• صوت القرويين

    الخميس، 10 مايو 2018

    خطبة بعنوان: "شهر رمضان موسم التوبة والغفران"


    بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه 
    الحمد لله معز من تاب إليه واتقاه، ومذل من خالف أمره وعصاه، وفق من شاء من عباده لما يحب ويرضاه، وفضل التائب على العاصي واجتباه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا نعبد إلا إياه، حث المؤمن على التوبة والاستغفار والرجوع إلى الله، لأنه بالتوبة يحمي عرضه وحماه، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله ومصطفاه، طوبى لمن آب إلى سنته ووالاه، وويل لمن أعرض عن شرعه وعاداه، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الذين تابوا إلى الله فنالوا محبته ورضاه، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى أن نلقاه.

    أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.
    لو قيل لكم إن ضيفا كريما عظيما سيحل بكم ما ذا ستفعلون؟ إن الناس عادة إذا نزل بهم ضيف كريم استعدوا له بأمرين: 
    الأمر الأول: تنظيف المنزل وتهيئته وترتيبه وتطييبه. 
    الأمر الثاني: تقديم المكرمات له من أشهى الطعام والشراب وأحلى الكلام وأطيب الروائح.
    وها هو رمضان قد أتى ضيفا كريما، ومن كرمه أن الله تعالى يغفر به الذنوب، وتضاعف فيه الأعمال، يقول الله تعالى عنه في الحديث القدسي الجليل: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به» أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار. 
    أتدرون ما هو منزله؟ إنه قلوب المؤمنين، ونفوس الطائعين، فيجب علينا أن ننظف قلوبنا بماء التوبة النصوح، ونطيب أنفسنا بروائح الاستغفار. 
    أما المكرمات التي يجب أن نقدمها لرمضان فهي الصيام والقيام، وهي مدارسة القرآن، وهي الجود والإحسان، وهي صلوات وتهجد وتراويح، وهي أذكار وجهاد وتسابيح.

    أيها الإخوة المؤمنون؛ إن من الحقائق الثابتة، أنه لا يوجد إنسان معصوم من الخطأ غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولا يستطيع أحد أن يدعي العصمة لنفسه، ومن ادعاء ذلك فادعاؤه هذا دليل على أنه كذاب ماكر، لأنه اعتدى على خصوصية النبوة، وقد جاء عن أئمة الإسلام الكبار أقوال نأوْا فيها بأنفسهم عن ادعاء العصمة من الأخطاء، فقال إمامنا مالك رحمه الله: "إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوفق الكتاب والسنة فاتركوه" وقال أيضا: "ليس أحد بعد النبيﷺ إلا ويؤخذ من قوله ويترك؛ إلا النبيﷺ" وقال أبو حنيفة: "إننا بشر نقول القول اليوم ونرجع عنه غدا"، وقال الشافعي: "قولي صواب يحتمل الخطأ وقولي غيري خطأ يحتمل الصواب". 
    وكيف يكون الإنسان معصوما وجوارحه التي أحيطت به قد تخونه في أية لحظة؟ فإن نجا من هذه تصيدته تلك: فإن نجا من فرجه تصيده لسانه، وإن نجا من لسانه فخائنة الأعين له بالمرصاد، والإنسان مهما بلغ ومهما كان تكون له فترة سوداء من حياته ارتكب فيها المنكرات، وانقاد وراء ما تستحلي النفس الأمارة من الشهوات، وهو طيلة حياته ما لبث تكون له عثرات وكبوات، ولكل جواد كبوة كما يقال. فلو سأل كل واحد منا نفسه في حديث صادق مع نفسه: أليس الأمر كذلك؟ فسيجد الجواب: نعم إنه كذلك! والرسولﷺ يقول فيما روى الترمذي: «كل ابن آدم خطاء وخير الخطاءين التوابون». 
    وهل تدرون لماذا؟ لأن الإنسان مخلوق ضعيف، يشتمل على غرائز شتى، لا يملك أن يضبط نفسه أمام منظر مثير من مفاتن الحسن والجمال، أو أمام نظرات مشحونة بالإغراء، أو حركات مشبعة بالإثارة، تستهويه المناظير الخلابة وإن كانت حراما، ويحلو له إشباع غرائزه غير مبال بالحلال منها والحرام، ومن الصعب أن يتمالك نفسه عندما يسمع المليون والمليار، وله أعداء كثيرة، من شياطين الإنس، وشياطين الجن، والنفس الأمارة بالسوء، والهوى المتبع، فكان بذلك مهيأ لارتكاب الذنوب، فاحتاج إلى الاستغفار منها، فاحتاج إلى تلقيح نفسه الأمارة بالتوبة النصوح.
    والتوبة والاستغفار -يا عباد الله- حصن حصين، وركن متين، يأوي إليه الإنسان كلما جرفه الهوى والشيطان، وكلما ساقته النفس الأمارة إلى مستنقعات الرذيلة والخسران، وهي القنطرة التي يتحول بها الإنسان من مستنقعات الكفر والمعاصي والفجور، إلى شاطئ الإيمان والطاعة والبرور، فكان المسلم في حاجة للتوبة على كل حال، خصوصا حينما يستقبل موسم العفو والغفران في شهر رمضان؛ روى الترمذي والنسائي «أن الصحابة رضوان الله عليهم يسمعون من النبيﷺ في المجلس الواحد يقول مائة مرة: رب اغفر وتب علي إنك أنت التواب الغفور»؛ فإذا كان النبيﷺ يكثر من الاستغفار والتوبة هكذا وذنوبه مغفورة؛ أفلا نكون نحن في حاجة إليها وذنوبنا كثيرة؟!
    ولكن لا يكفي أبدا أن نلهج بألسنتنا: أستغفر الله وأتوب إليه، إذا لم يكن لها في الواقع معنى ووقعا، ولا يكفي أن نكثر من الاستغفار ونحن غارقون في الذنوب، وشوارعنا ملئ بمناكر يندى لها جبين الحياء خجلا، ومعاملاتنا في جفاء وجفاف من شرع الله، وأموالنا ملوثة بالحرام؛ فما معنى هذه التوبة التي كثيرا ما نلهج بها دون أن نعرف معناها؟ وما هي شروطها التي كثيرا ما نغفُل عنها ونحن نلوك بألسنتنا: أستغفر الله وأتوب إليه؟

    إن التوبة -يا عباد الله- ليست مجرد لفظ يردده المسلم بلسانه، فالتوبة لها شروط لا تصح إلى بها:
    1) من شروط التوبة الندم على ارتكاب معاصي في الماضي، بأن يحزن قلب المذنب ويسوؤه ما صدر منه، والرسولﷺ يقول فيما روى الحاكم وصححه: «الندم توبة»، والندم حالة نفسية تمنع الإنسان من العودة إلى الجريمة مرة أخرى، وهي ما يسمى الآن عندنا بتأنيب الضمير.
    2) من شروط التوبة الإقلاع عن ذنوب تمارس في الحال، وعدم الإصرار عليها، والله تعالى يقول: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم، ومن يغفر الذنوب إلا الله، ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون}.
    3) من شروط التوبة أن يكون التائب ذا عزيمة قوية ونية صادقة، في عدم العودة إلى هذا الذنب في المستقبل مرة أخرى، لأن الذي يتوب من ذنب وفي نيته أن يعود إليه كلما سنحت الفرصة إنما هو منافق، لأنه قد خلف الوعد الذي قطعه على نفسه، وقطع العهد الذي أخذه على نفسه، والله تعالى يقول: {والذين يقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون} وفي آية أخرى يقول الله تعالى: {أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار}.
    4) من شروط التوبة إذا كانت الذنوب تتعلق بحقوق العباد أن يتحلل المذنب منها وأن يردها إلى أصحابها إذا كان ممكنا، وإلا طلب منهم العفو والسماح. روى البخاري أن النبيﷺ قال: «من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو من شيء فليتحلله منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه» وروى مسلم أن النبيﷺ قال: «إن المفلس من أمتي من أتى يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم، فطرحت عليه، ثم طرح في النار». 
    ألا كفى بهذا الحديث النبوي واعظا وزاجرا لمن يظلم غيره في نفسه أو ماله، أو في عرضه وأهله! ألا كفى به تحذيرا وتذكيرا لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد! يقول الله تعالى: {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما، وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت، قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار، أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما}.
    صدق الله العظيم، وغفر لي ولكم، ولسائر المسلمين أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

    الحمد لله رب العالمين…
    أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ إن من رحمة الله تعالى بعباده أنه يفرح بتوبة عبده وإن كان للذنوب مقترفا، ومن مستنقعات الرذائل مغترفا، إذا رجع العبد إليه سبحانه معترفا، وتاب إليه خاشعا مرتجفا، راجيا وخائفا، والرسولﷺ يقول فيما روى الإمام مسلم: «إن الله عز وجل أفرح بتوبة أحدكم من أحدكم بضالته إذا وجدها»، ويقولﷺ فيما روى مسلم: «إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها»، وأعظم فائدة للتوبة، وأكبر نتيجة للإنابة، أن يجد المسلم يوم القيامة ما ارتكب قبل التوبة من السيئات، قد تحولت كلها إلى حسنات، فكفى التائب فرحا وشرفا، وكفاها تقربا وزلفى، أن يجد في موضع الكافر مؤمنا، وفي موضع المشرك مخلصا محسنا، وفي موضع الشاك المنافق مطمئنا، وفي موضع الظالم الجائر عادلا منصفا، وفي موضع الفاسق العاصي الفاجر مطيعا عفيفا؛ لكن بشرط التوبة النصوح، والرجوع إلى الله بكل شفافية ووضوح، مع المحافظة على العمل الصالح، والبعد عن العمل الطالح، والله تعالى يقول: {إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما، ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا}.
    والذنب مهما عظم فعفو الله أعظم، ومن ظن أن ذنبا لا يسعه عفو الله فقد فسق وأجرم، وظن بالله ظن السوء فساء وتعدى وظلم، والله تعالى يقول: {إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون}، ويقول سبحانه: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم: لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعا، إنه هو الغفور الرحيم} ولقد أحسن من قال: 
    يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة *** فلقد علمت بأن عفوك أعظم
    إن كان لا يرجوك إلا محسـن *** فمن الذي يرجو ويدعو المجرم
    ما لي إليك وسيلة إلا الرجـا *** وجميل عفوك ثـم أني مسلم
    ولكن لا يجوز بحال من الأحوال، أن يعتمد المسلم على سعة عفو الله ورحمته فيتمادى على المعاصي على امتداد الأزمان والأجيال، ويصرَّ على الذنوب في الأقوال والأفعال، ثم يقول: سيغفر لنا ذو العزة والجلال، وهذا لا يجوز لأن معناه الأمن من مكر الله الكبير المتعال؛ والله تعالى يقول: {فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون}، ويقول سبحانه: {نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأنا عذابي هو العذاب الأليم}.
    ألا فاتقوا الله عباد الله، وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ...
    الشيخ الفقيه عبد الله بن الطاهر
    تنويه: المقالات والمواضيع المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي أصحابها
    Scroll to Top