• صوت القرويين

    الاثنين، 25 يونيو 2018

    سوق الكتب (صفحات من حياتي) ذ. كمال ظريف

    ذ. كمال ظريف ||
    || حللتُ بهذا المكان منذ أمد، (سوق الكتب المحاذي لجامع القرويين من ناحية القبلة)،  وقد هالني ما آل إليه من تردٍّ وسوء مآل، وقد كان قِبلة لعشاق الكتب والمخطوطات من أهل المدينة صبيحة كل أحد. فثارت الأشجان في نفسي فعزمت على زيارة السوق في الأحد الموالي، وكذلك كان.

    وكم كانت صدمتي عظيمة حين لم أجد غير رجلين أو ثلاثة يفترشون مَدخل السوق ببعض الكتب كي تظهر للمارة على سبيل الصدفة، وقد علموا أن لا أحد سيقصدهم وهم بداخله. 
    أخذتُ ركنا ركينا، وجلتُ بخاطري في زوايا المكان وبين أعمِدته، فارتسمت أمامي صورة قديمة عهِدتها وأنا أرتاد هذا المكان في أواخر التسعينيات، إذ كنت لا تكاد تجد مِفحصَ قطاة إلا وقد فُرش بالكتب، أما الروّاد فكان أكثرهم من الشيب والكهول، وقلة من الشباب، أمّا الصبية فلا، إلاّ أن يلجَ بعضهم من أجل اللعب والمرح خِلسة. أما أنا، فقد زرته أول مرة وأنا أدرس في السنة الثامنة إعدادي، بعد أن دلّني عليه صديق لِما رأى من ولعي بالكتب، فكنتُ أجمعُ الدريهمات على الدريهمات، حتى إذا كانت صبيحةُ الأحد قصدتُ السوق، وما إن أقف على عتبته وأتأبط نعلي، حتى تهبّ رائحة الكتب الزكية مُعطّرة بنسيم التاريخ وزهر الجغرافيا. 
    كنتُ أقف عند كل بائع، أفترس الكتب بعيني افتراسا، ثم أحمل ما يثيرني عنوانه، وأقلّب صفحاته، فإن زاد الإعجاب ساومتُ صاحبه، وإلا، وضعته ومضيتُ إلى الذي يليه. فما يبدأ الباعة بلمّ الكتب قبيل الظهيرة إلا وأكون قد اشتريت الكتاب والكتابين، وأحيانا ثلاثة إن أسعفَ الجيبُ أو أحسنتُ المساومة، وقد تجمّع لي من هذا السوق عدد غيرُ يسير من الكتب التي تزيّن مكتبتي الصغيرة، والتي كان لها عظيم الأثر في شحذي منذ منتصف المرحلة الإعدادية.
    وإن أنس لا أنسى تلك الصبيحة، حينَ قصدتُ -وأنا صبي- السوقَ وفي جيبي خمسة وخمسون درهما يعلمُ الله كم لزِمني من وقت لجمعها، فقد كان في نيتي شراء كتاب "تاريخ الأدب العربي" لـ"حنّا الفاخوري" بعد أن تقادم الكتابُ عندي وبعتهُ لصديق لي. وصلتُ السوقَ، قمتُ بالجولة المُعتادة، لأتجه عند البائع الذي لمحتُ الكتاب عنده قبل أسبوع، وبعد أخذ وردّ، كان الكتابُ تحت ذراعي بعد أن سلّمتُ البائع ثلاثين درهما، وكنتُ قد لمحتُ ديوان الأعشى عند ذلك البائع الأسمر، فتوجهت إليه دافعاً في الديوان خمسة عشر درهما، ولمّما هممتُ بالخروج، لمحتُ رجلا يتوسّط ساحة السوق، وقد وضع بالقرب من رجليه كتبا بعضُها فوق بعض، جلستُ على رُكبتي وتفحّصتُ العناوين، فما شدّني غير كتاب منزوع الغلاف، وقد وُسِم بـ"الوسيط في الأدب العربي"، فتحته فإذا هو كتابٌ يتجاز عدد أوراقه الأربعمئة، صفحاته توحي بالقِدم وقد اصطبغت بصُفرة تميلُ إلى الحُمرة، تفوح منها رائحة الورق التي تكتسحني. ولعلّ الكتاب كان مُقررا للتعليم الثانوي في إحدى الدول العربية، إذ يضمّ العصور الأدبية، وتعاريف الشعراء والأدباء مع تقديم نماذج مستفيضة من إنتاجاتهم. أغلقتُ الكتابَ وسألت الرجل عن الثمن، فإذا هو بخمسة وعشرين درهما، أدخلتُ يدي في جيبي أتحسس العشرة مُتسائلا كيف سأساومُ الرجل أكثر من نصف الثمن، جرّبتُ حظي لكنه كان متعنتا، فلم ينقص غير خمسة دراهم، رجوته وتوسلت إليه، فأقسم بالله أن لا ينقصن درهما. طلبتُ منه الانتظار لعلني أطيرُ إلى والدي حيث يعمل أستزيده رغم علمي بالزجر والتوبيخ، لكن الرجل أخبرني أنه ذاهبٌ إلى حال سبيله. ما العمل؟ وكيفَ لم أتبّه إليه عند دخولي؟ ليتنا لم أشترِ ديوان الأعشى..
    وكان على مَقربة منا رجل بشارب خفيف، لعله سمع ما جار بيني وبين البائع فاقترب مني قائلا، (ما حاجتك بالكتاب؟) فقلت له "أقرأه"، ولعله استصغرني، فأخذ الكتاب وفتحه، ثم بدأ يسألني عن بعض الأعلام الواردة فيه، ثم طلب مني استظهار بعض ما أحفظ من الشعر.. فجأة استوقفني، وربت على كتفي، ثم سألني كم معك؟ أخرجت الدراهم العشرة، فأخذها مني ثم زاد عليها مثلها وأعطاها إلى البائع، وقبل أن يُقدّم إليّ الكتاب، أوصاني بجعل غلافٍ له والمحافظة عليه. تلقّفتُ الكتابَ شاكراً الرجل، ودعوتُ له، ولا زلتُ أدعو له كلّما وقعت عيناي على هذا الكتاب في مكتبتي.
    تنويه: المقالات والمواضيع المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي أصحابها
    Scroll to Top