• صوت القرويين

    الأربعاء، 22 نوفمبر 2017

    خطبة صلاة الاستسقاء: "المهم ما بعد صلاة الاستسقاء"

    >> الشيخ عبد الله بنطاهر

    أستغفر الله استغفر الله أستغفر الله العظيم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا
    الحمد لله الذي جعل كل شيء حي من الماء، سبحانه وتعالى من إله غير الله ينزل الغيث بقدر من السماء! من إله غير الله يجعله في الأرض جداول الخير وخزائن النماء! من إله غير الله يمسكه فتصبح الأرض صعيدا زلقا ويصبح ماؤها غورا وهي جرداء صماء! وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في الأفعال والصفات والأسماء، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله سيد العظماء، تنورت بحكمه قلوب الحكماء، وتروى بينابيع علمه نفوس العلماء، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الكرماء، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى نهاية الأرض والسماء.
    أستغفر الله استغفر الله أستغفر الله العظيم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا
    أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}، {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا}، {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا}...
    لقد تأخر المطر هذه السنة، وها نحن نصلى صلاة الاستسقاء تضرعا إلى الله تعالى وابتهالا، عسى الله يرحمنا بالغيث والمطر، والبلاد يهدها الجفاف، كاد أرضها تصبح صعيدا زلقا، وكاد ماؤها يصبح غورا فلن نستطيع له طلبا، والفلاح قد أحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها، كادت تكون خاوية على عروشها، خوفا من أن ييبس الضرع وأن يجف الزرع، وأن يأخذ الجفاف بمجامع الأرض كما أخذ الجفاء بمجامع القلوب، بتأخر المطر عن وقته وأوانه يهدد الجفاف بأنيابه الفلاحة ومنتوجاتها، وينشب القحط أظفاره إليها.
    أستغفر الله استغفر الله أستغفر الله العظيم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا
    نعم ها نحن نصلي اليوم صلاة الاستسقاء؛ والصلاة هي عماد الدين ودورها في الإصلاح بينه الله تعالى إذ قال: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر}؛ فالمسلم عندما يفرح يكون من مظاهر فرحه الصلاة: صلاة العيد وسجود الشكر، وعندما يحزن أو يصاب بمصيبة يفزع أيضا إلى الصلاة، وقد كانﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة: صلاة الاستسقاء والكسوف والخسوف وصلاة الجنازة. لأن الإسلام يريد أن يرتبط المسلم بربه في أفراحه وأتراحه، في مأساته ومسراته، فبالصلاة يستعين المؤمن على الصبر في الضراء، لأنه سبحانه وتعالى جمعها بالصبر في أكثر من آية فقال سبحانه: {واستعينوا بالصبر والصلاة}. وبها أيضا يستعين على الشكر في السراء؛ بل هي تعبير صادق عن شكر نعم الله تعالى وكيف لا! وقد ربطها الرسولﷺ بالشكر عندما أنكرت عليه زوجته عائشة الإكثار من القيام حتى تورمت قدماه فقال: «أفلا أكون عبدا شكورا»". والصلاة هي راحة المؤمن على كل حال، وقد كان النبيﷺ عندما يرى العياء يتسرب إلى أصحابه في أسفاره يقول لمؤذنه الرسمي بلال: «أرحنا بها يا بلال».
    أستغفر الله استغفر الله أستغفر الله العظيم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا
    نعم ها نحن نصلي اليوم صلاة الاستسقاء؛ ولكن صلاة الاستسقاء وحدها لا تكفي، إن لم تتوقف هذه الجرائم البشعة المنتشرة في مجمعنا في كثير من الأصعدة، إن لم تتوقف هذه المناكر الشنيعة التي عششت في معاملاتنا، فالمعاملات في الإسلام تبنى على المثال الذي يقوله المغاربة بالدارجة: (صف واشرب)، ولكن معاملاتنا نحن مبنية على عكس هذا المثال الذي يقولون فيه بالدارجة أيضا: (حلب واسكت)، من أين يأتي الغيث بـ(حلب واسكت)، لا نبالي بالحلال ولا بالحرام، والحلال عندنا هو ما حل بأيدينا، أين الصفاء في عقائدنا؟ أين الصفاء في معاملاتنا التجارية والاقتصادية؟ أين الصفاء في شبابنا ونسائنا؟ أين الصفاء في عباداتنا وأخلاقنا؟ الكل في يتخبط في عملية (حلب واسكت) ثم نستسقي، حتى ولو جاء المطر فالرسولﷺ يقول في أمثالنا: «لولا البهائهم لم يمطروا»، حتى ولو جاء المطر وهذه حالتنا فإنما يأتي من أجل وجوه البهائم العجماء والطفولة البرئية، لا من أجل وجوهنا الملوَّثة والملوِّثة، والرسولﷺ يقول: «لولا شيوخ ركع وأطفال رضع وبهائم رتع لصب عليكم العذاب صبا ثم رص رصا». يقول الله سبحانه وتعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}، {وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً}، {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ}، {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً}.
    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين والحمد لله رب العالمين.

    الحمد لله رب العالمين…
    أما بعد؛ فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ 
    أستغفر الله استغفر الله أستغفر الله العظيم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا
    نعم ها نحن نصلي اليوم صلاة الاستسقاء؛ لكن الله سبحانه وتعالى كما جعل الماء نعمة كبرى فقد يحوله إلى نقمة عظمى، وقد يجعل هلاك أناس بما فيه حياة آخرين، والماء نعمة حين ينزل بقدر، ولكن الله إذا غضب بسبب سوء أفعالنا قد ينزله بدرجة تفسد ولا تصلح، وقد كان الرسول يقول في دعائه إذا رأى السحاب في السماء: «اللهم سيب رحمة لا سيب عذاب»، والقرآن الكريم يحدثنا عن هلاك قوم نوح بالطوفان، وهلاك قوم سبأ في اليمن بانهيار سد مأرب عليهم، بل كثيرا ما تطلع علينا وسائل الإعلام بفيضانات أودت بحياة الكثير، وخلفت خسائر فادحة في الأرواح والأموال، وتركت الآلاف بدون مأوى، وفي الآخرة إذا كان أهل الجنة يتنعمون بماء مسكوب، فإن أهل الشقاء يسقون من ماء أيضا ولكنه صديد يتجرعه ولا يكاد يسيغه، من ماء ولكنه كالمهل يشوي الوجوه، من ماء ولكنه حميم فقطع أمعاءهم.
    ألا فاتقوا الله عباد الله وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ…

    اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. 
    وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي أهل الصدق والوفاء، وعن بقية الصحابة الشرفاء، وخصوصا أمهات المؤمنين وأهل بيت النبوة والصفاء، اللهم ثبت في قلوبنا محبتهم، وأحينا على سنتهم، وأمتنا على ملتهم، واحشرنا في زمرتهم. 
    اللهم وفق للخير جلالة الملك محمد السادس، اللهم أصلحه وأصلح به العباد والبلاد، اللهم احفظه في ولي عهده مولاي الحسن، وجميع الأسرة الملكية الشريفة. 
    اللهم انصر الإسلام والمسلمين، وأهلك الكفر والكافرين، اللهم حرر الأقصى من اليهود الغاصبين، وأخرجهم منها أذلة صاغرين. 
    اللهم يا ناشر السحاب في السماء، ويا منزل الغيث والماء، فانشر علينا رحمتك وأنزل علينا غيثك، يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث، اللَّهُمَّ أنْتَ اللَّهُ لاَ إِلهَ أَنْت، أنت الغَنِيُّ وَنَحْنُ الفُقَراءُ، اللهم اسقنا غيثا مغيثا، نافعا غير ضار، عاجلا غير آجل، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا فأرسل السماء علينا مدرارا، اللهم مغفرتك أوسع من ذنوبنا ورحمتك أرجى عندنا من عملنا، اللهم اسق عبادك وبهيمتك وانشر رحمتك وأحي بلدك الميت، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا، ربنا إنك رءوف رحيم. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين. ورحم الله عبدا قال آمين...
    تنويه: المقالات والمواضيع المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي أصحابها
    Scroll to Top