• صوت القرويين

    السبت، 28 يوليو 2018

    فاس بين اليوم والأمس | قصيدة ذ.كمال ظريف

    على ضِفاف "سَبُو" أذعنتُ حينَ سَـبا
    ××× نُورُ الـمَجالي وعِطرٌ مِن نَسيمِ صَبا

    إذ لَن تُرى بَهجةٌ لِلنفسِ آسِرةٌ
    ××× كـالنّور والعِطر في حَقلٍ إذا اصْطَحَبا

    تلألأَ النورُ في السّفحِ الفسيـحِ وقدْ
    ××× تَفتّحَ الياسَـمينُ الغَضُّ فوقَ رُبَى

    ففاحَ عِطرٌ منَ الأزهارِ مُجتَلِـِباً
    ××× رَقص الفراشِ وشَدْوَ الطّيرِ إذْ طَرِبا

    هَذِي الهضابُ خِيامٌ والرّبيعُ هَوًى
    ××× قد دَقَّ فـي سَفحِها الأوتادَ والطُّـنُبا

    وفي مَداها "زَلاغٌ" قد تَزيّـنَ في
    ××× عَمامةِ وَرِداءٍ وُشِّـحا سُحُبـا

    وأنتِ يا فاسُ مِثلَ الطّفلِ هاجعةٌ
    ××× في قَعرِ وادٍ تُناجيـنَ الذي شرِبا:

    أنا الـمدينةُ ذاتُ الـمَجدِ مُذ قِدَمٍ
    ××× أنعِـمْ بهِ قِدَمـاً ! أكـرِمْ بهِ حَسَـبا!

    على أدِيـمي مَشى التاريخُ مُزدَهِياً
    ××× إذ لـمْ تَزَل في الورى أثوابُـه قُشُبا

    وتَحتَـهُ أولـياءُ الله قد قُبِـرُوا
    ××× لا خوفَ يَشكونَ، لا حُزنٌ.. ولا وَصَبا

    يا فاسُ.. يا أُمَّ مَن أَمّـُوا ومَن سَكَنوا
    ××× ودَعوةُ الأصْـفِيَـا لا تَعرِفُ الـحُجُبا

    يا مَبعثَ الصَّرخَةِ الأولى بنَبض فَمِي
    ××× ذاكَ الهواءُ هوًى قدْ داعبَ الشُّعَبا

    وانسَلَّ في رِئتي يَسقي العُروقَ دَماً
    ××× مُعَتّقاً بـهَوا التاريـــخِ قد خُضِبا

    ثمّ اسْـتقَرّ بِعُقرِ القلبِ مُتَّـخِذاً
    ××× سَبيلَـهُ في مَتاهاتِ الحَشا سَربَـا

    يا فاسُ.. يا مَوْلِدي.. يا مَنشَئي قِدَماً
    ××× يا مَرتَعاً لِشبابٍ شَيّـِقٍ وصِبـا

    قد كُنتِ عاصِمـةً للعِلمِ مُطلِقـةً
    ××× سَهماً بِكلّ ضُروبِ الفِكر قد نشَبـا

    حواضِرُ الـمَغرب الأقصى لكِ اتَّبَعَتْ
    ××× مُنذُ الأداريسِ لَـمّا أتْـبَعوا سَـبَـبا

    كأنّـما الـمُدُنُ التّجّـارُ قاطِبـةً
    ××× وأنتِ كُنتِ على الأوطانِ مُحتَسِبا

    قد كُنتِ مَضربَ أمثالٍ ومَأمَـنَ مَنْ
    ××× تَخَطّـفَتهُ يَـدُ القُطّاعِ أو غُصِبـا

    ما لي أراكِ وقد خافَ الوَرى سُبُلاً
    ××× إليكِ تُفْضي، أظُلماً غَيّروا اللَّقبا؟

    قالوا "مدينةُ إجرامٍ" فَهل صدَقوا؟
    ××× أم غِيرَةٌ تَستقِلُّ الشَكَّ والرِّيَـبا؟

    إنّي تَساءَلتُ والتَّسآلُ أرّقَـني
    ××× والسّهدُ مِلءَ جُفوني يَرقُبُ الشُّهُبا

    هل أنتِ أنتِ عَلى العَهد القديمِ أمِ الـ
    ××× ـسِّنونَ شَقّتْ عنِ الأسْتارِ ما احتَجَبا؟

    على رُبى التَّـلّة العليا وقفتُ ضُحًى
    ××× وُقوفَ مَن زارَ أو مَن كانَ مُغترِبا

    وتُهتُ في غَمرةِ الجُدرانِ يحضُنُـها
    ××× شَطُّ الأكَامِ ونَخلٌ يَسكُبُ الرُّطَبا

    يا فاسُ ما لي أرى الأحوازَ ناضِرةً
    ××× ووجهَكِ الغَضَّ دوماً بالأسى شَحُبا؟

    أرنو منَ "البُرج" والأطيافُ مائجةٌ
    ××× وسُورُ فاسَ العتيقُ الشّاهِدُ الحِقَبـا

    كأنّهُ كِشَـحٌ قد لَـفَّ خاصِرةً
    ××× أو طَوقُ إسوِرةٍ بالـمِعصَمِ اختَلبا

    كمْ قد رَمَتهُ سِهامُ الدَّهرِ فانكَسرَتْ !
    ××× وكَمْ جـوادِ غُـزاةٍ أَمَّـهُ فَـكَبا!

    واليومَ صارَ ملاذ الحاقِنـينَ إذا 
    ××× فاضتْ مَتـانتُهُم فيهِ مَلُوا القِـرَبا

    وقِبلةَ العاشِقينَ الـمُرْدِ مَن رَغِبوا
    ××× في حَجْبِ قُبلتِهِم عَن أعيُنِ الرُّقَـبا

    وعَدوتَاها إلى الآتينَ قدَ رَنَـتا
    ××× مِن قَيرَوانَ وقد ضَمّوا لها العَربا

    وأهلِ أندلُسٍ لـمّا أتَوا زُمَراً
    ××× وكَفُّهُم مِن ثرى التّجّارِ قد تَرِبـا

    وشَيّدَتْ مَـريمٌ فيهـا وفاطِمـةٌ
    ××× قُطبين للدّين والدُّنيا قدِ احُـتُسِبا

    واليومَ قد سكَنَ الصَّمتُ الرهيبُ بها
    ××× ولم يعُد نهرُها كالأمسِ مُصطَخِبا

    يا فاسُ ما لي – وكُنتِ النورَ مُؤتلِقاً
    ××× والسَّعدَ مُنتَشَقاً والسِّحرَ مُقتَـضَبا–

    أرَى بِوجهِكِ حُزناً ناكِساً وأرى الـ
    ××× ـوادي الكبيرَ بِمجرى الخَدِّ مُنسكِبا

    ماذا دهاكِ؟ هل الأيّامُ دائرةٌ
    ××× على البلادِ تُرِي أصحابَها العَجَبا؟

    يا أهلَ فاسَ، وكُنتُم خَيرَ مُنتَسِبٍ
    ××× لِلعلم والجُودِ والتّقوى إذا انتَسَبا

    حَقّا مدينتُكم صارتْ كما وَصَفُوا
    ××× (قد قيلَ ما قيلَ إنْ صِدقاً وإن كَذِبا)

    لا يأمنُ الـمرءُ في سِرْبٍ ولا سَكَنٍ
    ××× والذئبُ خَلْفَ تلالِ الرَّبْعِ قد وثَبا

    يا فاسُ خَوفي على التاريخِ من دَنَسِ الـ 
    ××× ـجُغرافِيا، ولَكَمْ أزرَتْ بهِ فَخَبـا !

    شانَ الخريطةَ لَونُ الجُرْمِ في بُؤَرٍ
    ××× سَوداءَ تبعثُ في قِرطاسِها الصَّخَبا

    دَبّتْ بغربِكِ "دَبّابٌ" فما أمِنَتْ
    ××× ناسٌ، كأنّ بـها الأغوالَ والدِّبَـبا

    وفي الشَّمال "جِنانُ الوَردِ" ذابِلـةٌ
    ××× تبكي السنينَ، ونَهرُ الحيِّ ما نَضُبا

    أمّا إذا قصدَ الـحُجّاجُ عَينَهُمُ
    ××× تَخلَّصوا مِن مَتاعٍ عُنوةً نُهِـبا

    قَد أحرَموا، وطريقُ الحجّ ما ابتدأتْ
    ××× وطَوّفوا وسَعوا، والعيرُ ما رُكِبا

    وفي "الـمسيرةِ" شِيشانٌ مُرابِطةٌ
    ××× على التُّخومِ تُوالي النَّهبَ والسَّلَبا

    وفي الـمواقِعِ أخبارٌ تُطالِعُنا
    ××× عَن جَزِّ رأسٍ، وعَن عِرْضٍ قَدِ اغتُصِبا

    وعَن أبٍ قتلَ الفَلْذاتِ في سَحَرٍ
    ××× وعَـن بنـينَ وأمٍّ يَقتُـلونَ أبـا

    وعَن عِصاباتِ رُعْبٍ بالورى فَعَلَتْ
    ××× فِعلَ الدّواعِشِ لَـمّا استَوطَنوا حلَبا

    "بابُ الفُتوحِ" غدَت بابَ الحُتوفِ فلا
    ××× يُنجيكَ فيها عَدَا الألطافَ والهَرَبا

    وكَم أناخَتْ جُيوش الفَتحِ بعدَ وَغًى
    ××× بِها، وكانَ خميساً جَحفلاً لَجِبا

    لَعَلّـهُ عـارِضٌ قد لاحَ في أفُـقٍ
    ××× عَمّا قريبٍ يَحُثُّ الخَطوَ مُنقَلِبا

    فتَستعيدُ بِلادي الطُّهـرَ غاسِلـةً
    ××× عنها بِماء النَّـقا أعطافَها الـجُنُبا

    يا لائمينَ هوَى فاسٍ.. وإنْ أثِماً
    ××× لِكلّ قلبٍ منَ الآثامِ ما اكتَسَبا

    إنِ استُحِبَّ هوَى الأوطانِ في أثَـرٍ
    ××× فَـحُبُّ فاسَ على التّرجيحِ قد وَجَبا

    يا فاسُ.. يا مَربِطَ القلبِ العميدِ وكَمْ
    ××× رأتْ عُيونـي منَ الأمصارِ ما خَلَبا

    فما تَوزّعَ قلبي سِحرُ عاصِمةٍ
    ××× وشَطُّ "طنجةَ" صوبَ العَدوةِ انتَـصبا

    ولا قُرونُ جِبالِ "الشّاوْنِ" ناطِحةً
    ××× شُمَّ الغَمامِ فَيَجري سَفحُها ذَهَبا

    ولا سبَا العَقلَ "سوسٌ" أو ضِفافُ "سَلا"
    ××× أو سَهمُ مُرّاكَشَ الحمراءِ حينَ نَـبا

    ولا هَفا البَعضُ دونَ البعضِ مِن بَدَني
    ××× (الكُلُّ في فاسَ) و"الـحَلْوِيُّ" ما كَذَبا.

    كمال ظريف (يوليوز 2018)


    تنويه: المقالات والمواضيع المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي أصحابها
    Scroll to Top