• صوت القرويين

    الثلاثاء، 17 أبريل 2018

    خطبة: "شهر شعبان المعرض السنوي لاستعراض الأعمال"

    بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه

    الحمد لله رب السماوات والأرض، شرع لنا في العبادات الواجب والفرض، وأثابنا في المعاملات على حسن العمل والقرض، وحرم علينا كل ما يؤدي إلى الشحناء والحسد والبغض. 
    وأشهد أن لا إله إلا الله الغفور الرحيم وما مغفرته ورحمته لنا إلا غيض من فيض، وهو سبحانه الخافض الرافع فطوبى لمن رفعه وويل لمن ناله منه الخفض.
    وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله صاحب الكوثر والحوض، حارب الشرك والشحناء بلسان النقد وعمل النقض، فوجب علينا اقتداءً به مواجهة الشرك والشحناء بالابتعاد والرفض. 
    صلى الله وسلم عليه وعلى آله ذوي الرفعة في الشرف والعِرض، وعلى أصحابه الذين ليس لهم فيما لا يعنيهم المشاركة والخوض، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الحساب والعَرض...

    أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.
    ها هو شهر شعبان قد حل بساحتنا وهو شهر يحمل إلينا نفحات ربانية مباركة، وهو شهر مبارك لأنه القريب من رمضان، وقد دعا له النبيﷺ بالبركة فقال: «اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان»، [حديث ضعيف بيد أنه في فضائل العمال]، وهو شهر يربطنا بالمصطفىﷺ في أكثر من حدث وحديث؛ ففيه وقعت معجزة انشقاق القمر التي يشير إليها الله تعالى إذ يقول: {اقتربت الساعة وانشق القمر}، وفيه تحولت القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام التي يشير إليها الله تعالى إذ يقول: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}، وفيه ولد حفيد الرسولﷺ سيدنا الحسين بن علي رضي الله عنه، وفيه وقعت غزوة بني المصطلق المعروفة بواقعة الإفك، وكان النبيﷺ يكثر فيه الصيام، روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما رأيت رسول اللهﷺ استكمل صيام شهر إلا رمضان وما رأيته أكثر صياما منه في شعبان كان يصومه إلا قليلا بل كان يصومه كله»، وفي روية الترمذي عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: «ما رأيت النبيﷺ يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان»؛ وذلك لأمور ثلاثة:
    أولا: لأن صيام شعبان هو بمنزلة الحركة التسخينية للدخول في مقابلة رمضان، فهو تدريب عملي وتمرين فعلي على الصيام وأخلاقه وآدابه؛ فقد روى الترمذي أن أنس رضي الله عنه قال: «سئل رسول اللهﷺ أي الصوم أفضل بعد رمضان؟ قال: شعبان لتعظيم رمضان»؛ وذلك حتى لا يدخل المسلم في صوم رمضان بثقل ومشقة؛ لأنه يكون قد تمرن على الصيام واعتاده في شعبان، ومن عادات الناس أنهم يستعدون للأعمال الشاقة بتمرينات وتدريبات حتى يعتادوها فيدخلوا فيها برغبة وقوة ونشاط.
    ثانيا: لأن الملائكة المكلفين بقبض أرواح العباد تتسلم في شعبان ملفات من سيموت في السنة المقبلة؛ روى أبو يعلى عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: أحب الشهور إليك أن تصومه شعبان؟ قال: «إن الله يكتب فيه على كل نفس ميتة تلك السنة فأحب أن يأتني أجلي وأنا صائم».
    ثالثا: لأن شهر شعبان هو المعرض السنوي لأعمال العباد على رب العباد؛ وذلك لأن عرض الأعمال على الله تعالى هو على أربعة أنواع: عرض يومي في صلاتي العصر والفجر، وعرض أسبوعي في يومي الاثنين والخميس، وعرض سنوي في شهر شعبان، وعرض نهائي يوم الحساب؛ وهذا لا يدل على أن الله تعالى يحتاج لمعارض والكَتَبَة والمساعدين لضبط أعمال العباد، كلا وألف كلا؛ بل الله سبحانه وتعالى يعلم السر وأخفى، ويعلم ما تخفي الصدور، {وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}؛ وإنما أراد الله تعالى التذكير بالعرض اليومي والأسبوعي والسنوي في الدنيا قبل العرض النهائي في الآخرة، كما أراد سبحانه باستعراض هذه العروض الأربعة إقامة الحجة على العباد.

    العرض الأول: اليومي؛ ويقع مرتين في اليوم، عند صلاة العصر وعند صلاة الفجر؛ يدل عليه ما روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيﷺ قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر، وصلاة العصر، ثم يَعرُج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربُّهم وهو أعلم بكم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلُّون، وأتيناهم وهم يُصلُّون»؛ ومعنى التعاقب: هو أن يجيءَ واحد بعد واحد، أي: أن ملائكة الليل تصعَدُ عند الفجر، وفي نفس الوقت تنزِل ملائكة النهار؛ كما تصعد ملائكة النهار عند صلاة العصر، وفي نفس الوقت تنزل ملائكة الليل. ولذلك كانت المحافظة على الصلوات الخمس عموما من أوجب الواجبات في شروطها وفي أدائها وفي حضور القلب بها، وخصوصا صلاتي العصر والفجر؛ وقد جاء في ذلك أحاديث في الصحيحين منها:
    عن جرير بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: «كُنَّا عند رسولِ اللهﷺ، فنظرَ إلى القمر ليلةَ البدر وقال: إنكم ستَرَونَ ربكم عياناً، كما ترون هذا القمر، لا تُضَامُّونَ في رؤيته، (أي لا تتزاحمون)؛ فإن استطعتم أن لا تُغْلَبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا، (يعني صلاة الفجر وصلاة العصر) ثم قرأ {وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُروب}»، وقالﷺ أيضا: «من صلى الْبَرْدَيْنِ دخل الجنة» أي صلاة الفجر والعصر لأنهما في بَرْدَيْ النهار أي: طرفيه حين يبرد الهواء، وقالﷺ أيضا: «لن يَلجَ النارَ أحدٌ صلَّي قبل طلوع الشمس وقبل غروبها»؛ يعني: الفجر والعصر، ومن ضيعهما يكون متصفا بالنفاق؛ قالﷺ فيمن يؤخر العصر عن وقته: «تلك صلاة المنافق، يجلِسُ يرقُبُ الشمس، حتى إذا كانت بين قرْني الشيطان قام فنقرها أربعاً، لا يذكر الله فيها إلا قليلاً»، كما قالﷺ: «أثقلُ صلاة على المنافقين: صلاةُ العِشاء، وصلاةُ الفجرِ».

    العرض الثاني: الأسبوعي؛ ويقع أيضا مرتين في الأسبوع يوم الاثنين ويوم الخميس، أخبرنا بذلك رسول اللهﷺ حين قال فيما روى الإمام مسلم: «تُعْرَضُ أعمالُ الناس كل جمعة (أي كل أسبوع) مرتين: يوم الاثنين ويوم الخميس؛ فَيُغْفَرُ لكل عبد مؤمن لا يشرك بالله شيئا؛ إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء (أي: حقدٌ وعداوةٌ وبغضاءُ)؛ فيقال: أَنْظِرُوا هذين حتى يصطلحا، أَنْظِرُوا هذين حتى يصطلحا، أَنْظِرُوا هذين حتى يصطلحا» وفي رواية: «اتركوا هذين»، وفي رواية «أخروا هذين»؛ ولهذا كانﷺ يصوم يوم الاثنين ويوم الخميس؛ فقد روى الترمذي أنهﷺ قال: «تُعْرَض الأعمال على الله يوم الاثنين ويومَ الخميس، فأُحِبُّ أَن يُعْرَض عملي، وأنا صائم».
    العرض الثالث: السنوي؛ وهو الذي يقع في شهر شعبان؛ فإن الملائكة المكلفة بمراقبة أعمال العباد تقدم ملفات أعمال السنة الماضية لرب العباد في شعبان؛ روى النسائي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قلت يا رسول الله؛ لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قالﷺ: «ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم»، وروى البيهقي بسند حسن أن النبيﷺ قال: (يَطَّلِعُ الله عز وجل على خلقه ليلة النصف من شعبان، فَيَغْفِرُ لجميع خلقه إلا لـمشرك أو مُشَاحِنٍ»، والـمُشاحن: الذي امتلأ قلبه بالحقد والعداوة والبغضاء.
    العرض الرابع: النهائي؛ وهو الذي يقع يوم القيامة، يقول الله تعالى فيه: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الايَّامِ الْخَالِيَةِ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ}.
    وفي هذا العرض النهائي الأخير يقول الرسولﷺ فيما روى البخاري ومسلم: «مَن نُوقشَ الحساب عُذِّب، فقالت عائشة رضي الله عنها: أليْسَ الله تعالى يقول: {فأما مَنْ أُوتِيَ كتابه بيمينه فسوف يُحاسَبُ حِسَاباً يسيراً وينقلب إلى أهله مسروراً}؟ فقال: إنما ذلك العرْضُ تُعرَضُون، وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عُذِّب».
    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين والحمد لله رب العالمين.

    الحمد لله رب العلمين…
    أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ فائدة هذه العروض الأربعة تتمثل في غفران الذنوب؛ فما فاز إلا من نجى، وما نجى إلا من غفر الله ذنوبه، وستر عيوبه، وقضى أغراضه، وصان أعراضه؛ ويستثنى من ذلك كله نوعان من الناس تبقى ذنوبهما متراكمة، وعيوبهما منكشفة، وأغراضهما منهوكة، وأعراضهما مهتوكة؛ هما: (المشرك، والمشاحن)؛ لأن الله تعالى أراد من المسلم صفاء علاقته مع الله، وصفاء علاقته مع عباد الله، وفي هذا المعنى قالﷺ فيما روى أبو داود والترمذي: «لا يشكرُ اللهَ مَنْ لا يشكرُ الناسَ»؛ فعلاقة المشرك بالله مُلَوَّثَة، وعلاقة المشاحن بالناس مُلْتَوْيَّة.
    أما المشرك فأمره واضح؛ قال الله تعالى فيه: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}، وقال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا}.
    أما المشاحن؛ فالشحناء هي الخصام والنزاع، والشقاق والصراع، ونحن في زمن قد وثر بأحداثه المتسارعة الأعصاب، وحير بوقائعه المتصارعة الألباب؛ فالشحناء بين شخصين يحول بين المسلم وغفران الذنوب؛ فكيف بالشحناء بين الأسر والعائلات؟! فكيف بالصراعات بين الأحزاب والجمعيات والجماعات؟! فكيف بالحروب والقتال بين الدول والحكومات؟! 
    هذه الحروب التي أحرقت الملايير من الثروات، وحصدت أرواح ملايين الأبرياء من أطفال ونساء وشيوخ، حتى أصبحنا بلا شرف ولا قيمة ولا عزة ولا شموخ؛ والأمة الإسلامية كلها تعاني من شحناء هذه الحروب القَذِرَة؛ منهم من قضى فيها نحبه ومنهم من ينتظر، والبلدان التي لم تدمرها شحناء هذه الحروب المشحونة، طبولها وأجراسها تدق بجوانبها.
    حروب قَذِرَة؛ نعم إنها قَذِرَة حين ترى الأطفال يقتلون ويشردون دور رحمة، نعم إنها قَذِرَة لأنها تهلك الحرث والنسل، وتحرق الأخضر واليابس، وتفتك بالأشجار والحيوان قبل الناس.
    وأعداء الإسلام الذين يزرعون هذه الشحناء في الأمة، فينشئون بها هذه الحروب ويشعلونها ويمولونها ويتمعشون بها هم كثيرون؛ من غُزاة اليهود الصهاينة في القدس وفلسطين، إلى عُتاة الصليبيين المتربصين في كل مكان، إلى غُلاة الشيعة الصفويين الحاقدين، إلى بُغاة المتنطعين المتشددين، إلى دُعاة العمالة الزنادقة المنافقين؛ تعددت الأسماء والهدف واحد: (التشكيك في كلمة التوحيد بالشرك بالله، والتفكيك لتوحيد الكلمة بالشحناء بين الناس). 
    ألا فاتقوا الله عباد الله، وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ…
    الشيخ الفقيه عبد الله بنطاهر 
    تنويه: المقالات والمواضيع المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي أصحابها
    Scroll to Top