• صوت القرويين

    الثلاثاء، 21 نوفمبر 2017

    خطبة : "لحظات مباركة مع المصطفىﷺ في ولاته وطفولته وشبابه"

    بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه 

    الحمد لله الذي أكرمنا بالمصطفىﷺ في شهر ولادته، وعلمنا على لسان المصطفىﷺ التمسك بدينه وشريعته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في أفعاله وصفاته، أوجب علينا الاقتداء بالمصطفىﷺ واتباع سنته، حتى نقدم الحجة والبرهان على نصرته ومحبته، وأشهد أن سيدنا المصطفىﷺ أنعم الله عليه بمقامات اليقين في سريرته، وبمكارم الأخلاق في سيرته، وبمظاهر النظافة والنقاء في صورته، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحابته، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم ينتقل فيه الناس إلى آخرته.

    أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون، أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته. 

    إن هذا الشهر شهر ربيع الأول يحمل في طياته الأحداث الرئيسية من السيرة النبوية العطرة؛ ففيه ولد الرسولﷺ، وفيه بدأ الوحي بالرؤيا المنامية، وفيه هاجر الرسولﷺ من مكة إلى المدينة، وفيه توفي الرسولﷺ فالتحق بالرفيق الأعلى.
    والذكريات أمر يلازم الإنسان في حياته، يتذكر ذكرياته الخاصة حينما تدور دورتها في التاريخ، فيعاود قلبه التألم والأسى لمؤلمها، كما يعاود الفرح والسرور لجميلها، والوقوف عند الذكريات ينفع من يخشى ويتدبر، ويفيد من يتقي ويعتبر، والله تعالى يقول: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}، ويقول سبحانه: {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى}، ويقول تعالى: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ}. 
    ومعنى الذكرى ومغزاها هو: أن نتذكر في الذهن حدثا وقع في الماضي، ثم نذكره بألسنتنا في الحال، ثم نحاول الانتفاع به والاستفادة منه بأعمالنا في المستقبل؛ فمن أنكر هذا في ذكرى المولد النبوي فقد تنطع، ومن زاد على هذا فقد ابتدع، وقد هلك المتنطعون وضل المبتدعون على لسان رسول اللهﷺ؛ وهذه هي الوسطية السليمة، البعيدة عن تطرف الطرفين.
    فتعالوا بنا اليوم نستعرض سيرة المصطفىﷺ في شهر ذكرياته، نقف عند أحداثها لنستفيد ونتعلم، نقف عند ملخص لها ونحن أحوج ما نكون إلى تفاصيلها، نعيش لحظات مباركة مع جرد عام لحياة النبيﷺ قبل البعثة، في ولادته وطفولته وشبابه.
    أولا: ولادتهﷺ؛ لقد ولد الرسولﷺ من أب اسمه عبد الله بن عبد المطلب، وأم اسمها آمنة بنت وهب، فتوفي أبوه وهو في بطن أمه، فولدﷺ يتيم الأب، ووقعت في السنة التي ولد فيها أحداث جسيمة، كأن الدنيا أعلنت الطوارئ لاستقبال الحبيب المصطفيﷺ لقد تبث منها في القرآن الكريم حادثة الفيل وأصحابه، {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل}، ورأت أمه حين حملت بهﷺ أن نورا قد خرج منها أضاءت له الدنيا وتلألأت من أجله الأرجاء، روى الإمام أحمد والحاكم بإسناد جيد قوي أنهﷺ قال: «أنا دعوة إبراهيم، وبشرى عيسى، رأت أمي حين حملت بي كأن نورا خرج منها أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام». 
    فكان هذا النور إشارة إلى أن لهذا الجنين عند الله شأنا عظيما، إشارة إلى أن دعوتهﷺ ستمتد امتداد خيوط النور والظلمة على وجه الأرض، فها هو نور الإسلام اليوم يغزو قارات الدنيا بأكملها، فيفتح القلوب، ويزيل الأحقاد، ويضيء مسيرة التاريخ، كما رأت آمنة بنت وهب والرسول جنين في بطنها.
    ثانيا: طفولتهﷺ: لقد كان من عادة العرب أن يرضعوا أولادهم في البادية، فجاءت من أجل ذلك إلى مكة امرأة فقيرة، نحيفة الجسم، حتى إن لبنها لا يكفي ولدها، واسمها حليمة السعدية، فتسلمت النبيﷺ رضيعا بعد أن رفضته كل المرضعات لأنه يتيم، فما يكاد هذا الرضيع المباركﷺ يستقر في أحضانها حتى سال الحليب من ثديها، وامتلأت بهائمها لبنا ولحما بعد عجفها، وأخصبت أراضيها بعد جذبها وجفافها، وبقي لديها الرضيع المباركﷺ أربع سنوات، تتوالى علامات الخير والبركات. 
    وفي هذه الفترة وقعت لهﷺ حادثة شق الصدر، وهي عبارة عن عملية جراحية دون سيلان دم، ولا إحساس بألم، تولى القيام بها جبريل عليه السلام، فاستخرج من قلبه حظ الشيطان، ثم غسله بماء زمزم، وهذه الحادثة أراد الله تعالى أن يعطينا بها دليلا بشكل ملموس على أن النبيﷺ معصوم من الأخطاء محفوظ من الذنوب. وبعد هذه الحادثة ردته المرضعة إلى أمه، وقلبها يتفطر أسى على فراق الطفل الحبيب وعمره أربع سنوات
    ثم توفيت أمهﷺ وعمره ست سنوات، فما لبث جده أن لحق بها وعمرهﷺ ثمان سنوات، فبقيﷺ يتيم الأب والأم والجد، حتى لا يكون لأحد دور في تربيته، وحتى لا يدعي أعداء الإسلام من بعده، أن الذي رباه على دعوة النبوة هو أبوه أو جده، فتولى الله أدبه فأحسن تأديبه، فتكفل به عمه أبو طالب فكان يبجله ويؤثره حتى على أولاده، فلازمه في مقامه وأسفاره، فسافر معه إلى الشام وعمره اثنتي عشرة سنة، وفي الطريق كشف لهم راهب اسمه بحيرا عن علامات النبوة التي قرأها في التوراة والإنجيل، وشاهدها واضحة في هذا الطفل المباركﷺ، ومنها غمامة تظله أينما حل وارتحل، الشيء الذي يدل على أن اليهود والنصارى يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ولكن }فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين}. 
    ثالثا: شبابهﷺ: ثم شب الرسولﷺ وتميز في شبابه بأمور ثلاثة: الأول: الكد والعمل، الثاني: العفاف والطهارة الحسية والمعنوية، الثالث: المشاركة الفعالة في المسائل المهمة؛ تلكم -والله- أهداف الشباب الطموح، وعناصر الشباب المثالي الناجح. 
    أما الأمر الأول الكد والعمل، فإن النبيﷺ حين كان في كفالة عمه أبي طالب بعد وفاة أمه وجده، لم يرض أن يكون حملا ثقيلا على عمه، فكان يرعى الغنم لأهل مكة على قراريط، كما روى البخاري، ورعي الغنم على كل حال كد وعمل شريف. ولم يعرفﷺ في شبابه الفراغ، ولم تنل منه البطالة أي منال، فهو يعرف كيف يحول فراغه إلى كد وعمل، وإلى جد وأمل.
    أما الأمر الثاني في شباب الرسولﷺ فهو العفاف والطهارة، فقد أدبه ربه فأحسن تأديبه، بعيدا عن مدنسات الأخلاق، وملوثات الفضائل، ومدمرات المكارم، فكانت عصمة الله تحول بينه وبين أن يسمر مع السامرين، وأن يسهر في ليالي اللهو والفسق مع الساهرين، كما روى ابن إسحاق وصححه الحاكم والذهبي وغيرهما، فلم يشربﷺ الخمر قط، ولم يسجد لصنم قط، ولم تعرف عنه الخيانة، ولا الكذب، ولا الغش، حتى التصقت به صفات الصدق والأمانة، حتى نالﷺ في مجتمعه وشبابه درجة الأمين؛ فقد كانﷺ في شبابه وهو الصادق الأمين أولَ بنك للإيداع الأمانات، ولما هاجرﷺ إلى المدينة ترك سيدنا عليا رضي الله عنه بمكة وكلفه بتصفية حسابات هذا البنك النبوي، برد الودائع التي كانت عنده إلى أصحابها، ورد الأمانات إلى أهلها؛ كما اشتهر ذلك في كتب السيرة؛ قال ابن إسحق: "أمر النبيﷺ عليا أن يتخلّف بعده بمكة حتى يؤدي عنه الودائع التي كانت عنده للناس، وكانﷺ ليس بمكة أحد عنده شيء يَخْشَى عليه إلا وضعه عنده، لما يُعْلَم من صدقه وأمانتهﷺ".
    ثم تزوجﷺ وعمره خمس وعشرون سنة بخديجة بنت خويلد وهي أكبر منه سنا، ولم تكن بكرا لأنها تزوجت قبله فمات عنها زوجها، فدل ذلك على أنهﷺ لم يكن يهتم في عفافه بالالتذاذ الجسدي، لو كان كذلك لاختار غيرها من الأبكار عربا أترابا، ولكنهﷺ كل همه طهارة الروح وصفاء الأخلاق، فقد كانت خديجة -رضي الله عنها- تعرف في قومها بالطاهرة العفيفة، والله تعالى يقول: {والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات}، وكان أولادهﷺ كلهم منها إلا إبراهيم فمن مارية القبطية، لقد ولدت له القاسم وعبد الله والطيب الطاهر ورقية وأم كلثوم وزينب وفاطمة، كلهم ماتوا في حياتهﷺ إلا فاطمة ماتت بعده بثلاثة أشهر، وقيل: بستة أشهر؛ وبهذا ذاقﷺ مرارة موت الأبناء كما ذاق من قبل مرارة موت الآباء. 
    فما أحوج شبابنا للاقتداء بعفاف المصطفىﷺ ونحن في عصـر أصبحت فيه الرذيلة فضيلة، والفساد حضارة، ووسائل الإعلام تنقل إليه عُجَر الفسق العالمي وبُجَره، فما على الشاب وهو قابع في منزله إلا أن يضغط على الزر لتتراء له المحطات الفضائية والمواقع الاجتماعية، فتبث له الشبهات والشهوات، بشكل لا يخطر حتى ببال الشيطان. 
    أما الأمر الثالث في شباب الرسولﷺ فهو المشاركة الفعالة في القضايا المصيرية، التي تهم أهل مكة بصفة خاصة، والعرب بصفة عامة، فقد شاركﷺ في حلف الفضول، وعمره عشرون سنة. وحلف الفضول: هو عبارة عن منظمة لحقوق الإنسان، عبارة عن جمعية خيرية مهمتها نصرة المظلوم، حتى يأخذ حقه من الظالم، وقد قالﷺ عن هذا الحلف: «حضرت حلف المطيبين مع عمومتي وأنا غلام، فما أحب أن لي حمر النعم، وأني أنكته» رواه الإمام أحمد والحاكم وهو صحيح. 
    ثم شاركﷺ في بناء الكعبة، عندما انهدمت بسبب الأمطار، وعمره خمس وثلاثون سنة، وكان ينقل الحجارة بنفسهﷺ، وكشفت لنا مشاركتهﷺ في تجديد الكعبة عن مكانته الأدبية في الوسط القرشي، لأنه لما تم البناء تحركت العصبية الجاهلية بين قريش، فاختصموا فيمن يضع الحجر الأسود مكانه، وكل قبيلة تريد أن تستأثر بذلك لنفسها، حتى كادوا يتحاكمون للسيوف، ولكنهم اتفقوا في آخر الأمر على أول رجل يدخل عليهم من باب بني شيبة، وهو المسمى الآن بباب السلام، فكان الداخل هو المصطفىﷺ فهتفوا كلهم على لسان واحد: أتاكم الأمين، رضينا به!! فتولى الرسولﷺ وضع الحجر بيده الشريفة، بكيفية ترضي الجميع، إذ وضع الحجر الأسعد في ثوبه، فدعا من كل قبيلة فردا، فحمل الجميع الحجر إلى مكانه، فكانﷺ رحمة حفظ الله به دماء قريش، ومنع به حربا لو بدأت لما كانت لها نهاية، حتى يذوق ويلاتها كل بيت، ويعاني من مأساتها كل أسرة. 
    فما أحوج الأمة اليوم لأن يقتدي شبابها بشباب المصطفىﷺ يجب أن تفتح الأمة لشبابها المشاركة في صنع القرار، المشاركة في مراكز القرار، المشاركة في قيادة المصالح والمهمات واتخاذ القرار، سواء على مستوى الأسرة الكبيرة في الأمة، أو على مستوى الأسرة الصغيرة في البيت والعائلة.
    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين والحمد لله رب العالمين...

    الحمد لله رب العالمين… 

    أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون؛ في مثل هذا الشهر على رأس أربعين سنة بدأ الوحي بالرؤيا المنامية؛ فكانﷺ لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح كما تقول أمنا عائشة -رضي الله عنها-، ثم حبب الله إليه الخلاء فكان يتعبد في خلوته في غار حراء، ليالي ذوات العدد، وفي إحدى ليالي رمضان المبارك، وبالضبط في ليلة القدر، نزل جبريل للمرة الأولى على المصطفىﷺ وهو في غار حراء في ذلكم اللقاء المبارك، الذي استقبل فيه كوكبنا هذا أول آية تشنف أسماع أهل الأرض من القرآن الكريم، فأخذ جبريل بمجامع ثوبه أخذا شديدا حتى بلغ منه الجهد فقال له: اقرأ. فقالﷺ: ما أنا بقارئ.
    وإنما قال النبيﷺ : «ما أنا بقارئ» لأنه في الحقيقة أمي لا يقرأ ولا يكتب، وذلك حتى لا يشكك أعداء الإسلام من بعده في مصدر القرآن، فيقولون: لعله قرأه أو نقله من كتب الأمم الماضية، وفي هذا يقول الله تعالى: {ما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون} ويقول سبحانه: {الذين يتبعون الرسول النبيء الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل}؛ فإذا كانت الأمية في حقنا نحن عيبا ونقصا، فإنها في حق النبيﷺ معجزة خارقة لأنهﷺ أمي جاء بحقائق علمية أبهرت العلم الحديث في شتى المجالات، ورحم الله البوصيري حين قال: 
    كفاك بالعلم في الأمي معجزة ** في الجاهلية والتأديب في اليتم
    ثم فعل جبريل به ذلك ثلاث مرات، ثم قدم له أول آية في طبق من الإيمان: {اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم}. 
    وأول آية تنزل من القرآن الكريم تنبه الأمة إلى القراءة والكتابة، وتذكر العلم والقلم، والانسان اليوم ما وصل إلى القمة في الحضارة إلا بالعلم والقلم والقراءة والكتابة، فهذا إشارة واضحة إلى أن الأمية عيب يجب محاربته، وأن العلوم حضارة وتقدم يجب السعي وراء الحصول عليها. 
    والأمية اليوم لا تعني من لا يعرف القراءة والكتابة فقط؛ بل الأخطر من ذلك أمية الدين والعقيدة، وأمية الضمير والإيمان، فقد يحمل الإنسان أعلى الشهادات، وهو لم يمس المصحف قط، ولم يعرف كيف يتوضأ ويصلي، وقد يكون بارعا في عدة لغات، ولكن ضميره الإيماني قد مات، فيخون ويختلس ويظلم ويعتدي على الأموال والأغراض، ويهتك الأستار والأعراض؛ بل إن الأمي في هذا العصر أيضا من لا يستطيع أن يتعامل مع الإعلاميات وشبكات الانترنيت، لأنه بأميته هذه يكون قد وضع نفسه في مؤخرة الركب الحضاري، والرسولﷺ يقول: «طلب العلم فريضة على كل مسلم». 
    ألا فاتقوا الله عباد الله؛ وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ...
    الشيخ عبد الله بنطاهر
    تنويه: المقالات والمواضيع المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي أصحابها
    Scroll to Top