• صوت القرويين

    الأحد، 25 مارس 2018

    دور الفقه الإسلامي في تنظيم الحياة العامة وقيادة الأمة

    الدكتور محمد التاويل رحمه الله

    لعل الجميع مقتنع بضرورة العودة بهذه الأمة إلى دينها الحنيف وشريعتها السمحة بدءا بالفقه الذي يعتبر الجانب العملي والتطبيقي للإسلام الصحيح وواجهته الأمامية التي تعكس مبادئه وفضائله وقانونه الأسمى الذي يتعين العمل به والاحتكام إليه انطلاقا من قوله تعالى : {ثم جعلناك على شريعة من الامر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون} وقوله : {وأن احكم بينهم بما أنزل الله}.
    وإذا كان العالم الإسلامي يعرف الآن صحوة إسلامية مباركة، فإن الفقه يجب أن يكون في مقدمة هذه الصحوة يقودها بحكمته ويوجهها بتعاليمه ويحفظ توازنها باعتداله، ويحميها من الزيغ والانحراف ويدفعها في الاتجاه الصحيح إلى الصراط المستقيم، حيث لا إفراط ولا تفريط ولا تحلل ولا تشديد، ولا يمين ولا يسار. وإنما هي واجبات لا يجوز التحلل منها، وحدود لا ينبغي تجاوزها، ومحظورات لا يحل انتهاكها، وبين هذا وذاك ساحة واسعة لا حرج على الإنسان في التحرك فيها كيف شاء ولا مجال للإنكار عليه فيما اختار منها : مكروهات، ومندوبات ومباحات. (حديث الأعرابي لا أزيد ولا أنقص). وحديث : «أن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن اشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها».
    والحرام ما حرمه الله ورسوله. والحلال ما أحله الله ورسوله وأمته، وما اختلف فيه العلماء فلا ينبغي للعامة الانشغال به ولا للأمة التفرق من أجله.
    وإذا كان من الصعب الحديث في مقال عن تاريخ فقه قاد العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه عشرات القرون ومآت السنين وأوصله إلى بحبوحة الشرف والمجد وقمة العز والسؤدد حين آمن به واحتكم إليه ولم يخرج عن مبادئه وقواعده. فإن ذلك لا يمنع من إلقاء نظرة خاطفة، والقيام بإطلالة سريعة على هذا الفقه للتعرف على سر خلوده وعظمته في نشأته وتطوره.
    الفقه لغة :
    قال الشيرازي : هو إدراك الأمور الخفية بدليل{ وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر}{قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون} {وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع} {قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون} {وإن من شيء الا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم}.. فقد استعمل كلمة العلم في الأمور الظاهرة واستعمل الفقه في الأمر الخفي.
    ويرى ابن القيم أن الفقه هو العلم بمراد المتكلم ومعرفة ما يقصده بكلامه لا مجرد معرفة معاني ألفاظه اللغوية فهو أخص من مطلق الفهم وقدر زائد عليه. ومن هنا كان الفقيه يسأل عما أريد بهذا اللفظ. والظاهري يسأل ما معنى هذا اللفظ ويكتفي بظاهره مما يوقعه في كثير من الأحيان في الخطأ الواضح الفاحش ومخالفة الحكمة من التشريع. كما وقع لعدي وغيره في الخيط الأبيض والخيط الأسود. وعمار في التيمم بالتراب من الجنابة، وفي خطبة الوداع سأل الرسول أصحابه أي يوم هذا؟ أي شهر هذا؟ أي بلد هذا؟ وفي كل ذلك كانوا يقولون : الله ورسوله أعلم. ولم يكونوا يجهلون أمر ذلك. ولكنهم كانوا لا يعلمون مراده.
    هذا عن الفقه لغة أما عرفا فقد استعمل في العلم بالشريعة الإسلامية عقائدها وفروعها وتصوفها، ومنه قوله تعالى : {ليتفقهوا في الدين}، وحديث : «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين». ثم نقل نقلا ثانيا إلى العلم بالأحكام الشرعية والعملية المكتسب من أدلتها التفصيلية وخصوه بعلم المجتهد دون المقلد.
    وبعد انقراض المجتهدين وحلول المقلدين محلهم في مهامهم سمي هؤلاء فقهاء أيضا، كما يطلق الفقه على مجموعة الأحكام الشرعية المستنبطة من الأدلة التفصيلية وصار هذا المعنى عرفا شائعا في التداول.
    والفقه بهذا المفهوم هو دين الله وشريعته التي تهتم بكل ما يتصل بالإنسان أو يصدر عنه من لدن كان نطفة إلى أن يصير ميتة. فنظم علاقته بنفسه وربه،، وولده وزوجه، وأسرته وبيته وجيرانه، وحكامه وأمته وبلده وأرضه، وسمائه وهوائه وبحره وبره، وشركائه وخلطائه، وأصدقائه وخصومه وأعدائه في وقت السلم والحرب، وبين حقوقه وواجباته وجنحه وجناياته، وتكفل بحفظه وحمايته في نفسه ودينه وعقله وعرضه وماله.
    كما نظم تصرفاته في ماله ومال غيره في بيعه وشرائه ونكاحه وطلاقه، ومحله وإقراره وصدقته ووصيته، وأخذه وعطائه في حال عسره ويسره، وطوعه وكرهه ورشده وضده، وصغره وكبره، وصحته ومرضه، وحضره وسفره وعلمه وجهله وفي جميع أحواله، واهتم به في لحظات موته ومراسم دفنه وتولى قسم تركاته، ورعاه وهو في قبره ولم يدع شيئا يتصل به من قريب أو بعيد إلا بينه له ومهد له السبيل إلى معرفته ومعرفة حكمه وأرشده لأحسن السبل فيه، حتى أكله ونومه ومشيته ومعاشرة أهله وقضاء حاجته.
    ولا غرابة في ذلك فإن الفقه من الله والله بكل شيء عليم، وهو الذي يقول في محكم كتابه الكريم : {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين}.
    هذا الفقه على سعته وإحاطته وشموله لما قلناه ولأضعاف ما لم نقله، ورغم اختلاف رواياته، وتضارب أقواله وكثرة ذلك فيه، فإنه ليس فيه مولد ولا هجين وليس فيه مستورد ولا دخيل. وليس فيه مستعار ولا مقتبس، وإن كان فيه الشاذ والضعيف وكله فكر ديني وتراث إسلامي من ألفه إلى يائه مولدا ودارا ونشأة وقرارا (لم تلوثه سموم الشرق والغرب، يستمد وجوده وشرعيته من الكتاب والسنة وإجماع الأمة) لم تعرف البشرية له وجودا في جاهليتها الأولى ولا بعدها، ظهر بظهور الإسلام ونشأ بنشأته وتطور بتطوره ورافقه في مسيرته وفتوحاته طولا وعرضا وشرقا وغربا شمالا وجنوبا لم تطأ قدمه أرضا ولا فتح بلدا إلا كان الفقه بجانبه يسوس ويقود ويوجه ويرشد.
    وقد مر الفقه الإسلامي بمراحل كثيرة وعاش أطوارا متعددة وظروفا مختلفة (عرف المد والجزر والإقبال والإعراض)، عرف الاجتهاد المطلق والاجتهاد المقيد، وعرف التقليد المتسامح والتقليد المتعصب، وكان لذلك تأثير واضح في ازدهاره وسؤدده، وقوته وضعفه وانكماشه وتراجعه لكنه لم يعرف الهزيمة والإقصاء طول حياته حتى ذاق طعمها الكريه بين أهله وفي وطنه في هذا العصر.
    ففي مرحلته الأولى من مراحل حياته عرف فقه الوحي النبوي(*)) أو فقه الكتاب والسنة حيث كانا المصدرين الوحيدين له طيلة فترة الوحي والنبوة ولم يكن أحد يجرؤ على التقدم بين يدي الله ورسوله باجتهاد ولا تشريع مكتفين بما ينزل من الوحي وما يصدر عن رسول الله بقوله : {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} وقوله : {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن اشياء إن تبد لكم تسؤكم}نهاهم عن مجرد السؤال فأحرى الاجتهاد في الحكم والتشريع مع وجوده صلى الله عليه وسلم وقد تميزت هذه المرحلة بوحدة المشرع، والتدرج في التشريع والانتقال به من حال إلى حال، ومن حكم إلى حكم من التشديد والعسر إلى التخفيف واليسر والعكس كما هو الشأن بالنسبة لتحريم الخمر والربا وفريضة الصيام والجهاد، والإرث والزكاة وغير ذلك. وقد كانت الحكمة من هذا التدرج إعداد النفس وترويضها لتتقبل ما هو أشق وأثقل عليها، أو إشعارها بلطف الله ورعايته لها بالانتقال لما هو أخف وأسهل.
    وفي المرحلة الثانية بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وانقطاع الوحي أحس الصحابة بحاجة ملحة إلى الاجتهاد والاستنباط أمام القضايا المستجدة التي واجهتهم في حياتهم اليومية وفتوحاتهم الإسلامية فرجعوا لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم يستنبطون منها الأحكام الشرعية لقضاياهم المعروضة عليه سدا للفراغ الذي أحدثه موت الرسول صلى الله عليه وسلم في مجال التشريع. وهكذا ظهر إلى جانب فقه الكتاب والسنة فقه الصحابة المكون من اجتهاداتهم وفتاويهم التي تستمد أحكامها من الكتاب أو السنة وقد تميزت هذه الفترة بخصائص تميزها عما قبلها وعما بعدها من الفترات نكتفي منها بما يلي :
    1- كثرة الفقهاء المجتهدين كما قال ابن مسعود رضي الله عنه إنكم الآن في زمن كثير فقهاؤه قليل خطباؤه… وصدق ابن مسعود رضي الله عنه فقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلمعلى درجة عالية من الفقه والاجتهاد فيه وإن كان بعضهم أفقه من بعض في بعض التخصصات كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقضى هذه الأمة علي بن أبي طالب، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرأهم أبي بن كعب، كما كان أعلمهم بالمناسك عثمان بن عفان ثم ابن عمر من بعده، وكان ابن مسعود أعلمهم بكتاب الله وأسباب نزوله. وأبو موسى أحسنهم تجويدا له، استمع إليه الرسول صلى الله عليه وسلم ذات ليلة وهو يقرأ فقال له : «لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود»، وكان أبو هريرة أحفظهم وأكثرهم حديثا، وابن عباس أفقههم بكتاب الله وأعلمهم بتاويله، وحذيفة أعلمهم بسر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعيان المنافقين وأخبار الفتن.
    ولكنهم رغم ما كان بينهم من التفاوت في العلم والاختصاص فقد كانوا جميعا فقهاء مجتهدين وأئمة مهتدين كما قال صلى الله عليه وسلم: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم».
    وقد ساعدهم على ذلك اتصالهم بالرسول صلى الله عليه وسلم وصحبتهم له وتعلمهم منه وتخرجهم على يديه واقتباسهم من نور النبوة ومشكاة الرسالة. بالإضافة إلى إلمامهم بالقرآن والسنة، ومعرفتهم بالمتقدم والمتأخر، وأسباب النزول، ومعرفتهم باللغة سليقة مما وفر لهم أسباب الاجتهاد ووسائله.
    إلا أنهم رغم ما كانوا عليه من الفقه والاجتهاد فقد كانوا يتحرجون الفتوى ويتهيبون الإقدام عليها متأثرين بما ورد فيها من التحذير والوعيد مثل حديث «أجرؤكم على الفتوى أجرؤكم على النار»، ولم يتجاوز عدد المفتين منهم مائة ونيفا وثلاثين. كان أكثرهم إفتاء سبعة عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وعائشة وزيد بن ثابت رضي الله عنهم.
    2- وكان هذا الإحجام عند الإفتاء سببا من أسباب قلة الاختلاف الفقهي في هذه المرحلة رغم كثرة الفقهاء وتعددهم وهي الميزة الثانية التي تميز هذه المرحلة من حياة الفقه. ويرجع سبب ذلك إلى :
    1- إحجام الصحابة عن الإفتاء وتهيبهم له.
    2- كراهيتهم للاختلاف وحرصهم على الاتفاق ما أمكن، فقد روي عن علي رضي الله عنه، أنه قال لقضاته بعد ما آلت الخلافة إليه “اقضوا كما كنتم تقضون فإني أكره الاختلاف” إني لأكره أن أخالف أبا بكر. وهذا لا يعني أنهم كانوا لا يختلفون. في الواقع أنهم اختلفوا في أشياء كثيرة كان سبب اختلافهم راجعا لاطلاع بعضهم على ما لم يطلع عليه غيره أو استحضاره له أو استنباطه منه. مثل اختلافهم في الجد. ونكاح المعتدة، والتيمم من الجنابة. ولم يكن خلافهم حبا في الخلاف ولا رغبة في الظهور وإنما كان بحثا عن الحق وطلبا للصواب. وكان اختلافهم رحمة لمن بعدهم باعتبار أنهم لو اتفقوا لكان اتفاقهم إجماعا ومخالفة من بعدهم لهم ضلالا.
    3- ما عرفوا به من الإنصاف والإذعان للحق والرجوع إليه متى ظهر غير مستكبرين ولا مستنكفين من ظهوره على لسان من هو أقل منهم علما أو أدنى منزلة من عبيد وموال، فقد أراد عمر أن يحدد أعلى الصداق وخطب في ذلك فردت عليه امرأة بقوله تعالى : {وآتيتم إحداهن قنطارا} فرجع إلى قولها وقال أخطأ عمر وأصابت امرأة ولم ير غضاضة في الرجوع إليها كما رجع إلى قول عبد الرحمن ابن عوف في وقائع كثيرة. ومن أقواله المأثورة الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل. وقضى أبو موسى الأشعري وهو أمير في فريضة وأمر السائل أن يذهب إلى ابن مسعود ليؤيد قضاءه فرد عليه ابن مسعود قضاءه وقضى فيها بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بلغه ولم يبلغ أبا موسى فأذعن لقضائه وقال : “لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم”.
    4- اعتمادهم نظام الشورى والمذاكرة في العلم والقضايا التي تعرض لهم الذي سنه أبو بكر وعمر رضي الله عنه وسار عليه من بعدهم تطبيقا لقوله تعالى : {وأمرهم شورى بينهم}. فقد روي عن أبي بكر أنه كان إذا نزلت به نازلة ولم يجدها في صريح كتاب الله ولا سنة رسوله خرج فسأل المسلمين هل فيهم من يعلم فيها شيئا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن لم يجد عندهم علما بذلك جمع الفقهاء واستشارهم فإذا أجمعوا على أمر قضى به.
    5- إقلالهم من استعمال القياس وإعراضهم عن الخوض في قضايا فرضية لا وجود لها ولم تحدث بعد حيث كان لهم في نشر الإسلام وجهاد الأعداء ما يشغلهم عن التفرغ لذلك وإضاعة الوقت فيها لم تدع الحاجة إليه. فقد جاء رجل مرة إلى ابن عمر يسأله فأكثر عليه من قوله أرايت، فقال له ابن عمر : دع أرايت في اليمن رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    وكان يقول لا تسألوا عما لم يكن فإني سمعت عمر يلعن من يسأل عما لم يكن.
    « وفي المرحلة الثالثة في عهد التابعين وتابعي التابعين عرف الفقه توسعا كبيرا بتوسع الدولة الإسلامية واحتكاك المسلمين بغيرهم من الأمم فكثرت القضايا وتشعبت وتدخل الفقه لحلها والإجابة عليها ولم يقف عاجزا أمامها. فكثرت الاجتهادات والفتاوى وظهر فقه آخر جديد انضم إلى فقه الكتاب والسنة وفقه الصحابة، وهو فقه التابعين وتابعي التابعين أو فقه السلف الصالح. وبرز في هذا العصر فقهاء مشهورون في جل الأمصار الإسلامية التي وصلها الصحابة أو وجدوا فيها كان على رأسهم الفقهاء السبعة بالمدينة وهم عروة بن الزبير والقاسم بن محمد بن أبي بكر وسعيد بن المسيب. وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود. وأبو بكر بن عبد الرحمن المخزومي وسليمان بن يسار مولى أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها وخارجة بن زيد بن ثابت وآخرون بالكوفة والبصرة والشام ومصر. وتمتاز هذه الفترة بـ :
    1- بدء تدوين الفقه بإشارة من الإمام العادل عمر بن عبد العزيز وبأمر منه، وكان أول من بدأ التدوين عمليا هو ابن شهاب الزهري المتوفى سنة 124 وكان الصحابة والتابعون قبل هذا العصر لا يكتبون الأحاديث وإنما كانوا يؤدونها لفظا لفظا، ويأخذونها حفظا خشية اختلاطها بالقرآن من جهة وانشغالهم بها عنه أو انصرافهم عن الحفظ واعتمادهم على الكتابة التي يمكن أن تتعرض لآفات الضياع. والزيادة والنقص بالإضافة إلى تكلفة الكتابة وصعوبة اصطحاب الكتاب عند الحاجة أو تعذر ذلك وأن المخبر من الكتب مخبر بالظن والمخبر من الحفظ مخبر بالعلم. وقلة الكتابة في ذلك العصر.
    1-وبعد الزهري تتابعت حركة التدوين ولم يبق أحد من الرواة إلا وله تدوين أو صحيفة أو نسخة إلى أن قام كبار أهل الطبقة الثالثة في منتصف القرن الثاني فدونوا الأحكام، وكان من أهم ما ألف في ذلك وأبرزها موطأ الإمام مالك رضي الله عنه الذي لقي إقبالا منقطع النظير في حياته وبعد مماته من أتباعه وغيرهم من علماء الأمة جمع فيه بين الفقه والحديث وتجنب فيه رخص ابن عباس وتشديدات ابن عمر وشواذ ابن مسعود فجاء مثلا في الاعتدال، أراد أحد خلفاء بني العباس أن يعلقه في الكعبة ويحمل الناس عليه حسما لمادة الخلاف فأبى مالك وأصر على ترك باب الاجتهاد مفتوحا وفسح المجال للرأي المخالف.
    وقد واكب حركة التدوين حركة تعليمية واسعة بإيفاد العلماء إلى مختلف الأمصار لتعليم الناس السنة والفقه ومحاسن الأخلاق والمعتقدات. كان من نصيب إفريقا عشرة من التابعين أرسلهم عمر بن عبد العزيز إليها لتعليم أهلها الفقه والدين.
    2- ظهور الفقه الفرضي والتقديري وانتشار العمل بالقياس إلى حد الإسراف والغلو وتقديمه على الحديث الصحيح، وخاصة بعد ظهور زفر وأبي حنيفة بعد ما كان الأخذ به ضرورة، وقد لقي ذلك إقبالا واستحسانا في أوساط من لا علم لهم بالسنة ولا طاقة لهم بحفظها ووجدوا فيه طريقا سهلا للظهور والنبوغ فتمسكوا به وآثروه وخصصوا به عموم الكتاب والسنة كما روى عمر رضي الله عنه أنه قال : أصحاب الرأي أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، وتفلتت منهم أن يعوها واستحيوا حين سئلوا أن يقولوا : لا نعلم فعارضوا السنن برأيهم فإياكم وإياهم.
    وكان من آثار ذلك ظهور مدرسة الرأي بزعامة أبي حنيفة إلى جانب مدرسة الحديث وانقسم الفقهاء إلى أهل الرأي والقياس لا يقبلون ما خالف رأيهم. وأهل حديث لا يعبئون بالرأي ولا يقيمون له وزنا إذا خالف الحديث ولو ضعيفا (الحديث الضعيف أحب إلي من قول فلان) وبين هاتين المدرستين ظهرت مدرسة مالك رحمه الله الذي استطاع بفكره وفقهه أن يعطي للرأي مكانته وللحديث مهابته فاعتمد القياس فيما لا نص فيه ولا سنة. ومن هنا خرجت القاعدة الأصولية المشهورة لا قياس مع وجود النص.
    وأخيرا نؤكد أن الفقه الإسلامي بما فيه من أفكار ومبادئ وماله من هيمنة على مشاعر المسلمين قادر على إصلاح المجتمع وتحقيق السعادة للجميع حاضرا ومستقبلا كما حققها قديما، وإنما يحتاج إلى شيء من التنقيب عن مبادئه وتجديد الثقة فيه والعودة إلى تطبيقه بصدق وإخلاص.
    —-
    (*) دامت 23 أو 20 سنة إذا علمنا أن أول وحي هو الفقه وآخر كلامه الصلاة وما ملكت وبينها كان الفقه يتمثل فيما ينزل من القرآن وما يصدر عن الرسول من أقوال وأفعال وتقريرات في العبادات والمعاملات والجنايات والحروب والخلافات الأولية والمعاهدات والقضاء والشهادات.
    تنويه: المقالات والمواضيع المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي أصحابها
    Scroll to Top