• صوت القرويين

    الأربعاء، 30 مايو 2018

    اختلافُ الفقهاء فيمن أفطر نهار رمضان ناسيا رحمةٌ

    بسم الله الرحمن الرحيم
    وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه.
    سائل يسأل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ لدي سؤال يحيرني كثيرا وأريد الإجابة عليه من فضلكم وهو كالآتي: 
    من أفطر في نهار رمضان ناسيا فماذا عليه؟ هل يتم نهاره ولا شيء عليه أم عليه القضاء؟ جزاكم الله عنا خير الجزاء.

    الجواب وبالله التوفيق: 
    هذا السؤال من المسائل التي اختلف فيها العلماء قديما وحديثا من جهة، ومن جهة أخرى فهو من المسائل التي تثير الجدال اليوم كل سنة لدى الكثير من الذين لا يعرفون أو لا يعترفون بأن الخلاف بين الفقهاء رحمة، وبين السفهاء نقمة؛ ولذلك أشارك بهذا الجواب قصد استدرار هذه الرحمة واستبعاد تلك النقمة؛ وأرجو أن أكون متلبِّسا بانفتاح الفقهاء، غير ملْتبس بانتفاخ السفهاء؛ فأقول:

    أولا: الأصل في المسألة واختلاف الفقهاء فيه:
    الأصل في هذه المسألة هو قول النبيﷺ: «مَن نَسِيَ وهو صائم، فأكلَ أو شربَ، فليُتمَّ صومه، فإِنما أطعَمهُ الله وسقاه»(1)؛ واختلف الفقهاء فيها إلى قولين مشهورين:
    1) المالكية قالوا: وجب عليه الإمساك بقية يومه وصيامه باطل وعليه القضاء ولا فدية عليه ولا كفارة؛ لأن حقيقة الصيام وماهيته شرعا لا تتحقق إلا بالإمساك؛ ولا إمساك مع الأكل أو الشرب نسيانا؛ لا عقلا ولا واقعا ولا شرعا؛ قال ابن العربي(ت543هـ): " الفطر ضد الصوم؛ وإذا وُجِدَ ضد العبادة أبطلها؛ كان سهوا أو عمدا، كالحدث في الصلاة"(2).
    2) غير المالكية من الحنفية والشافعية والحنابلة قالوا: وجب عليه الإمساك بقية يومه وصيامه صحيح، ولا قضاء عليه ولا فدية ولا كفارة(3).

    ثانيا: سبب اختلاف الفقهاء في المسألة:
    سبب اختلاف الفقهاء في هذه المسألة هو الاختلاف في المقصود من قول النبيﷺ: «...إِنما أطعَمهُ الله وسقاه»؛ فالمالكية قالوا: معناه: لا إثم عليه، وغيرهم قالوا: لا قضاء عليه(4). 
    قال ابن العربي(ت543هـ): "جميع فقهاء الأمصار قالوا: من أفطر ناسيا لا قضاء عليه تعلقا بقول النبيﷺ في الصحيح: «الله أطعمك وسقاك»، وتَطَلَّع مالك إلى المسألة من طريقها فأشرف عليها، فرأى في مطلعها أن عليه القضاء؛ لأن الصوم عبارة عن الإمساك عن الأكل فلا يوجد مع الأكل؛ لأنه ضده، وإذا لم يبق ركنه وحقيقته ولم يوجد لم يكن ممتثلا ولا قاضيا ما عليه، ألا ترى أن مناقض شرط الصلاة -وهو الوضوء- الحدثُ إذا وجد سهوا أو عمدا أبطل الطهارة؛ لأن الأضداد لا جماع لها مع أضدادها شرعا ولا حسا"(5). وقال أيضا: "وحمله علماؤنا على أن المراد به نفي الإثم عنه، فأما القضاء فلا بد منه؛ لأن صورة الصوم قد عُدِمَت، وحقيقته بالأكل قد ذهبتْ، والشيء لا بقاء له مع ذهابِ حقيقته، كالحدث يبطل الطهارة؛ سهوا جاء أو عمدا؛ وهذا الأصل العظيم لا يرده ظاهر محتمل التأويل"(6). 
    وقال أبو العباس القرطبي(ت656هـ): "الحديث لم يتعرض فيه للقضاء فيُحْمَل على سقوط المؤاخذة؛ لأن المطلوب صيام يوم تام لا خرم فيه"(7).

    ثالثا: هل الجماع نسيانا مثل الأكل والشرب في الحكم؟:
    مثل الأكل والشرب نسيانا عند المالكية من جامع ناسيا نهار رمضان فليس عليه إلا القضاء(8)؛ وتعليق الحكم في الحديث بالأكل والشرب إنما هو للغالب؛ لأن نسيان الجماع نادر بالنسبة إليهما، وذكر الغالب لا يقتضي مفهوما مخالفا(9)؛ قال ابن رشد الحفيد: "إذا جامع ناسيا لصومه فإن الشافعي وأبا حنيفة يقولان: لا قضاء عليه ولا كفارة، وقال مالك: عليه القضاء دون الكفارة، وقال أحمد وأهل الظاهر: عليه القضاء والكفارة"(10)، واختصره ابن جزي فقال: "وإن جامع ناسيا فلا كفارة عليه في المشهور؛ خلافا لابن حنبل وعليه القضاء خلافا لهما"(11).
    وإنما قال الحنابلة بوجوب القضاء والكفارة على المجامع ناسيا؛ لأن النسيان في الجماع نادر؛ إذ هو عملية مشتركة بين اثنين من الصعب أن يضلا معا؛ فإن ضل أحدهما ذكره الآخر؛ ولأن النبيﷺ أمر الأعرابي الذي قال: «...وقعتُ على امرأتي وأنا صائم»(12) بالكفارة ولم يسأله: هل فعلت ذلك عمدا أو نسيانا؟ فبقي على عمومه؛ قال ابن رشد الحفيد: "وإنما أَصَارَهم (أي: الحنابلةَ) إلى ذلك أخذُهم بمجمل الصفة المنقولة في الحديث؛ أعني: أنه لم يذكر فيه أنه فعل ذلك عمدا ولا نسيانا"(13).

    رابعا: دليل من قال: لا قضاء على من أفطر ناسيا وجواب المالكية:
    استدل من قال: لا قضاء على من أكل أو شرب أو جامع ناسيا بحديث أبي هريرة أن النبيﷺ قال: «من أفطر في رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة»(14)؛ وأجاب المالكية عنه بعدة أمور منها:
    • أن الحديث وإن كان صحيحا أو حسنا فهو شاذ؛ لأن المحفوظ منه في الصحيحين هو: «إِنما أطعَمهُ الله وسقاه» ولا تنصيص فيه على القضاء، ومن المعلوم في مصطلح الحديث أن المحفوظ يقابله الشاذ، والشاذ مرجوح ولو كانت ظاهر أسانيده صحيحة، والمحفوظ هو الراجح فيقتصر عليه(15)؛ ولهذا قال ابن يونس(ت451هـ): "الحديث غير ثابت عندنا"(16).
    • أن الحديث هو خبر الواحد مخالف لقاعدة القياس؛ قال أبو حنيفة(ت150هـ): "لولا الأثر الوارد في ذلك لقلتُ: يقضي"؛ وذلك لأن القياس يقتضي القضاء؛ لأن ركن الصوم ينعدم بأكله؛ ناسيا كان، أو عامدا، وبدون الركن لا يُتَصَوَّرُ أداء العبادة، والنسيان عذر بمنزلة الحيض والمرض، فلا يمنع وجوب القضاء عند انعدام الأداء(17). وقال ابن العربي: "الأصل عند الإمام مالك في أن خبر الواحد إذا جاء بخلاف القواعد لم يُعْمَلْ به؛ فلما جاء الحديث الأول الموافق للقاعدة في رفع الإثم عملنا به، وأما الثاني فلا يوافقها فلم نعمل به"(18).
    • لأن فساد الصيام بالأكل واقع، والواقع لا يرتفع، وإنما المرفوع بالنسيان هو الإثم لعموم قولهﷺ: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه»، وفي رواية: «تجاوز الله عن أمتي…»، وفي رواية: «عفا لي عن أمتي»(19).
    • لأن القضاء هو الأحوط للدين وقد أمرنا بذلك لعموم قولهﷺ: «فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه...»(20)، وقولهﷺ: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك(21)»(22)؛ قال ابن عبد البر(ت463هـ): "كان مالك متحفظا كثير الاحتياط في الدين"(23).
    • لأن بعض المالكية فسروا الحديث بصيام التطوع فقالوا فيه بعدم القضاء مراعاة للخلاف؛ قال ابن عبد البر: "والفقهاء كلهم من أهل الرأي والأثر يقولون: إن المتطوع إذا أفطر ناسيا أو غلبه شيء فلا قضاء عليه"(24).

    خامسا: الخلاصة والنتيجة:
    الخطب هنا سهل؛ لأن الأمر يدور بين التيسير والاحتياط؛ فمن قصد التيسير قال: لا قضاء، ومن قصد الاحتياط والاستبراء للدين قال: لا إثم وعليه القضاء...؛ وعلى كل أن يأخذ بما يشاكله {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ}، {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ}، ولا إنكار على هذا ولا على ذاك. 
    ومما يدل على عدم تعصب المالكية أن بعضهم أظهر الميلَ للأخذ بحديث «لا قضاء عليه» إذا صح؛ قال ابن العربي: "وقد صحَّحَ الدارقطني أن النبيﷺ قال له: «الله أطعمك وسقاك، ولا قضاء عليك»؛ وهذه الزيادة إن صحَّت، فالقول بها واجب"(25)، وقال أبو العباس القرطبي: "روى الدارقطني فيه سقوط القضاء وهو نص لا يقبل الاحتمال؛ لكن الشأن في صحته فإن صح وجب الأخذ به وحكم بسقوط القضاء"(26).
    قال الأستاذ عبد الكريم قبول في صفحته على الفيسبوك: "ومع هذا نقول من اختار عدم القضاء فهو مقلد للإمام الشافعي وهو إمام معتبر، واجتهاده معتبر مبني على حديث، ومن قلد الإمام مالك فهو مبني على الاحتياط، وعلى المقلد ألا يدعي تدليسا منه وتلبيسا على العوام أنه متبع للحديث وأنه على السنة وخلافه بدعة من القول. والله تعالى أعلم".
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    الهوامــــــــــش:
    (1) رواه البخاري في صحيحه: كتاب الصوم: باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسيا، ومسلم في صحيحه: كتاب الصيام: باب أكل الناسي وشربه وجماعه لا يفطر.
    (2) أحكام القرآن لابن العربي: (1/302).
    (3) القوانين الفقهية لابن جزي(ت741هـ) (ص: 83).
    (4) المبسوط للسرخسي(ت483هـ): (3/65)، والمجموع للنووي(ت676هـ): (6/324) والمغني لابن قدامة(ت620هـ): (3/131).
    (5) عارضة الأحوذي لابن العربي: (1/80)، وفتح الباري لابن حجر: (4/156).
    (6) المسالك في شرح موطأ مالك لابن العربي: (4/223).
    (7) المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم للقرطبي: (110/8).
    (8) الكافي في فقه أهل المدينة لابن عبد البر: (1/341). 
    (9) فتح الباري لابن حجر (4/156).
    (10) بداية المجتهد لابن رشد الحفيد(ت595هـ): (2/65).
    (11) القوانين الفقهية لابن جزي(ت741هـ) (ص: 83) 
    (12) رواه مالك في الموطأ: كتاب الصيام: باب كفارة من أفطر في رمضان، والبخاري في صحيحه: كتاب الصوم: باب إذا جامع في رمضان...، ومسلم في صحيحه: كتاب الصيام: باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان على الصائم. 
    (13) بداية المجتهد لابن رشد الحفيد(ت595هـ): (2/66).
    (14) أخرجه ابن خزيمة(ت311هـ): (3/239)، وابن حبان (ت354هـ): (8/288)، والدارقطني (ت385هـ): (3/142ر2243)، وصححه الحاكم (ت405هـ) (1/595ر1569)، ووافقه الذهبي (ت748هـ)، كما صححه النووي (ت676هـ) في المجموع: (6/324)، وحسنه ابن حجر (ت852) في الفتح: (4/157).
    (15 نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر لابن حجر(ت852): (4/722).
    (16) الجامع لابن يونس: (3/1089).
    (17) المبسوط للسرخسي(ت483هـ): (3/ 65)
    (18) فتح الباري لابن حجر(ت852): (4/156).
    (19) رواه ابن ماجه عن ابن عباس؛ وصححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي، كما صححه البوصيري وحسنه النووي؛ أما المشهور في كتب الفقه والأصول بلفظ: «رفع عن أمتي…» فهو منكر. انظر: سنن ابن ماجه: كتاب الطلاق: باب طلاق المكره والناسي: 1/659، ومصباح الزجاجة للبوصيري: 2/126، وصحيح ابن حبان: 16/202، والمستدرك للحاكم: 2/198، والحديث 39 من الأربعين للنووي.
    (20) عن النعمان بن بشير: صحيح البخاري: كتاب الإيمان: باب فضل من استبرأ لدينه: (رقم:52)، وصحيح مسلم: كتاب المساقاة: باب أخذ الحلال وترك الشبهات: (رقم: 1599).
    (21) «يريبك»: بفتح الياء من رابه يَريبه، ويجوز الضم من أرابه يُريبه وهو: الشك والتردّد، والمعنى هنا: إذا شككت في شيء فدعه. إرشاد الساري شرح البخاري للقسطلاني: (4/8).
    (22) سنن الترمذي: أبواب صفة القيامة: باب 60: (4/ 668): رقم (2518).
    (23) الاستذكار لابن عبد البر: (3/ 380). 
    (24) الاستذكار لابن عبد البر: (3/355).
    (25) المسالك في شرح موطأ مالك لابن العربي: (4/223).
    (26) المفهم لما أشكل من مسلم للقرطبي: (110/8)، وفتح الباري لابن حجر (4/157).

    عبد الله بنطاهر السوسي
    بعد صلاة الصبح من يوم الأربعاء
    14 رمضان 1439هـ 30/05/ 2018م
    مدرسة الإمام البخاري للتعليم العتيق أكادير المغرب.
    المصدر: كتابي "أجوبة وفتاوى فيما استجد في العصر من الظواهر والقضايا" مرقون
    تنويه: المقالات والمواضيع المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي أصحابها
    Scroll to Top