• صوت القرويين

    الأربعاء، 8 نوفمبر 2017

    نبذة عن القرويين : من الجامع إلى الجامعة.

    العلامة عبد الحي عمور | رئيس المجلس العلمي المحلي لفاس
    تمثل القرويين جامعا وجامعة أبرز وأعرق الجامعات الإسلامية ، فهي رمز من رموز الهوية الإسلامية وصرح من صروح الفكر والثقافة في العالم ، انتشرت منها أنوار المعرفة والحكمة والشريعة في كل أرجاء المغرب والعالم الإسلامي . وقد قيض الله لبناء جامع القرويين امرأة من نساء القيروانيين المهاجرين وهي السيدة فاطمة الفهرية (أم البنين)، حيث وهبت كل ما ورثته من أموال في بناء المسجد عام 245هـ وكان كلما كثر عدد سكان عدوة القرويين سارع المحسنون من أتقياء القوم إلى توسيع المسجد والإنفاق في سبيل إصلاحه وترميمه ، واستمرت الأنشطة الدينية تقام برحابه منذ تأسيسه . وكلما تطورت مدينة فاس عمرانيا انصبت الجهود على الاهتمام بالمسجد الجامع توسعة وصيانة، فصار عبر التاريخ المغربي قطبا ومنارة لمساجد الدولة المغربية نظرا لإشعاعه الروحي المتواصل وتوجيهه للحياة الدينية والعلمية عبر أرجاء المغرب.

    ومهما اختلف الباحثون في بداية تاريخ التعليم في جامعة القرويين فإن طبيعة تأسيسها كجامع كانت تفرض على العلماء أن يلقنوا فيه المعرفة الإسلامية والعلوم الشرعية ، لذا سرعان ما توفرت له خصائص ومميزات الجامعة ، وتحققت له شخصيتها العلمية والمعنوية وذلك في إطار استقدام الأساتذة واستقبال الطلبة وتقرير المواد والعلوم المدروسة وتسليم الإجازات وتوفير الكراسي العلمية المتخصصة وتكوين خزانة علمية متنوعة التخصصات . كل ذلك أضفى على الجامع صفة الجامعة وأسبغ عليه طابع المؤسسة الجامعية في المفهوم الحديث.
    ومع مرور الزمن وتعاقب دول المغرب أصبحت مكانة الجامع تظهر بوضوح، وأضحى الاهتمام به يقوى ويشتد ، فكانت كل دولة تسعى إلى الإسهام في تشييد صروحه وترميم جوانبه وتوسيع بناياته وتوفير كل الوسائل الضرورية التي تتيح الفرصة لأكبر عدد من رواده لتلقي دروس العلم والمعرفة.
    ويمكن القول بأن القرويين انتقلت ابتداء من العصر المرابطي من مرحلة الجامع إلى مرحلة البداية الجامعية ، لأن المرحلة الجامعية المكتملة حسب النصوص المتوفرة لم تنضج بصورة كاملة سوى في العصر المريني عندما عزز جامع القرويين بمجموعة من المدارس والكراسي العلمية والخزانات.

    المدارس العلمية.

    لم يكن إنشاء المدارس العلمية معروفا في المغرب إلى حين بناء مدرسة الصفارين بفاس عام 670هـ ثم تبع ذلك إنشاء مدارس أخرى من أجل إيواء طلاب العلوم والتفرغ لطلب العلم ، ومن أبرز المدارس المشهورة بفاس:
    - مدرسة فاس الجديد التي بناها أبو سعيد المريني عام 720هـ وجددها السلطان محمد بن عبد الله العلوي عام 1204.
    - مدرسة الصهريج وكانت تسمى المدرسة الكبرى أسسها أبو الحسن المريني عام721 وتوجد غرب جامع الأندلس بفاس.
    - مدرسة السبعيين وتعرف بالمدرسة الصغرى أسسها أبو الحسن المريني عام 721هـ
    - مدرسة العطارين على مقربة من جامع القرويين ، وقد بناها أبو الحسن المريني عام 723هـ
    - المدرسة المصباحية، وقد شيدها أيضا أبو الحسن المريني عام 745 وتحمل اسم أول أساتذتها وهو أبو الضياء مصباح اليالصوتي.
    - المدرسة البوعنانية ، وقد بنيت في عهد أبي عنان المريني عام 757هـ.
    خزانة القرويين
    من المؤكد أن جامعة القرويين ما كان لها أن تواكب المد المعرفي المتنوع وتحقق المستوى العلمي المنشود الذي عرفته عبر القرون إلا بالرافد الأساسي الذي تمثله خزانة علمية غنية بالكتب والمخطوطات .وتعتبر خزانة القرويين من أهم الخزانات العامة بالمغرب، بل في العالم أجمع ،وقد أسسها السلطان أبو عنان المريني عام 750هـ ونقلها أحمد المنصور السعدي في أواخر القرن العاشر الهجري إلى البناية التي توجد فيها الآن ببابها الرئيسية المتصلة بساحة الصفارين ، وقد حرص ملوك المغرب وأمراؤه على تزويد خزانة القرويين بنفائس المخطوطات وأجروا جرايات خاصة على صيانته وحفظها.
    ومن أبرز نفائس خزانة القرويين أجزاء من موطأ الإمام مالك (ت 179هـ) كتبت لخزانة علي ابن يوسف بن تاشفين المرابطي على رق الغزال ، وكتاب سيرة ابن إسحاق (ت 151هـ) كتب سنة 270هـ والمصحف الأكبر الذي حبسه السلطان أحمد المنصور الذهبي على الخزانة عند تدشينها عام 1011هـ ، كما يوجد بها كتاب العبر لابن خلدون (ت 808هـ)والذي أهدي إلى خزانة القرويين عام 799هـ.
    دور القرويين في بناء الحضارة الإنسانية
    لقد كان للقرويين دور كبير وإسهام فاعل في إثراء مختلف العلوم والفنون المتبادلة بين المشرق والمغرب ، وكان لكثير من العلماء الرحالة الذين دَرسوا ودرٌسوا بالقرويين أمثال ابن العربي ( ت 543) وابن رشيد السبتي (ت 721) وابن الحاج الفاسي (ت 737) وابن ميمون الغماري (ت917) وغيرهم أثر في نقل علوم ومناهج علماء القرويين إلى المشرق مما أسهم في إثراء الثقافة والحضارة الإسلاميتين بإنتاج المغاربة الذي طبعته القرويين بطابعها الخاص والمتميز ، وقد تم برحاب القرويين دراسة أبرز العلوم والمعارف السائدة في ذلك العصر من علوم دينية وإنسانية وعلوم بحتة وتطبيقية ، هذا في الوقت الذي كانت فيه مراكز العلم والعرفان بأوروبا لم تظهر بعد.
    وقد اعتبرت مدينة فاس بفضل القرويين مهد الحضارة الإنسانية التي جلبت العلماء والطلبة من العالم أجمع ، ولعل من أبرز الشواهد التي تؤكد وتبرز دور القرويين في بناء الحضارة الإنسانية ما ذكره بعض الباحثين الغربيين من أنها كانت مقصدا لأحذ العلماء الأوروبيين وهو جير بير Gerbert الذي تقلد منصب البابوية فيما بعد وأصبح يعرف بالبابا سلفستر الثاني ، وورد آخرون على القرويين من بلجيكا وهولندة لتعلم اللغة العربية.
    نظام الكراسي العلمية في القرويين
    عرفت القرويين حلقات علمية منذ أيامها الأولى ، وفي عهد المرينيين برزت ظاهرة الكراسي العلمية نتيجة ازدهار الفكر والثقافة، ثم انتشرت في المدارس والمساجد ، وكان السلطان لا يسند منصب التدريس إلا لمن توفرت فيه مؤهلات وخصائص علمية متميزة ، وقد اختلفت أسماء الكراسي العلمية بالقرويين بين أسماء أماكن معينة برحاب القرويين وأسماء العلماء وأسماء تعلقت بالعلوم المختصة بها. فمن الكراسي العلمية التي حملت أسماء أماكن خاصة داخل القرويين كرسي المحراب ويرجع إلى أوائل العهد المريني وكرسي باب الصالحين وكرسي باب الحفاة ،وكرسي ظهر الخصة الذي يرجع إلى عهد المولى إسماعيل . أما الكراسي المنسوبة إلى أشخاص من كبار العلماء فمنها كرسي ابن غازي (ت919هـ) وكرسي الإمام عبد العزيز الورياغلي (ت 880هـ) وكرسي الونشريسي(ت 955هـ).
    ولم يكن أمر الكراسي العلمية مقتصرا على القرويين فحسب ، بل كانت الظروف أحيانا تفرض الانتقال إلى فروع القرويين من مدارس وغيرها لإنشاء مجموعة من الكراسي بهدف التخفيف عن الجامع الأم من جهة ومن أجل تقريب سبل العلم والمعرفة من سكان المدينة في مختلف الأحياء من جهة أخرى.
    إصلاح نظام التعليم بجامعة القرويين
    يعتبر السلطان محمد بن عبد الله أول من أرسى حجر الأساس لإصلاح النظام الدراسي بجامعة القرويين وذلك من خلال إصداره لمنشور سلطاني عام 1203 هـ يحدد بموجبه المواد الدراسية والكتب التي ينبغي الاقتصار على تدريسها مما يسهم في تجاوز مرحلة ركود وجمود أسلوب الدراسة والتعليم بالقرويين . وتدعيما لبرنامجه الإصلاحي عمد السلطان محمد بن عبد الله إلى بناء المدارس والمعاهد وتوجيه البعثات العلمية إلى أوروبا لاستكمال الدراسة في علوم الحساب والهندسة. وتوالى أمر الابتعاث في عهد السلطانين الحسن الأول والمولى عبد العزيز وغيرهما ، وفتح ملف الإصلاح مرة أخرى مع السلطان عبد الرحمن بن هشام الذي أمر بإعادة تنظيم التعليم داعيا الأساتذة إلى التجديد في المناهج والمواد المدروسة ، وفي عهد السلطان المولى يوسف صدر الأمر بتأسيس مجلس للنظر في شؤون القرويين ووضع برنامج للدراسة فيها وتقسيم مناهج الدراسة إلى ثلاثة أقسام : ابتدائي وثانوي ونهائي مع إقرار نظام الامتحانات ، وفي عهد السلطان محمد الخامس صدر عام 1933 هـ ضابط ينظم التعليم بالقرويين ويصلح طرقه ومناهجه ، وتم إحداث شعبة أدبية إلى جانب الشعبة الدينية في التعليم النهائي، وتتوج المرحلة الأخيرة بعد النجاح في الامتحان النهائي بشهادة العالمية.
    ولكي تصبح جامعة القرويين مسايرة لتطور العصر الحديث فقد كان من اللازم إعادة النظر في الدراسة بها ووضع نظام جديد لها يسير وفق روح العصر وتطوره ، حيث أصبحت الجامعة ابتداء من عام 1975م تخضع في تسييرها التربوي والدراسي للظهير الشريف المنظم للجامعات المغربية ، وأضحت القرويين تضم الكليات التالية :
    1-كلية الشريعة بفاس وهي الكلية الأم وتمثل امتدادا تاريخيا لجامعة القرويين ، وتهتم بالدراسات الإسلامية والقانونية.
    2-كلية اللغة العربية بمراكش وهي امتداد تاريخي لكلية ابن يوسف بمراكش وتهتم بالدراسات اللغوية والأدبية والإسلامية.
    3- كلية أصول الدين بتطوان وتهتم بالدراسات الفكرية والفلسفية ، وقد أسست هذه الكليات الثلاث في فبراير عام 1963م.
    4- كلية الشريعة بأكادير وقد أحدثت في يونيو 1979م وتهتم بدورها بالدراسات الإسلامية والقانونية.
    تنويه: المقالات والمواضيع المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي أصحابها
    Scroll to Top