• صوت القرويين

    الجمعة، 6 أكتوبر 2017

    خطبة | الظلم نذير خراب الأمم

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الموضوع : الظلم نذير خراب الأمم
    ذ. محمد الصديق
    الحمد لله، الذي أمر عباده بإقامة القسط والميزان، وحرم الظلم على نفسه، وجعله محرما بين الأنام، لاإله إلا هويقول في محكم كتابه الحكيم (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما) نحمده تعالى ونشكره، ونستعينه جل وعلا ونستغفره، ونسأله أن يباعد بيننا وبين الظلم والظلمة في كل زمان ومكان، وأن يصرف عنا وجوههم في كل وقت وآن، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على من بعثه ربه رحمة للعالمين، الذي أقام به الدين، وجعله حربا وضدا على الظالمين، اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وكل من اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، عباد الله.
    الأمم الظالمة عمرها قصير، وسنة الله اقتضت أن تكون بيوت الظالمين خربة إلى يوم الدين، يقول الملك الحق المبين : ( فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون) ويقول جل في علاه : ( وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا) والظلم مهما طال؛ فإن لمهلك صاحبه موعدا لن يخلفه، والظالم قد يظن نفسه بمنأ عن عقاب الله وعذابه؛ والحقيقة أن ما ينتظر الظالم من خزي وندامة، وحسرة وهوان؛ لهو الخسران بعينه، يعيش الظالم عيشة الأنعام، ولايدرك أن الله له بالمرصاد، وأن ما ينتظره من عذاب وعقاب؛ تشيب لهوله الولدان، يقول المولى الجليل في محكم التنزيل :
    ( ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يوخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار مهطعين مقنعي رؤوسهم لايرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء )
    أيها المسلمون: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم من الأيام ظالما، ولا كان في ساعة من الساعات جبارا متسلطا، ولا في وقت من الأوقات فظا غليظ القلب، إذلو كان كذلك لانفض عنه من حوله من الناس، ولتفرق عنه كل واحد من أولئك الذين آثروه على أنفسهم وأهليهم، يقول في حقه المولى العزيز ( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك)
    أيها المسلمون: بناء الإنسان أصعب من بناء العمران، الإنسان صنع الله، وقد جبله خالقه على نبذ الظلم والميل إلى الإحسان، والقلوب لايكتسب ودها بالتجبر والطغيان، فإنما ذلك نوع من الإرهاب الذي يصنع حبا مزيفا، وودا مزورا، لكنها تلين وتميل إلى من تكون بضاعته الإحسان، استمالة القلوب لاتشترى بالمال ، إنما تكتسب بخلق اسمه: الإحسان، قال جل في علاه:
    ( ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين) وقال سبحانه: ( وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين)
    أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم *** فطالما استعبد الإنسان إحسان
    كان الولاة من سلف هذه الأمة، رحمهم الله ورضي عنهم يحذرون عمالهم من الظلم، ويذكرونهم عقاب الله عز وجل.
    ـــ كتب عمر بن عبد العزيز إلى عامل له : (إذا دعتك قدرتك إلى ظلم الناس، فتذكرقدرة الله عليك) وعن علي بن زيد ، قَالَ :أسمع رجل عمر بن عبد الْعَزِيز كلاما ، فقال له عمر : أردت أن يستفزني الشيطان بعز السلطان ، فأنال منك اليوم مَا تناله مني غدا ، ثم عفا عنه .
    ـــ وكتب إلى بعض عماله يستأذنه في تحصين مدينة من المدن: (حصنها بالعدل، ونظف طرقها من الظلم) وندم حتى مات، في قصة وقعت له مع خبيب بن عبد الله بن الزبير مفادها:
    أن الحجاج أوحى إلى الوليد بن عبدالملك بأن خبيباً بن عبدالله بن الزبير يسعى للثأر لأبيه والوثوب على كرسي الحكم، فغضب الوليد وأرسل إلى عمر يأمره بجلد خبيب وحبسه، وأن يصب عليه ماء بارد، ففعل عمر، فاشتد الوجع على خبيب فندم عمر على ذلك فأخرجه من السجن ونقله إلى آل الزبير، واجتمعوا عنده حتى مات. وعندمات علم عمر بذلك فسقط على الأرض فزعاً، تم رفع رأسه يسترجع، فلم يزل يُعرف ذلك في وجهه، حتى مات رضي الله عنه وأرضاه.
    أنالا استشهد بهذه القصة كدليل على أن عمر بن عبد العزيز كان ظالماً، وإنما أستشهد بها لأن صاحب الحق مات. لأقول لكل ظالم: إذا مات صاحب المظلمة، فكيف يكون حالك بين يدي الله عز وجل، إذا كان المظلوم حيا، من الممكن أن تعيد إليه مظلمته، لكن كيف تفعل إذا مات المظلوم بسبب ظلمك؟
    قيل إنه رصد الجوائز لمن يشير إلى وقوع مظلمة لم يستطع صاحبها إبلاغها. وقد كان الناس يستعظمون أعماله الجليلة فيقولون له: إنك صنعت كذا وكذا، فأبشر فيرد عليهم (كيف وخبيب على الطريق)
    قد ينام الظالم، ويتقلب على فراشه، لكن المظلوم لا تنام عيناه، لأن قلبه قد احترق، لاسيما إذا لم يجد من يأخذ له حقه، أو يستمع إلى شكواه. 
    كيف بك أيها الظالم إذا تركك المظلوم وتوجه إلى باب ملك الملوك يشكوك؟
    إياك أن تعتقد أن الله عز وجل لا يستمع إلى نجوى المظلومين، أو هو غافل عن فعل الظالمين، فقد يكون هذا قدحا في دينك، وخدشا في عقيدتك.
    لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا***فالظلم عقباه تفضي إلى الندم
    تنام عيناك والمظلوم منتبــه*** يدعو عليك وعين الله لم تنم
    فاتقوا الله عباد الله، وإياكم والظلم، فإنه الجبال من العذاب يوم القيامة، ولا تغتروا بسلطة زائلة، وجبروت مسرحه الحياة.
    أسأل الله تعالى بمنه وفضله، وجوده وامتنانه، أن يجعل بيننا وبين الظلم والظالمين حجابا مستورا، وأن ينور طريقنا بالعدل، وأن يشرح صدورنا للقسط، وأن يرحمنا بمنه وفضله، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
    نفعني الله وإياكم بالقرآن المبيــــــن ...... الخ

    الخطبة الثانية
    وقيل أنه لما ظلم أحمد بن طولون، استغاث الناس من ظلمه، وتوجهوا إلى السيدة نفيسة يشكونه إليها. فقالت لهم: متى يركب؟ قالوا: في غدٍ. فكتبت رقعة ووقفت بها في طريقه، وقالت: يا أحمد بن طولون. فلما رآها عرفها فترجل عن فرسه، وأخذ منها الرقعة وقرأ ها فيها: "ملكتم فأسرتم، وقدرتم فقهرتم، وخولتم ففسقتم، وردت إليكم الأرزاق فقطعتم، هذا وقد علمتم أن سهام الأسحار نفاذة غير مخطئة لا سيّما من قلوب أوجعتموها، وأكباد جوعتموها، وأجساد عريتموها، فمحال أن يموت المظلوم ويبقى الظالم، اعملوا ما شئتم فإنَّا إلى الله متظلمون، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون فعدل من بعدها ابن طولون لوقته، فرفع المظالم عن الناس.لأنه علم أن دعاء السحر لايرد.
    أتهزأ بالدعاء وتزدريه ؟***وما تدري بما صنع الدعاء
    سهام الليل نافذة ولكـــن*** لها أمد وللأمــــد انقضـــاء
    فيمسكها إذا ما شاء ربي*** ويرسلها إذا نفذ القضــــاء

    الجمعــــــة : 15 محرم 1439 هـ
    الموافق لــ : 06 أكتوبر 2017 م
    تنويه: المقالات والمواضيع المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي أصحابها
    Scroll to Top