• صوت القرويين

    الأربعاء، 11 أكتوبر 2017

    خطبة "غزوة خيبر وما فيها من الفوائد والعبر"

    خطبة بعنوان: "غزوة خيبر وما فيها من الفوائد والعبر"
    للشيخ: عبد الله بنطاهر التناني السوسي

    بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه 
    الحمد لله حمدا يفوق حمد كل محمود، حذرنا سبحانه من أشد الناس عداوة للذين آمنوا وهم اليهود، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا والد ولا مولود، شهادة نتقي بها نارا الناس والحجارة فيها وقود، شهادة تنفعنا يوم يكون الناس بين شاهد ومشهود، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الكريم الودود، نصره الله بملائكة وجنود، ووعدنا إن تمسكنا بسنته النصر المنشود، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الذين بذلوا في نشر الإسلام كل مجهود، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى اليوم الموعود.

    أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته. 
    إن سيرة الرسولﷺ منبع سيال لا ينضب، ومدرسة عظيمة متعددة الأبحاث والشعب، لا يشبع منها الباحث مهما غاص في بحارها، ولا يمل منها الدارس مهما سار في فجاجها، فهي سيرة تكشف لنا عن قمة في مكارم الأخلاق وتزكية النفوس، قمة في الحكم والعدل بين الناس، قمة في حقوق الإنسان والمساواة بين الأجناس، قمة في الطهارة ومحاربة الأرجاس، قمة في التضحية في سبيل الله بالغالي والنفيس؛ فكان حقا على المسلمين أن يرتبطوا فيها بالأحداث والذكريات، وأن يقفوا عند الجهاد فيها والغزوات، ولكن ليس ارتباط السرد في المناسبات، ولا وقفة المعجب بالمعجزات؛ بل وقفة ارتباط بفقهها علما ومعاملات. 
    فدعونا اليوم نعود بكم إلى أحضان هذه السيرة العطرة، لنختار لكم غزوة من غزوات الرسولﷺ وقعت في هذا الشهر شهر محرم، من السنة السابعة من الهجرة، وهذه المرة ضد المستوطنين من اليهود في خيبر، تلكم هي غزوة خيبر. 
    فما هي غزوة خيبر؟ وما الذي حدث فيها؟ وما هي الفوائد والعبر التي نستفيد منها؟ 
    إننا نتذكر غزوة خيبر ضد اليهود، والأمة المسلمة تعيش اقتصاديا وإعلاميا وعسكريا تحت سيطرة الصهاينة؛ يوجهونها ويتحكمون فيها بأيديهم الخفية، فيجنحون للسلم حين يكون في صالحهم، ويشعلونـها حربا وتدميرا على من يقول: لا لظلمهم واحتلالهم؛ فما هدموا في فلسطين البيوت والطرقات، إلا حين فرقت الأمة النزاعات، وما قلعوا منها الأشجار، إلا حين شت شمل الأمة الشجار، وما قتلوا الشيوخ والنساء والأطفال، إلا حين غاب عن الأمة الرجال. 
    أيها الإخوة المؤمنون؛ إن خيبر هي مدينة قريبة من المدينة المنورة، فهي في الشمال من المدينة المنورة بحوالي: 160 كيلومترا تقريبا، أتدرون لماذا استوطن هؤلاء اليهود خيبر كما استوطنوا المدينة؟ فاليهود ليسوا أصلا من الجزيرة العربية، استوطنوها لأنهم يقرءون في التوراة أن خاتم الأنبياء وأعظمهم سوف يهاجر إليها، ولكنهم يظنون أنه سوف يبعث فيهم، ولهذا كانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا بهذا النبي المنتظر؛ فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به! فلما أصبح النبي المنتظر منظورا بأعينهم وأبصارهم، كفرت به قلوبهم وبصائرهم! ورغم ذلك فقد تعاهد معهم النبيﷺ في البداية، وعاملهم حسن المعاملة قبل أن يغدروا. 
    وعلى هذا فإن غير المسلمين الموجودين في بلاد المسلمين يجب أن يعاملوا هكذا بحسن المعاملة، لا يجوز بحال من الأحوال التعرض لهم بالأذى، فمن سماحة الإسلام التأدب مع الكافر المعاهد أيا كان، قال سبحانه وتعالى: {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ}، {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ}، {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ}، {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ}؛ فكل نبي أخ لقومه في الإنسانية والوطنيبة رغم شركهم وعدم شكرهم. 
    لقد كان -يا عباد الله- يهود خيبر كالصهاينة اليوم، أهل مكر وخديعة، ما تركوا حيلة إلا واستعملوها للقضاء على الدعوة النبوية في المدينة، فهم الذين جمعوا الأحزاب في غزوة الخندق، كما جمع أحفادهم اليوم الأحزاب لتدمير الإسلام دولة دولة، وأخذوا يتصلون بالعدو الداخلي للإسلام المنافقين، وأثاروا أعراب البادية ضد المسلمين، وخططوا عدة مرات لاغتيال الرسولﷺ. 
    فلما غدروا بالنبيﷺ هكذا، كان لابد أن يحاربهم حتى يغادروا خيبر، لا بد من تأديبهم والضرب على أيديهم، قبل أن يستفحل أمرهم، فتوجه إليهمﷺ في كوكبة إيمانية من أصحابه، لا يتجاوز عددها ألفا وستمائة مقاتل، وخيبر قرية ذات حصون منيعة، ومجهزة بأحدث الأسلحة آنذاك، وعدد المقاتلين فيها عشرة آلاف، ولكن الرسولﷺ أخذ المبادرة، فاستغل أسلوب المفاجأة، وأخذهم على حين غرة وهم لا يشعرون. 
    فلما وصلﷺ إلى أسوار خيبر دخلها بعد الفجر، وكان من عادتهﷺ في غزواته أنه لا يهاجم إلا بعد الفجر، فإن سمع الآذان أمسك، وإن لم يسمعه هاجم، لأن الآذان علامة الصلاة، والصلاة علامة الإيمان، والله عز وجل يقول: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ}؛ والعلماء استنبطوا من هذا أن كل من ضيع صلاة الفجر فقد ضيع الدين كله، فكيف بمن ضيع الصلاة كلها! 
    فلما أصبح الصباح ولم يسمعﷺ آذان الصبح، دشن هجومه بقولة فيها عزة المؤمن وقوته وشجاعته وارتباطه بخالقه، حيث قال: «الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم، فساء صباح المنذرين».
    إنه دشن هجومه بكلمة «الله أكبر» تلك الكلمة التي تفعل في قلوب الأعداء حين تطرق أسماعهم، مالا تفعله القنابل المسيلة للدموع والأرواح، ولكن حين يقولها المسلم بقلبه ولسانه وعمله. 
    وفي بداية المعركة أعطى الرسولﷺ قيادة الجيش لأبي بكر فلم تفتح خيبر، ثم أعطاها لعمر فلم تفتح خيبر، ثم قال: «لأعطين الراية غذا رجلا يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله»؛ فتمنى كل واحد من الصحابة أن تكون من نصيبه، فقال عمر فيما روى الشيخان: «ما أحببت الإمارة إلا يومئذ، فتساورت لها، أي تطاولت رجاء أن أدعي إليها»، وقال سعد بن أبي وقاص فيما روى مسلم: «لأن تكون لي أحب إلى من حمر النعم»، وحمر النعم هي أنفس الإبل عند العرب. 
    فلما أصبح الناس غدوا على رسول اللهﷺ كلهم يرجو أن يعطاها تمنوا القيادة لا لمتاع الدنيا، ولا لمنصب كرسي في مجلس ما، ولكن لأن فيها شهادة الرسولﷺ على الحب المتبادل بين من سيتولى القيادة في خيبر وبين الله ورسوله؛ فقالﷺ: أين على بن أبي طالب؟ فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، إنه مريض بعينيه. فأرسل إليهﷺ فأُوتي به، فتفلﷺ في عينيه ودعا له فبرأ كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية فقال: «انفد على رسلك، حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم» رواه الشيخان 
    ومن هذا نتعلم أن الحروب في الإسلام ليس الهدف منها قتل الإنسان، وتشريد الإنسان، وقتل المدنيين الآمنين، كالحروب التي تشنها الصهاينة والصليبية والصفوية اليوم، وليس الهدف منها هدم الاقتصاد والبنيات التحية، كحروب التكنلوجية اليوم؛ بل هدف الإسلام في الحرب هو هداية الإنسان، هو جعل الإنسان يتمتع برضا خالقه، بإدخال الإسلام إلى قلبه ومعاملاته. 
    أيها الإخوة المؤمنون بهذه الوصية النبوية قاد سيدنا علي رضي الله عنه الهجوم، ففتحت خيبر على يديه، فأذعن اليهود للإسلام، فأسلم فيهم من أسلم أعزة مؤمنين، وبقي فيهم من بقي على الكفر أذلة صاغرين... 
    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، ولسائر المسلمين أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

    الحمد لله رب العالمين…
    أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون؛ إن اليهود دائما مكرهم لا ينتهي بهزيمتهم وذلتهم، فبعد الفراغ من غزوة خيبر حاولوا قتل الرسولﷺ بالسم فقد أهدت إليه امرأة منهم شاه مشوية مسمومة، وأكثرت السم في الذراع عندما علمت أنهﷺ يحب أكلها، فلما أراد أن يأكل أخبرته الذراع بإذن من الله تعالى أنها مسمومة، فاستجوب المرأة فاعترفت بجريمتها، فقالت: "إن كنت نبيا فسيعصمك الله تعالى، وإن كنت جبارا استرحنا منك بموتك" وكان صحابي اسمه بشر بن البراء بن معرور قد ابتلع لقمة منها فمات مكانه، فكان كلام الذراع المشوية معجزة أخرى واضحة وبرهانا آخر ساطعا على نبوة النبيﷺ، ولكن أعمى الحقد أبصارهم؛ قال البوصيري رحمه الله:
    ثم سمت له اليهوديـة الشا *** ة وكم سام الشقوة الأشقياء
    فأذاع الذراع ما فيه من سـ***ـمٍّ بنـطق إخفــــاؤه إبداء
    هكذا -يا عباد الله- بدأ الصراع مع اليهود في المدينة وخيبر، فامتد عبر الزمان والمكان، وفي هذا العصر فإن وراء كل فتنة في الإسلام صهيوني، يقول الله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا}. 
    ألا فاتقوا الله عباد الله وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ…
    تنويه: المقالات والمواضيع المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي أصحابها
    Scroll to Top