• صوت القرويين

    الجمعة، 27 يوليو 2018

    كيفية صلاة خسوف القمر عند المالكية

    جاءني سؤال هذه الأيام عن كيفية صلاة خسوف القمر عند المالكية؟
    الجواب والله الموفق للصواب:
    الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

    أولا: الخسوف والكسوف لغة؛ فقد اختلف علماء اللغة فيهما فقيل: الخسوف والكسوف مترادفان على معنى واحد في الشمس والقمر وهو: ذهاب الضوء منهما، وقيل بتباينهما؛ فالكسوف: التغير، والخسوف: ذهاب الضوء بالكلية، ولما كان القمر يذهب جملة ضوئه والشمس ليست كذلك كان أولى بالخسوف من الكسوف، فيقال: خسف القمر، وكسفت الشمس(1).
    ثانيا: نقلت وسائل الإعلام أن علماء الفلك أكدوا على أن أطول خسوف للقمر خلال القرن الحالي سيحدث في التاسعة والنصف من مساء الجمعة (27 /07/ 2018م) وهو ما يصطلح على تسميته لدى الأوساط العلمية بـ"القمر الدموي"، حيث يشبه لونه لون الدم، ويمكن مشاهدته من أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط بين الغروب ومنتصف الليل، ثم بين منتصف الليل وشروق الشمس في معظم أنحاء آسيا وأستراليا.
    ثالثا: يجب أن نعلم أن هذا الأمر هو حقيقة ليس رجما بالغيب، ولا علما بالغيب، والله تعالى يقول: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل: 65]؛ بل هو علم مكتسب يصل إليه البشر عن طريق الحسابات وقياسات المسافات وسرعة الأجرام السموية؛ على سبيل المثال: إذا قيل لك بأن سيارة خرجت من مكة المكرمة في الساعة كذا وكذا، وهي تريد المدينة المنورة، وسرعته ثابتة في (100 كيلو في الساعة)؛ فإنك إذا علمت مسافة الطريق بين مكة والمدينة ستعرف حتما وقت وصول السيارة بالثانية والدقيقة، وهذا علم مبني على أمور علمية مادية له علماؤه المتخصصون فيه، وليس بالضروري أن يكونوا مسلمين.
    رابعا: التعريف العلمي لظاهرة الخسوف والكسوف؛ فهي ظاهرة كونية تحدث عندما يكون الأرض والشمس والقمر في خط مستقيم؛ فإذا كان الأرض بينهما حدث خسوف للقمر بحيث يغطي الأرض بظله القمر فيمنع عنه أشعة الشمس، وإذا كان القمر في الوسط حدث كسوف الشمس بحيث يغطى القمر بظله الأرض فيمنع عنه أشعة الشمس.
    خامسا: هذه الظاهرة الكونية تدل على قدرة الله تعالى، بحيث لا يستطيع أحد غيره سبحانه ضبط هذه الأجرام السماوية العملاقة بنظام سير دقيق، لا يقع فيه خطأ بتاتا، ولا علاقة له بما يحدث في الأرض من أتراح وأفراح؛ ولهذا شرعت لها صلاةٌ خاصة؛ دفعا لما كان يُعتقد في الجاهلية أنها ظاهرة تحدث عند وفاة عظيم من العظماء. 
    وأصلها ما في الصحيحين عن المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه-: قال: «انكَسَفت الشمسُ على عهدِ رسولِ اللهﷺ يوم مات ابنه إِبراهيمُ، فقال الناسُ: انكسفت لموتِ إِبراهيمَ، فقال رسولُ اللهﷺ: إِن الشمسَ والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإِذا رأَيتموهما فادعوا الله وصلُّوا حتى تنجليَ» وفي رواية: «فافْزَعُوا إِلى الصلاة»(2).

    سادسا: حكم صلاة خسوف القمر وكيفيتها ووقتها:
    • أما حكمها فقد اتفق علماء المذهب المالكي على أن صلاة كسوف الشمس سنة مؤكدة، ولكنهم اختلفوا في صلاة خسوف القمر؛ والمشهور أنها مستحبة، وقيل: هي أيضا سنة مؤكدة مثل كسوف الشمس(3).
    • أما كيفيتها ففيها في المذهب المالكي قولان:
    القول الأول: المشهور المعتمد الذي به الفتوى: أنها ركعتان ركعتان مثل النوافل تصلى فرادى بالجهر، ويندب تكرارها حتى ينجلي القمر، أو يغيب، أو يطلع الفجر؛ قال الإمام مالك: "ولا يجمع في خسوف القمر، ويصلون ركعتين كسائر النوافل"(4)، وقال الشيخ خليل: "وركعتان ركعتان لخسوف قمر كالنوافل جهرا بلا جمع"(5)، وبه قال أبو حنيفة(6).
    وحجتهم ما ثبت في الصحيح أن النبيﷺ حين كسفت الشمس صلى بهم جماعة ركعتين بركوعين وفاتحتين، بينما خسف القمر مرات على عهدهﷺ ولم ينقل عنه الصلاة جماعة فيها؛ فتبقى على أصلها من النوافل ركعتين ركعتين(7). 
    روى الأئمة مالك والبخاري ومسلم عن عائشة -رضي الله عنها-: قالت: «كَسَفَت الشمسُ على عهد النبيﷺ، فقام النبيﷺ، فصلَّى بالناس، فأطال القراءة، ثم ركع فأطال الركوعَ، ثم رفع رأسه، فأطال القراءة -وهي دون قراءته الأولى- ثم ركع فأطال الركوع، دون ركوعه الأول، ثم رفع رأسه، فسجد سجدتين، ثم قام فصنع في الركعة الثانية مثل ذلك، ثم قام فقال: إِن الشمسَ والقمرَ لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله يُريهما عبادَه، فإذا رأيتُم ذلك فافْزَعُوا إِلى الصلاة»(8). 
    وقال ابن حبيب: قال ابن عباس: «خسف القمر بعهد النبيﷺ، فلم يجمعنا إلى الصلاة معه، كما فعل في خسوف الشمس، فرأيته صلى ركعتين فأطالهما، وما رأيته صَلَّى نافلة فطولها، ثم انصرف»(9).
    القول الثاني: قيل: هي مثل صلاة كسوف الشمس: ركعتان بركوعين يقرأ في كل واحدة منهما بالفاتحة مرتين؛ وبه قال أشهب وابن الماجشون واللخمي من المالكية، وهو مذب الشافعية والحنابلة(10).
    • أما وقتها فيبدأ ببداية خسوف القمر وينتهي حين ينجلي القمر، أو يغيب، أو يطلع الفجر.

    وأخيرا: هذه فرصة لكل مسلم لا ليشاهد هذه الظاهرة الكونية فقط كما يروج لذلك وسائل الإعلام؛ بل هي فرصة ليحقق لنفسه أمرين:
    1) هي فرصة ليتدبر المسلم قدرة خالق هذا الكون الواسع الذي لا يعد القمر ولا الأرض ولا المجموعة الشمسية كلها إلا مثل حبة رمل على ساحل بحر، ولهذا يسن له أن يلتجأ إلى الله تعالى بالصلاة والدعاء.
    2) هي فرصة مواتية لكي يؤدي المسلم عبادة هي سنة النبيﷺ اسمها (صلاة خسوف القمر)؛ فمن يضمن له طول العمر حتى يشاهدها مرة أخرى؟. والله يهدي إلى سواء السبيل.
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    الهامش: 
    (1) الثمر الداني شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني للنفرلوي: (ص: 254).
    (2) صحيح البخاري: كتاب الكسوف: باب الصلاة في كسوف الشمس، وصحيح مسلم: كتاب الكسوف: باب ذكر النداء بصلاة الكسوف.
    (3) الثمر الداني شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني (ص: 254)
    (4) تهذيب المدونة للبرادعي: (1/ 327).
    (5) مواهب الجليل للحطاب: (2/ 200). 
    (6) الثمر الداني شرح رسالة القيرواني للنفراوي: (ص: 257).
    (7) الذخيرة للقرافي: (2/ 430).
    (8) موطأ مالك: كتاب الكسوف: باب العمل في صلاة الكسوف، وصحيح البخاري: كتاب الكسوف: باب الصدقة في الكسوف، وصحيح مسلم: كتاب الكسوف: باب ما عرض علىﷺ.
    (9) النوادر والزيادات لابن أبي زيد: (1/ 511 و512).
    (10) القوانين الفقهية لابن جزي: (ص: 61).

    عبد الله بنطاهر السوسي
    11 ذو القعدة 1439هـ 26/07/ 2018م
    مدرسة الإمام البخاري للتعليم العتيق أكادير المغرب.
    المرجع كتابي: " أجوبة وفتاوى فيما استجد في العصر من الظواهر والقضايا"
    مرقون في فرصته للطبع إن شاء الله.
    تنويه: المقالات والمواضيع المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي أصحابها
    Scroll to Top