• صوت القرويين

    الثلاثاء، 28 أغسطس 2018

    خطبة بعنوان: الأدوات المدرسية ووضعية الفقراء

    الحمد لله يعز من يشاء ويذل من يشاء، جعل الفقر والغناء امتحانا في ابتلاء، سبحانه وتعالى أغنى بفضله ورحمته الأغنياء، وأفقر بحكمته وعدله المحرومين الضعفاء، {وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ}، وأشهد أن لا إله إلا الله هو الغني ونحن الفقراء، شرع للمحرومين حقا معلوما من مال الأغنياء، حتى يعيشوا جميعا متعاونين أقوياء، ترهب اتحاد قوتهم الأعداء، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله إمام الرسل والأنبياء، حث على مساعدة المساكين فكان الناس بشرعه سعداء، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الشرفاء، الذين هم أشداء على الكفار بينهم رحماء، وعلى التابعين لهم بإحسان مادامت الأرض والسماء…
    اللهم إنا نعوذ بك من جَهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء.

    أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون؛ أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته. 
    ها هي المدارس تستعد لفتح أبوابها لتستقبل الطالب الناجح فيتقدم في حقول العلم والمعرفة إلى الأمام، كما تستقبل أيضا الراسب ليعيد الكرة مرة أخرى، لعله يتفادى أخطاء وتهاون السنة الماضية، وإلا فمصيره الطرد والإبعاد، والسقوط في المدرسة مرتان؛ فاجتهاد بمعروف، أو طرد بغير إحسان، والمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين. والإسلام قد أوجب على المسلم العلم من المهد إلى اللحد، وفرضه على كل مسلم ومسلمة دون التحديد بأيام ولا بسنوات. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «طلب العلم فريضة على كل مسلم». 
    أيها الأخوة المؤمنون؛ إن مما يحتاج إليه التلاميذ في هذه الأيام المساعدةَ المادية بالدرجة الأولى، مساعدةَ المحتاجين الذين أثقلت كواهلهم الأدوات المدرسية الثقيلة وثمنها الأثقل، هذه الأدوات التي تقف في سبيل الفقراء، وتعرقل في حياتهم مسيرة التعليم، ومن عادتي من فوق هذا المنبر أنني أنبه إلى هذا المشكل في بداية كل سنة، فيجد التنبيه -ولله الحمد- آذانا صاغية، وقلوبا حانية، وها هي الحالة تتكرر مرة أخرى، فيجب أن يتكرر معها التنبيه والنداء، ولا بد من الوقوف عند الأزمات وإن تعددت أزمنتها، وما شرع الإسلام صلاة الجمعة وخطبتيها إلا لتساير المجتمع، وتعالج أحداثه بحلول الإسلام الناجعة. 
    فتعالوا بنا اليوم نحرك القلوب الرحيمة، والنفوس المؤمنة، لمساعدة الأسر الفقيرة، وهذه الأيام تمر على الفقراء كالإعصار أو الصاعقة، لم يستفيقوا بعد من نطحة كبش العيد المؤلمة، إذا بنطحات الأدوات المدرسية تتوجه صوب جيوبهم لتستنزفها، منهم من تخلف عليه ديونا لن يتخلص منها بسهولة، ومنهم من تخلف له نزاعا وخصاما بينه وبين زوجته، ومنهم من يخرج أبناءه أو على الأقل بعضا منهم من المدرسة مرغما، لأنه لا يستطيع شراء الأدوات المدرسية، ليتسلم الشارع أبناءه وما فيه من البطالة والمخدرات والفساد؛ فهل تعلمون يا أصحاب القلوب الرحيمة، أن متوسط ما تتطلبه أدوات تلميذ واحد يفوق ألف درهم؟ وهل تعلمون يا أصحاب النفوس المؤمنة، أن أغلب الأسر يتراوح عدد الأبناء والبنات فيها ما بين أربع إلى ستة؟ وهل تعلمون أن بيننا فقراء، راتبهم الشهري لا يفي بأغراضهم الضرورية؟ وهل تعلمون أن المدارس لا تعرف إلا لغة الطرد لمن لم يأت بالأدوات؟ وهل تعلمون أن الصليبين إنما يستغلون في تنصير شبابنا الفقر والحاجة، والجهل والأمية؟ فإن لم تملئوا اليوم هذا الفراغ وتقطعوا على الصليبيين الطريق بمساعدة الفقراء في محاربة الجهل والأمية، فإن مكايدهم غدا أو بعد غذ لهم بالمرصاد. فمن أين يأتي التلميذ الفقير بثمن أدواته الإجبارية ومصاريف الأسرة من الأكل والملبس والمسكن وشبح الكراء، وفاتورة الضوء والماء قد أثقل كاهل الأب؟ هذا عند الأسر التي وجد فيها الأب عملا يعول به أسرته، فكيف بالأسرة التي الأب فيها عاطل عن العمل؟ وأنتم تعلمون مدى العمق الذي وصل إليه أخطبوط البطالة، وليس في بلادنا فحسب، بل في العالم كله! فكيف باليتامى الذين مات أبوهم أو غاب؟ وبقيت الأم أرملة ضائعة؛ تكد وتعمل ليعيش أبناؤها، وإلا فالجوع لهم بالمرصاد، وناهيك عن نتائج الطلاق، وتفكيك الأسر، وضياع الأبناء؛ هؤلاء والله أولى بقول شاعر الحمراء إذ قال: 
    كيف المآل إذا تكون الحــــال * بالجوع تقضي نسوة ورجال
    هذا أبو الأيتام خلفك سائــــلا * وأبو اليتامى دأبه التســــــآل
    فعساك تشفق من أليم عذابــه * فإذا فعلت فربنا فعـــــــــــال
    آه لأرملــــــــة تقود صغارها * والدمع من أجفانهم هطــــال
    عار علينا أن تموت ضعافنا * جوعا وتفضل عندنا الأموال
    هل فكرتم أيها الأغنياء في هؤلاء؟ يا من بسط الله عليه الدنيا! هل سألت في هذه الأيام عن أمثال هؤلاء؟ وقد يكونون في أسرتك: أبناء الاخوة أو الأعمام أو الأخوال، افتح بصرك جيدا، لا تمش بعيدا، ألا تجد في عائلتك أسرة قد خنقتها أثمنة الأدوات في هذه الأيام؟ لم لا تمد لها يد المساعدة؟ والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذوي الرحم صدقة وصلة» وقد يكون هذا المسكين عاملا في معملك أو متجرك، وأنت تعلم وصية الرسول صلى الله عليه وسلم بالعامل إذ قال: «أعطوا الأجير حقه قبل أن يجف عرقه» وقد يكون من جيرانك والرسول صلى الله عليه وسلم يقول فيما روى الطبراني والحاكم: «ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه» ويقول صلى الله عليه وسلم: «لازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه». 
    اتصل رعاك الله يا من بسط الله عليه الدنيا بالأساتذة والمعلمين والمدراء، ليكشفوا لك عن حالات من الفقر، تتفطر لها القلوب من كمد، إن كان في القلب إسلام وإيمان، إن كان يدور في بالك الآن أن تقدم المساعدة، حتى بالكتب المستعملة، والرسول صلى الله عليه وسلم يجمع بين الحث على طلب العلم، وبين الإحسان للفقراء فيقولﷺ فيما روى الإمام مسلم: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما، سهل الله طريقا إلى الجنة، ومن نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» و كأنه صلى الله عليه وسلم يقول لنا في هذا الحديث: إن أفضل من تساعدون هم طلبة العلم الفقراء والمحتاجون. 
    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين، والحمد لله رب العالمين

    الحمد لله رب العالمين... 
    أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون؛ إن الإحسان إلى الفقراء، خصوصا عند الأزمات والنكبات جزاءه عند الله عظيم، والله تعالى يقول: {وما تنفقوا من خير فلأنفسكم، وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله، وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون، للفقراء الذين احصروا في سبيل الله، لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، تعرفهم بسيماهم، لا يسألون الناس إلحافا، وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم، الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون}.
    ذلكم –يا عباد الله- هو النداء الرباني إلى الوقوف بجانب الضعفاء! وتلكم هي التوجيهات القرآنية والنبوية، في الإحسان إلى الفقراء! وذلكم هو جزاء من يساعد المساكين عند الله عز وجل. ونرجو ألا يكون هذا النداء صيحة في واد، أو كمن ينادي ولكن لا حياة لمن ينادي! 
    فهل من مجيب؟ فهل من مجيب؟ فهل من مجيب؟
    ألا فاتقوا الله عباد الله! وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ...
    الشيخ الفقيه عبد الله بنطاهر
    تنويه: المقالات والمواضيع المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي أصحابها
    Scroll to Top