جديد الموقع
recent

فاس بين اليوم والأمس | قصيدة ذ.كمال ظريف

على ضِفاف "سَبُو" أذعنتُ حينَ سَـبا
××× نُورُ الـمَجالي وعِطرٌ مِن نَسيمِ صَبا

إذ لَن تُرى بَهجةٌ لِلنفسِ آسِرةٌ
××× كـالنّور والعِطر في حَقلٍ إذا اصْطَحَبا

تلألأَ النورُ في السّفحِ الفسيـحِ وقدْ
××× تَفتّحَ الياسَـمينُ الغَضُّ فوقَ رُبَى

ففاحَ عِطرٌ منَ الأزهارِ مُجتَلِـِباً
××× رَقص الفراشِ وشَدْوَ الطّيرِ إذْ طَرِبا

هَذِي الهضابُ خِيامٌ والرّبيعُ هَوًى
××× قد دَقَّ فـي سَفحِها الأوتادَ والطُّـنُبا

وفي مَداها "زَلاغٌ" قد تَزيّـنَ في
××× عَمامةِ وَرِداءٍ وُشِّـحا سُحُبـا

وأنتِ يا فاسُ مِثلَ الطّفلِ هاجعةٌ
××× في قَعرِ وادٍ تُناجيـنَ الذي شرِبا:

أنا الـمدينةُ ذاتُ الـمَجدِ مُذ قِدَمٍ
××× أنعِـمْ بهِ قِدَمـاً ! أكـرِمْ بهِ حَسَـبا!

على أدِيـمي مَشى التاريخُ مُزدَهِياً
××× إذ لـمْ تَزَل في الورى أثوابُـه قُشُبا

وتَحتَـهُ أولـياءُ الله قد قُبِـرُوا
××× لا خوفَ يَشكونَ، لا حُزنٌ.. ولا وَصَبا

يا فاسُ.. يا أُمَّ مَن أَمّـُوا ومَن سَكَنوا
××× ودَعوةُ الأصْـفِيَـا لا تَعرِفُ الـحُجُبا

يا مَبعثَ الصَّرخَةِ الأولى بنَبض فَمِي
××× ذاكَ الهواءُ هوًى قدْ داعبَ الشُّعَبا

وانسَلَّ في رِئتي يَسقي العُروقَ دَماً
××× مُعَتّقاً بـهَوا التاريـــخِ قد خُضِبا

ثمّ اسْـتقَرّ بِعُقرِ القلبِ مُتَّـخِذاً
××× سَبيلَـهُ في مَتاهاتِ الحَشا سَربَـا

يا فاسُ.. يا مَوْلِدي.. يا مَنشَئي قِدَماً
××× يا مَرتَعاً لِشبابٍ شَيّـِقٍ وصِبـا

قد كُنتِ عاصِمـةً للعِلمِ مُطلِقـةً
××× سَهماً بِكلّ ضُروبِ الفِكر قد نشَبـا

حواضِرُ الـمَغرب الأقصى لكِ اتَّبَعَتْ
××× مُنذُ الأداريسِ لَـمّا أتْـبَعوا سَـبَـبا

كأنّـما الـمُدُنُ التّجّـارُ قاطِبـةً
××× وأنتِ كُنتِ على الأوطانِ مُحتَسِبا

قد كُنتِ مَضربَ أمثالٍ ومَأمَـنَ مَنْ
××× تَخَطّـفَتهُ يَـدُ القُطّاعِ أو غُصِبـا

ما لي أراكِ وقد خافَ الوَرى سُبُلاً
××× إليكِ تُفْضي، أظُلماً غَيّروا اللَّقبا؟

قالوا "مدينةُ إجرامٍ" فَهل صدَقوا؟
××× أم غِيرَةٌ تَستقِلُّ الشَكَّ والرِّيَـبا؟

إنّي تَساءَلتُ والتَّسآلُ أرّقَـني
××× والسّهدُ مِلءَ جُفوني يَرقُبُ الشُّهُبا

هل أنتِ أنتِ عَلى العَهد القديمِ أمِ الـ
××× ـسِّنونَ شَقّتْ عنِ الأسْتارِ ما احتَجَبا؟

على رُبى التَّـلّة العليا وقفتُ ضُحًى
××× وُقوفَ مَن زارَ أو مَن كانَ مُغترِبا

وتُهتُ في غَمرةِ الجُدرانِ يحضُنُـها
××× شَطُّ الأكَامِ ونَخلٌ يَسكُبُ الرُّطَبا

يا فاسُ ما لي أرى الأحوازَ ناضِرةً
××× ووجهَكِ الغَضَّ دوماً بالأسى شَحُبا؟

أرنو منَ "البُرج" والأطيافُ مائجةٌ
××× وسُورُ فاسَ العتيقُ الشّاهِدُ الحِقَبـا

كأنّهُ كِشَـحٌ قد لَـفَّ خاصِرةً
××× أو طَوقُ إسوِرةٍ بالـمِعصَمِ اختَلبا

كمْ قد رَمَتهُ سِهامُ الدَّهرِ فانكَسرَتْ !
××× وكَمْ جـوادِ غُـزاةٍ أَمَّـهُ فَـكَبا!

واليومَ صارَ ملاذ الحاقِنـينَ إذا 
××× فاضتْ مَتـانتُهُم فيهِ مَلُوا القِـرَبا

وقِبلةَ العاشِقينَ الـمُرْدِ مَن رَغِبوا
××× في حَجْبِ قُبلتِهِم عَن أعيُنِ الرُّقَـبا

وعَدوتَاها إلى الآتينَ قدَ رَنَـتا
××× مِن قَيرَوانَ وقد ضَمّوا لها العَربا

وأهلِ أندلُسٍ لـمّا أتَوا زُمَراً
××× وكَفُّهُم مِن ثرى التّجّارِ قد تَرِبـا

وشَيّدَتْ مَـريمٌ فيهـا وفاطِمـةٌ
××× قُطبين للدّين والدُّنيا قدِ احُـتُسِبا

واليومَ قد سكَنَ الصَّمتُ الرهيبُ بها
××× ولم يعُد نهرُها كالأمسِ مُصطَخِبا

يا فاسُ ما لي – وكُنتِ النورَ مُؤتلِقاً
××× والسَّعدَ مُنتَشَقاً والسِّحرَ مُقتَـضَبا–

أرَى بِوجهِكِ حُزناً ناكِساً وأرى الـ
××× ـوادي الكبيرَ بِمجرى الخَدِّ مُنسكِبا

ماذا دهاكِ؟ هل الأيّامُ دائرةٌ
××× على البلادِ تُرِي أصحابَها العَجَبا؟

يا أهلَ فاسَ، وكُنتُم خَيرَ مُنتَسِبٍ
××× لِلعلم والجُودِ والتّقوى إذا انتَسَبا

حَقّا مدينتُكم صارتْ كما وَصَفُوا
××× (قد قيلَ ما قيلَ إنْ صِدقاً وإن كَذِبا)

لا يأمنُ الـمرءُ في سِرْبٍ ولا سَكَنٍ
××× والذئبُ خَلْفَ تلالِ الرَّبْعِ قد وثَبا

يا فاسُ خَوفي على التاريخِ من دَنَسِ الـ 
××× ـجُغرافِيا، ولَكَمْ أزرَتْ بهِ فَخَبـا !

شانَ الخريطةَ لَونُ الجُرْمِ في بُؤَرٍ
××× سَوداءَ تبعثُ في قِرطاسِها الصَّخَبا

دَبّتْ بغربِكِ "دَبّابٌ" فما أمِنَتْ
××× ناسٌ، كأنّ بـها الأغوالَ والدِّبَـبا

وفي الشَّمال "جِنانُ الوَردِ" ذابِلـةٌ
××× تبكي السنينَ، ونَهرُ الحيِّ ما نَضُبا

أمّا إذا قصدَ الـحُجّاجُ عَينَهُمُ
××× تَخلَّصوا مِن مَتاعٍ عُنوةً نُهِـبا

قَد أحرَموا، وطريقُ الحجّ ما ابتدأتْ
××× وطَوّفوا وسَعوا، والعيرُ ما رُكِبا

وفي "الـمسيرةِ" شِيشانٌ مُرابِطةٌ
××× على التُّخومِ تُوالي النَّهبَ والسَّلَبا

وفي الـمواقِعِ أخبارٌ تُطالِعُنا
××× عَن جَزِّ رأسٍ، وعَن عِرْضٍ قَدِ اغتُصِبا

وعَن أبٍ قتلَ الفَلْذاتِ في سَحَرٍ
××× وعَـن بنـينَ وأمٍّ يَقتُـلونَ أبـا

وعَن عِصاباتِ رُعْبٍ بالورى فَعَلَتْ
××× فِعلَ الدّواعِشِ لَـمّا استَوطَنوا حلَبا

"بابُ الفُتوحِ" غدَت بابَ الحُتوفِ فلا
××× يُنجيكَ فيها عَدَا الألطافَ والهَرَبا

وكَم أناخَتْ جُيوش الفَتحِ بعدَ وَغًى
××× بِها، وكانَ خميساً جَحفلاً لَجِبا

لَعَلّـهُ عـارِضٌ قد لاحَ في أفُـقٍ
××× عَمّا قريبٍ يَحُثُّ الخَطوَ مُنقَلِبا

فتَستعيدُ بِلادي الطُّهـرَ غاسِلـةً
××× عنها بِماء النَّـقا أعطافَها الـجُنُبا

يا لائمينَ هوَى فاسٍ.. وإنْ أثِماً
××× لِكلّ قلبٍ منَ الآثامِ ما اكتَسَبا

إنِ استُحِبَّ هوَى الأوطانِ في أثَـرٍ
××× فَـحُبُّ فاسَ على التّرجيحِ قد وَجَبا

يا فاسُ.. يا مَربِطَ القلبِ العميدِ وكَمْ
××× رأتْ عُيونـي منَ الأمصارِ ما خَلَبا

فما تَوزّعَ قلبي سِحرُ عاصِمةٍ
××× وشَطُّ "طنجةَ" صوبَ العَدوةِ انتَـصبا

ولا قُرونُ جِبالِ "الشّاوْنِ" ناطِحةً
××× شُمَّ الغَمامِ فَيَجري سَفحُها ذَهَبا

ولا سبَا العَقلَ "سوسٌ" أو ضِفافُ "سَلا"
××× أو سَهمُ مُرّاكَشَ الحمراءِ حينَ نَـبا

ولا هَفا البَعضُ دونَ البعضِ مِن بَدَني
××× (الكُلُّ في فاسَ) و"الـحَلْوِيُّ" ما كَذَبا.

كمال ظريف (يوليوز 2018)


mokhtarat

mokhtarat

يتم التشغيل بواسطة Blogger.