظراته أصبحت منصبة علي، وعصاه بيمينه، بات يلوح بها يمينا وشمالا، قابعا على بساط فرو خروف .
    عجيب الأمر!! إن أصدقائي الذين كانو بانتظاري للعب الغميضة كلهم هنا، كل واحد منهم منعزل في زاوية من المسجد يتحرك أماما ثم يرجع وراء ويستدير يمينا وشمالا دون أن يغير مكانه وبحوزته اللوح الخشبي.
    ألقى أبي التحية على الفقيه: أسعد الله صباحكم فقيهنا سيدي المكي كيف حالك...؟؟؟!! 
    الفقيه: بخير والحمد لله ، يبدو أن الصغير يريد الإنضمام للركب والسير على نهج الأجداد؟
    أبي: هذا ما نأمله بإذن الله وعونه.
    الفقيه: حسنا أيها الصغير إجلس هناك وخذ هذا لوحك... انتظر حتى أنادي عليك لأكتب لك ماتيسر من كتاب الله.
    دون أن أعارض أو أتلفظ بكلمة أخدت اللوح بحدر وجلست بمكان منعزل عن الجميع ، أدرت بصري هنا وهناك فلم أجد حمزة ، يبدو أنه هرب إلى أحد الأماكن ليختبئ من هذا الغول، وما إن غادر أبي الكتاب حتى أجهشت بالبكاء: ﻻ أريد أن تفقأ عيني ... لا أريد أن يأكل نصف أنفي، أريد أمي ... بدأ الكل بالضحك، ودون أن أحس وجدت نفسي في حجر الفقيه، أدخل يده في جيبه مخرجا كيسا به سكاكر مختلطة بقطع من السكر، وضع واحدة منها بفمي واثنتين بقب جلبابي.
    سكت وإذا بالكل يستغرب من صنيع الفقيه، لطالما عرف سيدي المكي بغلظته ومرونة عصاه الطويلة، لكنه اليوم أظهر مدى صفاء فطرته ونقائها، ففقيه الدوار ليس غولا وإنما منبع علم يستزاد به... لقد ضيعت يا حمزة حلاوة هذه السكاكر، لابد أنه الآن يرتعد خوفا من بطش الفقيه، لكنه لا يعلم مدى ليونته وعطفه.
    وصلت الساعة العاشرة والنصف وأذن للكل بالإنصراف واحدا تلو الآخر ، لا يكاد يخرج الطالب الموالي حتى يشرف الأول على الوصول لعتبة منزله، رجعت لمنزلنا والسعادة تملأ كياني وتمنيت لو مرت هذه الساعات ليحين موعد رجوعي للمسيد فلربما تنتظرني سكاكر أخرى. 
    ثكلتك أمك ياحمزة، لم يحالفك حظك هذه المرة.
    بقلم أيوب المكاوي / تلميذ في السنة أولى باكلوريا
    تنويه: المقالات والمواضيع المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي أصحابها
    Scroll to Top