• صوت القرويين

    الأربعاء، 28 فبراير 2018

    بين الدعوة لإباحة الفجور وإنكار عذاب القبور أية علاقة؟

    الحمد لله الذي حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وجعل فتنة القبور على المفسدين من أوجع الفتن، وأَنعم على الصالحين بنعمة الصدق والإيمان فكانا من أجل المنن، وأشهد أن لا إله إلا الله بنور شرعه نميز القبيح من الحسن، ونزيل ما بنا من الظلم والظلام والحزن والشجَن، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله أنزل الله على قلبه السكينة فاطمأن وسكن، وقذف في قلوب المفسدين من أعدائه الرعب والوهن، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى نهاية ما في هذه الدنيا من النعم والمحن...
    أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.
    إن الأمة المسلمة في هذا العصر تتخبط في ظلمات بعضها فوق بعض؛ في وحدتها بظلمات الخلافات والنزاعات، وفي اقتصادها بظلمات الربويات، وفي أنسابها بظلمات الزناة والزانيات، وفي شبابها بظلمات المسكرات والمخدرات، وفي عقر دارها بظلمات وسائل الإعلام، وفي ثغورها بظلمات من الحروب شردت الملايين؛ تارة من الأعداء وتارة بين الإخوة الأعداء!
    فأعداء الإسلام كثيرون؛ طغاة الصهيونية والصليبية وأحفاد الشيوعية من جهة، وغلاة الشيعة الروافض من جهة ثانية، وبغاة التنطع والتشدد والتطرف من جهة ثالثة، ودعاة الفساد والغلمانية (بالغين) من جهة رابعة؛ تعددت الأسماء وعدو الإسلام واحد، وكلهم يتربصون وينتظرون الفرصة للانقضاض على الإسلام دينا وفكرا، وعلى المسلمين إيمانا وأمنا، وتكفى شرارة واحدة في أي بلد إسلامي ليتحركوا، فحين تشتعل سرعان ما تشتغل الأعداء لصب البنزين على نارها.

    أيها الإخوة المؤمنون؛ في هذا الإطار طلع علينا في هذه الأيام عبر المواقع الاجتماعية من ينكر عذاب القبر، ويعتبره مجرد أساطير وأوهام، وفي نفس الوقت طلع علينا من يدعو لإباحة اللواط باسم زواج المثليين، ويدعو إلى الحرية الجسدية في ذلك، ويستنكر على أصحاب الفنادق حين يمنعون إيجار الغرف لرجل مع امرأة إلا إذا أدلى بعقد الزواج؛ لأن هذا في نظره المريض تدخل في الأمور الشخصية.
    وبين إباحة لواط الفجور، وإنكار عذاب القبور، علاقة السبب بنتيجته؛ فكلا الأمرين متلازمان، هدف من دعا إليهما هو محاربة تعاليم الإسلام، ونشر الفواحش بين الأنام، والتشويش على العقائد والإيمان؛ ففي البارحة أنكروا صحيح البخاري، واليوم ينكرون عذاب القبور، وغدا سينكرون البعث والنشور، وبعد غد يأتي الدور على الحساب والصراط والجنة والنار، حينئذ يفعل الإنسان في هذه الدنيا من الفواحش ما يشاء؛ لأنه لا حساب ولا عقاب، ولا استنكار ولا عتاب؛ فمن أنكر عذاب القبر سيبيح كل المحرمات؛ لأنه لا يعترف بعقوبة من يرتكبها عند الله تعالى.
    أما عذاب القبر فأمر ثابت بأحاديث صحيحة عن النبيﷺ؛ منها:
    ما روى أبو دود عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: «كان رسولُ اللهﷺ إذا فَرَغ من دفن الميت وقَفَ عليه، وقال: استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت، فإنه الآنَ يُسأَل».
    وقد بين لناﷺ بالتفصيل كيفية السؤال في القبر؛ فقد روى أبو دود عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: «خرجنا مع رسولِ اللهﷺ في جَنَازَةِ رَجُل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يُلْحَدْ بعدُ، فجلس رسولُ اللهﷺ وجلسنا حوله كأنما على رؤوسنا الطَيرُ (أي: لا نتحرك)، وبيده عُود يَنْكُتُ به في الأرض، فرفع رأسه فقال: تَعَوَّذوا بالله من عذاب القبر (قالها مرتين، أو ثلاثاً)، ثم قال: إن الميتَ ليسمع خَفْق نعالهم (أي من دفنوه) إذا وَلَّوْا مدبرين حين يقال له: يا هذا، مَنْ ربُّك؟ وما دِينُك؟ ومن نَبِيُّكَ؟: 
    وإن المؤمن يأتيه مَلَكان (هما منكر ونكير)، فيُجلسانه، فيقولان له: مَنْ ربُّكَ؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دِينُك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بُعِثَ فيكم؟ فيقول: هو رسولُ الله، فيقولان له: وما يُدريك؟ فيقول: قرأتُ كتاب الله، وآمنتُ به، وصدَّقتُ؛ فذلك قوله: {يُثَبِّتُ اللهُ الذين آمنوا بالقول الثابتِ في الحياة الدنيا وفي الآخرة}؛ فينادي منادٍ من السماء: أن صَدَق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، فيأتيه من رَوْحها وطيبها، ويُفْسَح له في قبره مَدَّ بصره.
    وإن الكافر يأتيه مَلَكان، فيُجلسانه، فيقولان له: مَنْ ربُّك؟ فيقول: هَاهْ هَاهْ، لا أدري، فيقولان: ما دِينُك؟ فيقول: هَاهْ هَاهْ، لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هَاهْ هَاهْ لا أدري، فينادي منادٍ من السماء: أنْ كذَبَ، فأفرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من حَرّها وسَمومها، ويُضَيَّق عليه قبرُه حتى تختلفَ فيه أضلاعه»؛ وأخرج مثله الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه.
    وروى البخاري ومسلم: أن النبيﷺ مر بقبرين فقال: «إنَّهما ليعذَّبان، وما يعذَّبان في كبير،... أمَّا أحدهما فكان لا يستتر من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بين الناس بالنميمة».
    وروى البخاري ومسلم أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسولَ اللهﷺ قال: «إِذا تَشَهَّدَ أحدُكم فليستعِذْ بالله من أَربعٍ، يقول: اللهم إِني أعوذ بك من عذابِ جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيحِ الدجال» .
    وقد انعقد إجماع العلماء على ذلك، ولم يكن عند الأمة فيه خلاف، إلا عند بعض المعتزلة قديما أتباع الفلاسفة؛ فأردا أحفادهم اليوم استدعاء ترهاتهم واستعادة فلسهم ليشوشوا بها على الناس ليس إلا؛ واليوم لا ينكر عذاب القبر إلا أحد الشخصين: 
    الأول: المعاند للحق والجاحد للحقيقة، الذي يتحين الفرص لضرب ضربته البائسة اليائسة إرضاء لمن وظفه واستعمله؛ فهو مجرد مرتزق عميل يتلون كالحرباء، ويتلوى كالأفعاء، حسب بورصة الدفعات من الأعداء.
    الثاني: الجاهل الذي لا يميز بين الحق والباطل، ولا يعرف الحقيقة من الوهم؛ فيهرف فيما لا يعرف. 
    وقد أخبرنا الله تعالى أن الكفار في القبور بسبب هذا العذاب بائسون ويائسون؛ فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ}.
    صدق الله العظيم وغفر ولكم ولسائر المسلمين أجمعين والحمد لله رب العالمين


    الحمد لله رب العالمين…
    أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون؛ 
    أما يسمى بزواج المثليين وهو اللواط والفجور؛ فهو النتيجة الحتمية لإنكار عذاب القبور؛ لأن أي مجرم إذ أيقن بأنه لا حساب ولا عقاب سيطلق العنان لنزواته الفاسقة، وسيسبح في بحور الفسوق والمجون بشهواته المارقة؛ والله عز وجل خلق الزوجين الذكر والأنثى، وجعل ميول الرجل نحو المرأة، وميول المرأة نحو الرجل طبيعيا، ولم يعرف هذا الميول بين ذكر وذكر إلا في قوم لوط، فهم أول مَن بدأ ذلك كما قال الله تعالى: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ}، وقال سبحانه: {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ}.
    وما يسمى بزواج المثليين هو من فعل قوم لوط، ومن كبائر الذنوب التي لا تَقبلها العقول، ولا تميل لها الفطرة السليمة؛ بل هو مرض يفتك بالجسم ويفسده؛ لقد فاقوا في جرائمهم حتى الحيوانات؛ فلن تجد حمارا يميل إلى حمار ولا كلبا يميل إلى كلب؛ ولن ينجذب الحيوان في هذا إلا لأنثاه؛ فلم هؤلاء الوحوش من البشر ينجذبون للذكر بدل الأنثى، فيتزاوجون، ومن الطبيعي أن الهدف من الزواج هو الولادة والتكاثر؛ وهل يلد الذكر؟ فنحن نعاني اليوم من العنوسة في الرجال والنساء معا، وكل طرف في حاجة للآخر؛ فكيف إذا كان عند كل طرف الاكتفاء الذاتي؟ 
    وأصحاب هذه الجريمة في مجتمعنا اليوم على نوعين؛ منه من ظهر، ومنه من بطن، ومنهم من يدعيه بصريح العبارة، ومنهم من يمارسه برموز الإشارة.
    النوع الأول: منهم أعلنوها صراحة، وكونوا لها جمعيات ومنظمات باسم المثليين؛ يطالبون بالاعتراف بهم، وبعقوقهم التي يسمونها الحقوق؛ وما هي إلا عقوق لشرع الله تعالى وللطبيعة التي خلق الله تعالى عليها الإنسان والحيوان معا. 
    أما النوع الثاني منهم؛ فيمارسون هذه الجريمة في خفية وخفاء، خيفة الفضيحة، فيستغلون كل شيء لاستدراج ضحاياهم وللسيطرة عليهم، وللسطو على أعراضهم، ومن أكثر ضحايا جرائمهم الأطفال الصغار من البنين والبنات على السواء، {أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}.
    فمن أباح لواط الفجور وأنكر عذاب القبور؛ فقد أنكر المعلوم من الدين بالضرورة؛ فوجب عليه أن يتوب إلى الله تعالى قبل أن يأتيه الله بعقوبة إباحيته للمنكر وإنكاره للمعروف؛ والله تعالى يقول: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا }، ويقول سبحانه أيضا: {وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}.
    ألا فاتقوا الله عباد الله وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ...

    الشيخ عبد الله بنطاهر
    تنويه: المقالات والمواضيع المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي أصحابها
    Scroll to Top