• صوت القرويين

    الاثنين، 30 أكتوبر 2017

    خطبة "المسيرة الخضراء لبنة في بناء وحدة الأمة الإسلامية"

    بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه 
    الحمد لله مقدر المقدور، ومصرف الأيام والشهور، ومجري الأعوام والدهور، أحمد سبحانه وتعالى وأشكره وأستغفره إليه تصير الأمور، وهو سبحانه وتعالى العفو الغفور، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة ننتفع بها يوم يبعثر ما في القبور، ويحصل ما في الصدور، وأشهد أن سيدنا محمدا رسول الله وعبده الشكور، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه ما تعاقب العشي والبكور، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم النشور.
    أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون؛ أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.
    إن الأمة الإسلامية بالمقارنة مع الأمم الأخرى قد انهزمت في كثير من المجالات؛ بدأ من العدالة الاجتماعية المفقودة، إلى الأزمات الاقتصادية السائدة، إلى الديون الربوية الزائدة، إلى تسجيل الأرقام المتدنية في التقدم والصناعة البائدة، إلى قلة الإعداد العسكري رغم كثرة الأعداد؛ والعبرة بنوعية الإعداد لا بأنواع الأعداد، وكثير من الدول الإسلامية كما ترى شتتها النزاعات والحروب، ودمرتها الأزمات والكروب، ولا يمكن للأمة أن تواجه كل هذا فتنتصر إلا بتحقيق أمرين مهمين: (توحيد الكلمة، وكلمة التوحيد)؛ وعدو الإسلام الثلاثي التاريخي أحفاد (الفرس والروم واليهود)، أصحاب الصادات الثلاثة: (الصليبية والصهيونية والصفويية)، ومن يدور في فلكهم من الخونة والأدعياء يدركون هذا المعنى أكثر منا، فحاربوا توحيد الكلمة بسلاح التفكيك كما حاربوا كلمة التوحيد بسلاح التشكيك، ففرقوا الأمة وشككوا في دينها، وهم دائما يتربصون بها الدوائر. 
    بخطط الأعداء وأخطاء الأدعياء تمزقت الدول الإسلامية اليوم قددا، بأسلحة الأعداء وعملاء الأدعياء يقتل الأطفال والشيوخ والنساء والمرضى؛ فالأعداء في الخارج يتآمرون في مؤامراتهم ضد الأمن في بلاد المسلمين، والأدعياء في الداخل يأتمرون بأوامرهم إعلاميا واقتصاديا وتعليميا واجتماعيا، ويتجاوبون مع الخطط والأخطاء، فما يكاد حادث يقع في الأمة إلا وبادروا باستغلاله، ولا يتركون شاذة ولا فاذة إلا واستغلوها في أهدافهم، إلا ونفخوا في شرارتها لتكون نارا تلظى، إلا وحاولوا الركوب عليه لنيل مآربهم الدنيئة الخسيسة الخبيثة، من تقسيم الدول إلى دويلات لا تسمن ولا تغني من جوع؛ وذلك لأنهم يعلمون أن قوة هذه الأمة في وحدتها وفي اتحادها؛ فإذا تحققت فسوف تكون قوة عالمية لا يمكن الوقوف ضدها في أي مجال.
    وفي هذا الإطار جاءت المسيرة الخضراء لتحرير الصحراء لتكون لبنة من لبنات هذه الوحدة الشاملة المنشودة، فوحدة المغرب الوطنية هو أساسها، ووحدة الأمة الإسلامية هو هدفها، وكل من يقف ضد الوحدة الترابية في أية دولة فهو ضد وحدة الأمة؛ لأنه لا يمكن للأمة أن تتحد إلا باتحاد أجزائها، وادعاء وحدة الأمة مع تنافر الجزئيات ادعاء باطل، وأعداء الوحدة الترابية في المغرب هم في الحقيقة أعداء وحدة الأمة الإسلامية. 
    أيها الإخوة المؤمنون؛ إن الله أكرم الأمة المحمدية بدين الإسلام، وأمرها أن تكون أمة التوحيد والإيمان، وأمة تعمل تحت مظلة توحيد الكلمة على ضوء كلمة التوحيد، وأمرها سبحانه أن تتعاون وتتكامل فيما بينها على الخير والتقوى، وعلى كل ما فيه صلاح أمرها في الدين والدنيا، وأن تقف في وجه أي ضلال أو فساد، وفي وجه أي تفرق أو انشقاق أو إثم أو عدوان، من شأنه أن يضعف الأمة أو يخرقها ويؤخرها، أو ينال من قوتها وعزتها فقال سبحانه وتعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} وقال سبحانه: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}، وقال تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون}.
    وفي ضوء هذه المبادئ الإسلامية، وانطلاقا من القناعة الإيمانية والعقيدة الدينية الراسخة، يتذكر المغاربة قاطبة في هذه الأيام، ويستحضرون بمنتهى السرور والاعتزاز ذكرى من أعز ذكرياتهم الوطنية، وأعظم أيامهم المجيدة إنها ذكرى انطلاق المسيرة الخضراء تلكم الذكرى التي تحضرنا في اليوم السادس من نونبر كل سنة ومنذ سنة خمس وسبعين وتسعمائة وألف (1975م). يستحضرها المغاربة، ويبتهجون لها ويعتزون بها، وهي مسيرة سلمية قرآنية مستمدة من هدي الإسلام ومقتبسة من سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام يرجع الفضل في إبداعها وتنظيمها إلى العبقرية الفذة والغيرة الإسلامية والوطنية الصادقة لجلالة الملك المغفور له الحسن الثاني طيب الله ثراه.
    فعلى إثر القرار المنصف الصادر من محكمة العدل الدولية القاضي بأن سكان أقاليمنا الصحراوية المغربية كانوا دائما وأبدا مغاربة يدينون بالطاعة لملوك المغرب العزيز وللعرش العلوي الشريف، يخضعون لملوكه الأخيار برابطة الولاء وعقد البيعة التي هي رابطة شرعية وطاعة دينية واجتماعية تجمع في شريعة إسلامية بين الراعي ورعيته والملك وشعبه وتستوجب عليهم الالتزام بالطاعة والبقاء على عهدهم لملكهم وبيعتهم له والتعلق به مهما امتدت القرون وتتابعت الأجيال.
    وعلى إثر هذا القرار قرر المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه تنظيمه المسيرة الخضراء لصلة الرحم بالصحراء وأقاليمها المغربية وبسكانها المغاربة الأوفياء الذين حافظوا على الوفاء بالعهد لمغربيتهم وحافظوا على البرور بآباهم وأجدادهم وحرصوا على أن يكونوا بذلك الوفاء والإخلاص لدينهم ووطنهم والتمسك بالبيعة الشرعية لملوكهم ممن يصدق عليهم قوله تعالى: {من المؤمنون رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا}.
    إن المسيرة القرآنية الخضراء المظفرة ستبقى بحول الله وعونه فتحا مبينا ونصرا عزيزا للمغرب والمغاربة وستظل على مر السنين وعلى تعاقب الأعوام والأجيال عملا جليلا وأثرا عظيما وذكرا حسنا خالدا، أصبحت بفضله أقاليمنا الصحراوية المسترجعة متحررة معززة مكرمة تجني تمار انقاذها من براثن الاستعمار الاسباني وتغنم مكاسب عودتها وخضوعها إلى السلطة الشرعية، وذلك بما صارت تنعم به من حريات وخيرات واطمئنان ومن نمو اجتماعي واقتصادي في كل مجال وميدان.
    وها هو اليوم رمز تلك السلطة الشرعية جلالة الملك محمد السادس حفظه الله يقود بحكمته وحنكته قطار العرش والشعب إلى بر الأمان في مسيرة أعماله الجليلة وجولاته التفقدية، ومساعيه الحميدة للنهوض بهذا البلد الكريم في مختلف الميادين العلمية الثقافية والاجتماعية والعمرانية والاقتصادية وغبرها، يحاسب من أساء التصرف من المسؤولين رحمة بهم، كما يكرم من أحسن بأوسمة الرضا اعترافا بأعمالهم، كما قال الشاعر العربي أبو تمام: 
    فقسا ليزدجروا ومن يك حازمًا ** فليقسُ أحيانًا على من يرحم
    سدد الله خطاه وأمد في عمره.
    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين والحمد لله رب العالمين.

    الحمد لله رب العالمين...
    أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ 
    نحن في حاجة إلى مسيرة جديدة، مسيرة ربانية أخرى، مسيرة لا نجوب فيها الشوارع ولا نتجمع في الساحات، مسيرة لا نخرج فيها للمظاهرات؛ بل نحضر في المحاضرات، لا نحمل فيها كتاب الله فحسب؛ بل نطبق فيها كتاب الله وندعو لتطبيقه، وإذا كنا قد حررنا بالمسيرة الخضراء أرضنا فإننا في حاجة إلى مسيرة علمية عملية جماعية اجتماعية، كل في مهنته وكل في مهمته نحرر بها عرضنا وشرفنا وديننا من هذا الغزو المترامي الأطراف، الذي يهدف إلى إبعادنا عن ديننا وأصالتنا؛ من غزو فكري، وإعلامي، واجتماعي، واقتصادي؛ ألم ينتهك عرضنا بالتبرج والسفور؟ ألم يفسُد مجتمعنا بأم الخبائث الخمر والمخدرات والتدخين؟ ألم يفسد اقتصادنا بالقمار والرشوة والربا؟ ألم تفسد العقائد بالخرافات والأوهام والطلاسم والشعوذة؟ 
    ولا يجوز بحال من الأحوال أن نحارب من يغتصب أرضنا ولا نحارب من يغتصب عرضنا... 
    ألا فاتقوا الله عباد الله وأكثروا من الصلاة والسلام على الرسولﷺ...
    الشيخ عبد الله بنطاهر حفظه الله
    تنويه: المقالات والمواضيع المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي أصحابها
    Scroll to Top