• صوت القرويين

    الثلاثاء، 17 أكتوبر 2017

    خطبة | "دفاعا عن الإمام البخاري وصحيحه"

    بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه 

    الحمد لله الكريم الباري، أمد الأمة برجال أمثال الإمام البخاري، وأشهد أن لا إله إلا الله أكرم الأمة بصحيح البخاري، وهدى به الضال وأرشد الساري، فكان عمدة الدارس والقاري، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله حفظ الله كلامه بصحيحي الشيخين مسلم والبخاري، فكشف لنا بحديثه الصحيحِ من الأحكام كلَّ ساتر ومتواري، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه ما دام الناس رغم الأحقاد يدرسون ويقرؤون صحيح البخاري…
    أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون؛ أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.
    لعلكم تستغربون من ذكر الإمام البخاري في مقدمة الخطبة أكثر من مرة؛ فهل تعرفون من هو البخاري؟ وهل تعرفون ما هو صحيح البخاري؟ فالواجب علينا أن نذكر الإمام البخاري ونتذكره، ونحفظ صحيحه ونحافظ عليه. 
    فلا تستغربوا فقد أصبح الإمام البخاري وصحيحه هدفا لأعداء حديث النبيﷺ، هؤلاء الذين يسمون أنفسهم (القرآنيون) ويدعون للاكتفاء بالقرآن مصدرا للإيمان والتشريع في الإسلام، فهم لا يأخذون إطلاقا بالسنة النبوية؛ وأعداء الإسلام لن يستقر لهم قرار حتى يهدموا الإسلام؛ فقد خططوا لهدم أسس الإسلام، ولما كان من الصعب عليهم أن ينالوا من القرآن الكريم وجهوا سهامهم المسمومة إلى السنة النبوية، محاولين تشويهها وإنكارها، وهي المصدر الثاني للتشريع في الإسلام، ولما كان صحيح البخاري هو المصدر الثاني للشرع بعد القرآن، وهو المصدر الأول للسنة النبوية الصحيحة فقد نال حصة الأسد من هذا الهجوم الضال المضل
    فإذا استطاعوا أن ينقصوا من قدر صحيح البخاري -وهو أصح كتب الحديث- فما بالك بصحيح مسلم، وسنن أبي داود والترمذي والنسائي وغيرهم. وبهذا يضربون حديث النبيﷺ من أساسه، وإذا تعلمنا من القرآن أن الصلاة والزكاة واجبة مثلا؛ فمن أين نتعلم أنها خمس صلوات، وأن الظهر منها أربع ركعات، وأن الزكاة هو اثنين ونصف بالمائة غير السنة النبوية؛ فهذا مجرد مثال إذا استطاعوا هدم السنة فقد هدموا الإسلام كله. 
    وحتى نتعرف على الإمام البخاري الذي تجرأ هؤلاء على الهجوم عليه، دعونا نرجع بكم للسؤال الأول: فمن هو البخاري؟ وما هو صحيح البخاري؟ الجواب عبر النقط التالية:

    أولا: ولادة الإمام البخاري:
    لقد ولد أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرةِ بن بَرْدِزْبَهْ البخاري يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشرة خلت من شهر شوال سنة 194 هجرية، في وطنه الأول بخارى، وهي الآن مدينة من مدن دولة أوزبكستان، كان جده المغيرة مجوسيا أي من عبدة النار فهداه الله إلى الإسلام، وكان أبوه من أهل العلم والتقوى والسعة في الرزق، فلا غرابة فالمعدن الصافي يدل على أصله، والولد سر أبيه، فرب الأسرة عندما يكون تقيا عالما، ملتزما أمام أولاده بتعاليم الإسلام، فهذه هي قمة التربية التي تعطي قيمتها، إذ التربية لا تكون بالأقوال فحسب؛ بل ينبغي أن تكون بالأفعال قبل الأقوال، بالالتزام قبل الكلام، وهكذا كان والد الإمام البخاري عالما تقيا ثقة أمينا يشتغل بالتجارة لكن لم تمنعه عن الاشتغال بعلوم السنة والحديث، ربى أسرته بأدب الإسلام فأفاد وأجاد، ثم ما لبث أن توفي ولا زال ابنه الإمام البخاري طفلا صغيرا، فتركه في أسرة قد تربت فحسنت أخلاقها، فنشأ البخاري في حجر أمه، فأدخلته الكتاب، فألهمه الله حفظ الحديث وعمره أقل من عشر سنوات.

    ثانيا: الإمام البخاري بين الطفولة والرحلة لطلب العلم
    كان البخاري -رضي الله عنه- في طفولته يحفظ تراجم الرواة كأنه يعيش معهم، فهو يعلم الراوي وبيئته، وولادته ووفاته، وعمن يروي، ومن هم الذين رووا عنه، ويعلم تلاميذ الراوي وشيوخه وأزمانهم وأوطانهم.
    وكان -رضي الله عنه- لا يسكت عن الأخطاء مجاملة أو مداهنة، فإذا حدَّث أحد فأخطأ في سند الرواة اعترض عليه البخاري، فكثيرا ما يصحح الأخطاء حتى لشيوخه ومعلميه، وقد حضر في درس لأحد شيوخه وهو ابن إحدى عشرة سنة، فأخطأ الشيخ في سند، فنبهه إلى ذلك، فلما راجع الشيخ مصدر معلوماته أخذ القلم وأصلح كتابه وقال لتلميذه البخاري بكل تواضع: صدقت. 
    وهكذا نتعلم من البخاري الطفل كيف ينبغي أن يكون عليه طالب العلم، لا يسكت عن خطأ دون تصحيحه، ولا عن غموض دون استجلائه، لا تمنعه المجاملة عن اعتراض أستاذه في خطئه، ولا تلجمه المداهنة على كبوات شيخه لو زلت به قدمه، ولكل جواد كبوة، فطالب العلم ينبغي أن يكون صريحا مع نفسه، واضحا مع أستاذه، والأستاذ بدوره ينبغي له أن يرجع عن خطئه ويصلحه أو يزيل غموض خطته، بطريقة حبية لينة، وبروح (لا أقول رياضية كما يقول البعض)، ولكن بروح راضية مرضية، كما فعل شيخ البخاري، دون غلظة ولا فظاظة ولا ترفع ولا تكبر. 
    لقد متع الله الإمام البخاري رضي الله عنه بذهن ثاقب، وذكاء قوي، وبصيرة نافذة، فكان يحفظ الأحاديث بأسانيدها عن ظهر قلب دون الاستعانة بالكتابة، فلامه بعض أقرانه من الطلبة على ذلك، فلما تبين لهم أن ذاكرته أقوى من أقلامهم بدؤوا يصححون دفاترهم من حفظه. 
    أتدرون لماذا متعه الله بهذا الذكاء الخارق؟ لأنه من المتقين الصالحين، لأنه أنقى وأتقى، بعيدا عن المعاصي والفسوق، بعيدا عن الاتهامات المجانية المغرضة لهؤلاء المضلين، لا يعرف في طفولته الكذب ولا التدليس، فكان أذكى الناس وأعقل الناس. 
    وهكذا ينبغي أن يكون عليه طالب العلم تقيا نقيا، لأن مفتاح العلم الشرعي هو تقوى الله تعالى والله سبحانه يقول: {واتقوا الله ويعلمكم الله}؛ ورحم الله الإمام الشافعي إذ أفصح عن ذلك فقال: 
    شكوت إلى وكيع سوء فهمي***فأرشدني إلى ترك المعاصي
    فأخبرني بأن العلم نور***ونور الله لا يُعْطاه عاصي
    أما إذا كان طالب العلم عاصيا يمارس الفسق في الشوارع ويتعاطى المحرمات فلا تنظرن منه إلا كسادا في الأخلاق، وفسادا في الأذواق، ومعلومات مهلهلة ممزقة، وأعمالا فاسدة منافقة، حيث لا ثقة من العاصي ولا تقوى من الفاسق. 
    رحل الإمام البخاري في طفولته لطلب العلم بعد أن تزود من بلاده بخارى بمادة غزيرة من محفوظاته في الحديث النبوي الشريف، وأدى فريضة الحج مع والدته وأخيه، فكان لا يدخل بلدا إلا واغتنم فيه الفرصة ليسمع من حفاظها وليأخذ من علمائها، فقد تعلم من علماء البصرة والكوفة وبغداد وحمص ودمشق وعسقلان وفلسطين ومصر علاوة على علماء مكة والمدينة. وهكذا فإن شيوخه الذين أخذ عنهم وتعلم على أيديهم هم علماء الإسلام وأعلامه في العالم الإسلامي في تلك المدة. وأقام رضي الله عنه مع كتبه بالبصرة خمس سنوات، يصنف ويحج كل سنة ويرجع من مكة إلى البصرة. 
    وهكذا ينبغي أن يكون عليه طالب العلم يغتنم الفرصة أنى وجدها، ويلتقط الحكمة حيثما صادفها، لا ينبغي لطالب العلم أن يحصر تلاقي العلم في فصول المدرسة، وفي أيام الدراسة، بل مدرسة الطالب المجتهد هي في كل مكان، في سفره وحضره، في المدرسة وفي البيت وفي الشارع، وأيام دراسته هي حياته كلها، من مهده إلى لحده، والرسولﷺ يقول: «طلب العلم فريضة على كل مسلم».

    ثالثا: الإمام البخاري بين الشباب وتأليف الكتاب:
    لم يصل الإمام البخاري فترة الشباب حتى ذاعت صيته في الآفاق، فكان روايته للحديث حديث الركبان في كل الأوطان، ما دخل مدينة إلا ونادى بقدومه مناديها، وهتف به أهلها؛ جاء في فتح الباري لابن حجر العسقلاني (1/ 486) أن يُوسُف بن مُوسَى الْمروزِي قال وهو شاهد عيان: كنت بالبصرة في جامعها، إذ سمعتُ مناديا ينادي في شوارعها: يا أهل العلم قدم محمد بن إسماعيل البخاري، فقاموا إليه وكنت معهم فرأيته رجلا شابا ليس في لحيته بياض، فعقد للناس مجلس العلم فاجتمع لسماعه الآلاف من المحدثين والحفاظ والفقهاء والعلماء. 
    هذا يوم يُنادَي بقدوم الفقهاء، يوم يعرف الناس قيمة العلماء، أما نحن اليوم فلا ينادى في شوارعنا وبمكبرات الصوت إلا بقدوم السفهاء وعلى رأسهم فساق الطرب والغناء. فيجتمع لسماع فسقهم الآلاف من المخنثين والفساق والخبثاء والجهلاء، أما العلماء فيكفي أن يكون نصيبهم من مجتمعنا السب والشتم والإهانة، والتشويه والتشويش والإدانة.
    أما اشتغال الإمام البخاري بالتأليف فكان من بداية شبابه، وكان يقول عن نفسه: "لما طعنت في ثمان عشرة سنة جعلت أصنف قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم" و"لا أجيء بحديث عن الصحابة والتابعين إلا عرفت مولدهم ووافاتهم ومساكنهم، ولست أروي حديثا من حديث الصحابة والتابعين إلا وله أصل أحفظ ذلك عن كتاب الله وسنة رسولهﷺ" و"ما جلست للتحديث حتى عرفت الصحيح من السقيم" و"لا أعلم شيئا يحتاج إليه (أي: في التشريع والآداب ونظام المجتمع) إلا وهو في الكتاب والسنة".

    رابعا: تأليفه كتاب صحيح الإمام البخاري:
    للبخاري عدة مؤلفات أعظمها بل أعظم تراث الإسلام كتابه (الجامع الصحيح) ابتدأ تأليفه وترتيب أبوابه وهو بمكة المكرمة، واختار أحاديث من ستمائة ألف حديث، في ست عشرة سنة، كل ذلك بشروط دقيقة في الضبط والانتقاء والاحتياط يعرفها العلماء، ويعترف بها المتخصصون المخلصون، وإن تنكر لها الخبثاء في صفحات الأخباث في سويعات من الزمن. 
    قال رضي الله عنه: "ما أدخلت فيه حديثا حتى استخرت الله تعالى، وصليت ركعتين، وتيقنت صحته، وقد جعلته حجة فيما بيني وبين الله" وكان يكتب صحيحه أولا في المسوَّدة حتى إذا انتهى منه وأراد أن يحوله إلى المبيَّضة سافر إلى مدينة الرسولﷺ وجعل يحوله من المسودة إلى المبيضة وهو ما بين قبر النبيﷺ ومنبره، وكان يصلى لكل حديث ركعتين. 
    لقد حصن رضي الله عنه صحيحه بعدة تحصينات إيمانية: من بداية تأليفه في مكة والاستخارة بالله تعالى، وصلاة ركعتين، وهو في الروضة الشريفة، وجعله حجة بينه وبين الله تعالى، وشهد له علماء الإسلام عبر القرون بصحة ما في صحيحه، حتى شهدوا جميعا بكونه أمير المؤمنين في الحديث، رغم أنف كل خبيث، ويكفينا في ذلك شهادة قرينه وتلميذه في الصحيحين الإمام مسلم حين قال فيه: "لا يبغضك إلا حاسد، وأشهد أنه ليس في الدنيا مثلك"؛ وأجمع العلماء على أن أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى هو صحيح البخاري. 
    فماذا يضير صحيح البخاري بعد كل هذه التحصينات وهذه الشهادات من سب مسموم اللسان والجنان، لا يكتب ما كتب إلا وهي ما بين مرحاضه وغرفة نومه.

    خامسا: وفاة الإمام البخاري رضي الله عنه:
    وفي السنة الثانية والستين من عمره، خرج إلى خَرْتَنْك (قرية من قرى سمرقند) فنزل ضيفا على رجل من أقربائه اسمه غالب بن جبريل، فسمعه هذا الرجل ليلة وقد فرغ من صلاته يقول في دعائه: "اللهم قد ضاقت علي الأرض بما رحبت، فاقبضني إليك" وعلى الفور لب الله تعالى دعوته، فمات بعد مرض دام أياما قليلة، وكان ذلك ليلة السبت ليلة عيد الفطر سنة 256 هجرية. 
    وهكذا ولد رضي الله يوم الجمعة وهو عيد الأسبوع، ومات في عيد الفطر، ولد في عيد ومات في عيد.
    فرحمه الله رحمة واسعة وجزاه عن المسلمين والإنسانية بما يجزي به أولياءه الصالحين، اللهم ارحمه إذا انقطعت الأسباب، وأدخله الجنة بغير حساب، وافتح له في رضوانك كل باب، واجعل له من السندس الخضر الثياب، وفي جنة الفردوس المآب، واجعل اللهم أنف الحاقدين عليه مرغما في التراب، وآخر دعانا أن الحمد لله رب العالمين
    الحمد لله رب العالمين… 
    أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون؛ إن للبخاري علاقة خاصة بالمغاربة؛ فالعلماء يختمون صحيحه كل سنة في رمضان في المساجد والمدارس؛ بل إن ختم صحيح البخاري هو سنة حسنة حافظ عليها ملوك المغرب عبر التاريخ، وأول من سن هذه السنة الشيخ العلامة محمد بن أحمد الشهير بابن غازي المكناسي(ت919هـ)، وكانت تقام أوقاف على ختم صحيح البخاري وقيل لي بأن في شمال المغرب أرضا تسمى ب "دبنة د البخاري"، والدبنة معناه: المزرعة؛ بل إن صحيح البخاري يتخذ عند المغاربة مهرا للزواج.
    فلا غرابة فإن الإمام البخاري هو شيخ الإمام مسلم، وهو في نفس الوقت تلميذ الإمام أحمد، والإمام أحمد تلميذ الإمام الشافعي، والإمام الشافعي تلميذ الإمام مالك، والإمام مالك تلميذ الإمام نافع، عن الصحابي الجليل عبد الله بن عمر، عن النبيﷺ.
    انظروا إلى هذه السلسلة الجميلة الجليلة؛ وإن أجمل ما فيها أنها جمعت في عقدها نجوم علماء الحديث: مسلم، عن البخاري، عن أحمد، عن الشافعي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيﷺ؛ وفي هذا المجال تتجلى النجومية الحقيقية، ونحن في واقعنا لا نعترف بالنجومية ولا نعرفها إلا في اللهو واللعب، وفي الغناء والطرب، وفي الفن والشغب.
    ألا فقولوا للمغرضين أصحاب الأقلام المسمومة والقلوب الملغومة: سوف ندرس صحيح البخاري ونحفظ أحاديثه الصحيحة ونطبقها رغم أنف من كابر وأبى، وأن سفينة البخاري سوف تسير محملة بالأحاديث الصحيحة، والسفينة تسير والكلاب تنبح، فماذا يضر نباح الكلاب للسفينة؟
    لو كل كلب عوى ألقمته حجرا *** لأصبح الصخر مثقالا بدينار
    ورحم الله الإمام الشافعي إذ قال:
    أعرض عن الجاهل السفيه *** فكل ما قال فهو فيه
    ما ضر بحرَ الفرات يوما *** إن خاض بعض الكلاب فيه
    ألا فاتقوا الله عباد الله وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ…
    الشيخ عبد الله بنطاهر التناني السوسي
    تنويه: المقالات والمواضيع المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي أصحابها
    Scroll to Top