• صوت القرويين

    السبت، 9 ديسمبر 2017

    خطبة | ماذا بإمكانك أن تفعل والمسجد الأقصى مسروق؟

    بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه
    الحمد لله الذي أكرم الأنبياء بمعجزات لا ترد ولا تقصى، فأيد سيدنا موسى عليه السلام بمعجزة العصا، وأبرأ بسيدنا عيسى عليه السلام الأكمه والأبرص، وأسرى بعبدهﷺ ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وأشهد أن لا إله إلا الله علم كل شيء عددا وأحصى، فأسبغ علينا من النعم ما لا يعد ولا يحصى، ودفع عنا من النقم ما لا يوصف ولا يستقصى، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي أمر بكل خير وأوصى، فغلَّبه الله على كل ما عسر واستعصى، وهدى به إلى الإيمان والطاعة من كفر وعصى، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه صلاة وسلاما عدد التراب والحصى.

    أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.
    كثر الكلام إلى حد الصراخ حول ما يحدث في المسجد الأقصى في هذه الأيام، وكثر البكاء إلى حد العويل، وكثر الحزن إلى حد الأسى، وكثر الندم إلى حد الأسف، وعلاوة على ذلك -مع الأسف والأسى- لا نملك نحن اليوم في نصرة المسجد الأقصى إلا أمرين لا ثالث لهما؛ وهما من الأهمية بمكان إن أحسنا توظيفهما فهما نقطة البداية لما بعدهما؛ وهما:
    1) الدعاء الصالح؛ وليس مجرد دعاء نصيح به في مساجدنا ومجامعنا؛ بل لا بد أن يكون مبنيا على أمرين: أن يكون القلب حاضرا، وأن يكون العمل طاهرا؛ فلا ينفع الدعاء مع السحت والحرام في المعاملات؛ والنبيﷺ يقول فيما روى الطبراني: «يا سعد؛ أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة»؛ كما لا ينفع مع اللهو والغفلة في القلوب؛ والنبيﷺ يقول فيما روى الترمذي: «...اعلموا أن الله عز وجل لا يستجيب دعاء من قلب غافل لَاهٍ».
    2) محاولة الإصلاح؛ بدءا من إصلاح النفس والأسرة، إلى إصلاح المدينة والمجتمع، إلى إصلاح الدولة والأمة...؛ في مجال الأمن والأمان، وفي مجال الصحة والاقتصاد، وفي مجال الحكم والحكامة، وفي مجال التقدم والثقافة، وفي مجال الزراعة والصناعة؛ فلن نحرر المسجد الأقصى بالفاسدين عقيدة ونفسيا يسبون الرب والملة ورسولها، ولن نحرر المسجد الأقصى بفساق لا يتركون فرصة في مجتمعاتنا لنشر الرذيلة ومحاربة الفضيلة إلا ومارسوها ونشروها، ولن نحرر المسجد الأقصى بالخونة الذين يتمعشون من القضايا الكبرى التي تؤزم الأمة وينتعشون بأزماتها، ولن نحرر المسجد الأقصى بشعوب ضرب الجهل في عقولهم بأطنابه والأمية في ثقافاتهم بجذورها، لا يعرفون حتى أين يقع المسجد الأقصى جغرافيا، فكيف بأحداث مراحله تاريخيا؟ وكيف بأحدث وجديد احتياجاته واقعيا؟
    والعاقل حين يستهدف أمرا ما ولم يستطع الحصول عليه ولا الوصول إليه، يربي أولاده على كيفية الحصول وطرق الوصول؛ فالمسجد الأقصى ضاع من يد جيل آبائنا وأجدادنا، واستمر نزيف الضياع على يد جيلنا، فيجب على هذا الجيل تربية أولاده على وقف هذا النزيف، وذلك لا يتحقق إلا بإصلاح الأسرة، وهو في مستطاع كل فرد، ولا يعذر منه أحد.
    أيها الإخوة المؤمنون؛ لقد دل التاريخ على أن تحرير القدس مرتبط بقوة الأمة وتمسكها بدينها، وأن أسر القدس مبني على ضعف الأمة وبعدها عن دينها؛ فاسألوا التاريخ لتتعلموا أن القدس تتقلب صعودا وهبوطا مع أحوال الأمة، لم يمض وقت اعتزت الأمة فيه بدينها، إلا وحررت القدس من يد الأعداء، كما لم يمض زمن ضاعت فيها عزتها، إلا وتكالبت على القدس الأعداء‍‍؛ تلكم هي الحقيقة التاريخية الثابتة، فكأن القدس هي المؤشر الذي يقاس به عزة الأمة وذلتها؛ لقد فتحها عمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما اعتزت الأمة بدينها، فلما ضعفت الأمة وتمزقت وحدتها في القرن الخامس الهجري شنت الصليبية حملاتها الشرسة فنزعت القدس من أهلها، فاستعمروها زهاء قرن كامل حتى جاء أمير تربى في أحضان الإسلام، فصلح دينه التي هو عصمة أمره، ودنياه التي فيها معاشه، صلاح الدين الأيوبي ففتحها مرة ثانية.
    ولما ضعفت الأمة في هذا العصر وتشتت شملها، ومزقت الحروب الطاحنة أوصالها، سرق منها الصليبيون والصهاينة القدس ولن تعود إليها في المرة الثالثة إلا بتوحيد الكلمة على أساس من كلمة التوحيد...
    وأقول لك -أخي المسلم- بكل بساطة إنك لو لم تستطع إلا أن تصلح نفسك، فتمتنع عن جرائم كنت أنت ترتكبها لكان هذا منك دفاعا عن المسجد الأقصى، ولو لم تستطع إلا أن تربي أولادك التربية الإسلامية الصحيحة وأن تجعلهم يحسون بانتمائهم لهذا الدين لكان هذا منك دفاعا عن المسجد الأقصى، ولو لم تستطع إلا أن تنقد مسلما واحدا من ضعف الفقر إلى قوة الغناء، أو من نقمة المرض إلى نعمة الصحة، أو من ذلة الجهل إلى عزة العلم، أو من ظلام الشرك إلى نور الإيمان، لكان هذا منك دفاعا عن المسجد الأقصى؛ ولو لم تستطيعي -أختي المسلمة- إلا أن تمتنعي عن التبرج الفاضح والسفور الواضح لكان هذا منك دفاعا عن المسجد الأقصى.
    وإن المسلم -وهو يرى هذا العدوان الغاشم على مقدساته- لا ينبغي له أن يصاب باليأس والقنوط؛ لأن الله تعالى يقول: {وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}، ويقول سبحانه: {وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ}؛ لا بد من تكوين النفوس المطمئنة الصالحة، وبناء الأسر الطاهرة الناجحة، وتعاون المجتمعات المتماسكة المتلاحقة المتلاقحة، وفي ظل حماية رجال الدولة القوية النافحة المانحة، حتى نمتلك الأمة المحررة الفاتحة؛ فنقطة البداية في الطريق إلى القدس يبدأ من إصلاح النفس، ثم إصلاح الأسرة، ثم إصلاح المجتمع، ثم إصلاح الدولة، ثم إصلاح الأمة؛ وبغير هذا لن نعبر إلى المسجد الأقصى.
    أمنية قد تأخرت لتأخر الأمة؛ ولكنها بإذن الله العلي العظيم سوف تتحقق
    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين والحمد لله رب العالمين...

    الحمد لله رب العالمين...
    أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون؛
    إن من أسوأ ما نراه في القضية هذا الصمت المطبق على شفاه بعض العلماء المعروفين في العالم الإسلامي! نعم صدق من قال: (الخوف شعار المقربين)؛ فإن قضية المسجد الأقصى أسقطت كثيرا من الأقنعة المزيفة الخائفة البائسة مرة أخرى؛ حيث نرى كثيرا من المقربين للمؤسسات المرضعة، لاذوا بالصمت والسكوت؛ إذ نالوا المناصب والكراسي، وقد صدعوا رؤوسنا قبلا بأنهم دعاة العالم الإسلامي، واليوم ابتلعوا ألسنتهم وقد امتلأت قلوبهم خوفا من الفطام وفرقا من الفصام؛ فلم نر منهم حتى تغريدة على استحياء إن بقيت لهم حناجر صالحة للتغريد إن لم تختف هي أيضا خوفا من الخناجر؛ أين أولئك الذين صدعوا رؤوسنا في الفضائيات بالدعوة والدروس والتوجيهات؟ لماذا لم ينبسوا ببنت شفة؟ ألم تعد حناجرهم صالحة للاستعمال؟ لقد خافوا فخانوا وخابوا، وأخرسوا فخسروا؛ هذا من كان منهم صادقا منصفا.
    أما المجحف الكذاب الأشر فإن رياحه لا تجري إلا بما تشتهي سفن المؤسسات المرضعة وإن تظاهر بأنه داعية، يتلوَّن كالحرباء ويتلوَّى كالأفعى؛ ومما يزعج ويؤلم ويبكي أن يصرح بعض من يحسب على أنهم من كبار الدعاة بأن ما يحدث في المسجد الأقصى شأن إسرائيلي داخلي. ومن سنن الله تعالى في الأكوان إسقاط الأقنعة المزيفة الخائفة البائسة بالقضايا الكبرى في الأمة؛ وصدق الله العظيم إذ يقول: {فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}، {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ}... سقطت الأقنعة المزيفة فإن الخوف شعار المقربين.
    ألا فاتقوا الله عباد الله، وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ...
    الشيخ عبد الله بنطاهر
    تنويه: المقالات والمواضيع المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي أصحابها
    Scroll to Top