• صوت القرويين

    الجمعة، 23 مارس 2018

    خطبة: آفات فضول النظر | ذ. محمد الصديق

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الموضوع: آفات فضول النظر.
    الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، لاإله إلا هو أخرجنا من ظلمات الجهل، إلى نور الإيمان والعلم، سبحانه سبحانه، ركب فيخلقه من الصفات والغرائز ما الله به أعلم، جعل لنا السمع والأبصار والأفئدة، علنا نشكره فنسعد ونغنم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد العرب والعجم وعلى آله وأصحابه أولي الأخلاق والشيم، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الفزع والندم، وعلينا معهم بفضلك ومنك ياصاحب المن والكرم.
    عباد الله، يقول الله تعالى [ قل للمومنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون وقل للمومنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن]
    من المظاهر السلبية في المجتمعات البشرية، عدم السيطرة على البصر وإطلاق العنان للعين تنظر وتشاهد جميع الصور التي تجر الانسان الى دائرة الانزلاق المؤدية الى الفساد والانحراف . 
    إطلاق البصرــــ أيها المومنون ــــ هو تخليته من قيود الخوف والمراقبة وتحرره من ملاحظة من [ يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور] ووقوعه على كل ما يراه الإنسان، فلا يتورع صاحبه عن حرام، و لا يقف عند حد من الحدود.
    النظرة الزائدة على الحاجة، توقد نار الشهوة في قلوب الرجال والنساء، وعندما تشتعل هذه النار، تبدأ الأهواء بالهيجان، فتجلب كلا من الرجل والمرأة تجاه الجاذبية الجنسية، ويسقط الإنسان حينها في مستنقع الرذيلة، ويغرق في أوحال الفتنة.
    خُلق إطلاق البصر، وملأ العينين من الحرام ، والتأمل في مفاتن المرأة التي لا تحل، والنظر إلى شكلها ولونها وحديثها، كل ذلك من الخلق المذموم.
    وربما قطع هذا الخلق عن الله عز وجل، ومن الثابت أن الإنسان إذا أصر على شهوة لا ترضي الله فإن إصراره هذا يكون حجاباً بينه وبين الله، ومن أجمل التفاسير الواردة في قوله عز من قائل ( يوم لاينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم) أن القلب السليم هو : هو من سلم من شهوة لا ترضي الله عز وجل. 
    إطلاق العنان للبصرـــــ أيها الإخوة ــــ قد لايكون في الطريق فقط، بل يكون على الشاشة أحيانا، وأحيانا بواسطة وسائل التواصل الحديثة، وأحيانا يكون بواسطة المجلات التي لاتقدرالأخلاق، ولاتحترم المشاعر.
    أنت ــــ أيها المسلم الكريم ـــــ حينما تتجول ببصرك، في النظر إلى ما حرم الله عليك، قد لا تجد شيئاً مادياً يعاقبك ، ولكنك حجبت عن الله عز وجل، وكلما ارتقى مقامك عند الله وجدت أن الحجاب عن الله عز وجل أكبر عقوبة تنزل بك . 
    أشد العقوبات ـــــ أيها الإخوة ــــــ هي : أن تحجب عن الله عز وجل. 
    أكبر عقوبة تعرض للمرء في حياته؛ هي: أن يحرم لذة تذوق العبادة.
    غض البصر ــــــ أيها المومنون ــــــ أمر منصوص عليه من السماء بالدليل القاطع والنص الذي لايتطرق إليه الاحتمال، ولا يقبل التأويل، وليس من باب ما يحتمل ويحتمل، ولقد مر معنا قريبا قوله تعالى [ قل للمومنين يغضوا من أبصارهم.... الآية]
    حينما تغض بصرك عن محارم الله ، يلقي الله في قلبك حلاوة تبقى معك إلى يوم القيامة، لذلك ما كان الله ليعذب قلباً بشهوة تركها صاحبها في سبيل الله .
    عندما تسترق النظر، وتختلس الإبصار؛ فاعلم أنك قد خنت الله تعالى ورسوله عليه الصلاة السلام. 
    يقول ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى: 
    [ يعلم خائنة الأعين ] هو الرجل ينظر إلى المرأة فإذا نظر إليه أصحابه غض بصره، فإذا رأى منهم غفلة تدسس بالنظر، فإذا نظر إليه أصحابه غض بصره وقد علم الله عز وجل منه أنه يود لو نظر إلى عورتها. 
    بعض آفات فضول النظر
    أيها المسلمون: من الآفات المتربة على فضول النظر:
    أولا: أنه معصية لله عز وجل، ومخالفة لأمر الله ورسوله.
    ثانيا: أنه يفرق القلب ويشتته، ويبعده عن الله عز وجل.
    ثالثا: أنه يضعف القلب ويحزنه.
    رابعا: أنه يحدث في القلب ظلمة، قد ينطفئ معها نور الإيمان، وتنطمس بسببه جذوة النور والمحبة والعرفان.
    خامسا: أنه يقسي القلب ويسد على العبد باب العلم بالله عز وجل.
    سادسا: أنه يسمح بدخول الشيطان إلى القلب، ويفتح له أبواب التوغل فيه ويمهد له الطريق لإفساده.
    سابعا: أنه يوقع العبد في الغفلة، وقد قال تعالى [ ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا]
    وقديما قالوا: متى أسرت الشهوة القلب؛ تمكن منه عدوه، وسامه سوء العذاب وصار:
    كعصفورة في كف طفل يضمها *** تذوق حياض الموت والطفل يلعب
    فلا الطفل ذو عقل يرق لما بها*** ولا الطير ذو ريش يطير فيذهــــــــب
    فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أنكم إليه راجعون، وبأعمالكم مجازون، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك، فلا يلومن إلا نفسه.
    نفعني الله وإياكم بالقرآن المبين.......الخ

    الخطبة الثانية
    من عقوبة الإدمان على النظر المحرم؛ أنه قد يكون سببا في سوء الخاتمة والعياذ بالله. ذكر العلامة عبد الحق الإشبيلي في كتابه: " العاقبة في ذكر الموت" قال: إن رجلا كان واقفا على باب داره، وكان باب داره يشبه باب حمام مجاور له، فمرت به جارية لها منظر وهي تقول: أين الطريق إلى حمام منجاب؟
    فقال لها: هذا حمام منجاب، ... وأشار إلى داره، فدخلت المرأة الدار ودخل وراءها، ورأى أنه قد ظفر بمبتغاه، ونسي أنه يعصي الله تعالى، فلما رأت نفسها معه في داره، وليست بحمام، علمت أنه خدعها.
    فأيقنت أنه لانجاة لها منه إلا بالحيلة والخداع، فأظهرت له البشر والفرح وقالت له: يصلح أن يكون عندنا ما يطيب به عيشنا وتقر به عيوننا، من طعام وشراب.
    فبادر وخرج ليأتيها بما لذ وطاب، ومن شدة الغفلة وكثرة الفرح، نسي الباب مفتوحا، فخرجت المرأة وذهبت إلى حال سبيلها، ولما رجع ولم يجد لها أثرا هام على وجهه في شوارع المدينة وهو يقول:
    يارب قائلة يوما وقد تعبت *** أين الطريق إلى حمام منجاب
    وأصبح هذا الرجل معروفا عند سكان المدينة، بهذا البيت من الشعر.
    ولما حضرته الوفاة، جعل الناس يذكرونه: شهادة أن لاإله إلا الله، وهو يقول:
    يارب قائلة يوما وقد تعبت *** أين الطريق إلى حمام منجاب
    نعوذ بالله تعالى من سوء الخاتمة.
    ذ. محمد الصديق
    الجمعة 05 رجب 1439 ه
    الموافق 23 مارس 2018 م
    المسجد : حي المصلى عين قادوس
    تنويه: المقالات والمواضيع المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي أصحابها
    Scroll to Top