• صوت القرويين

    الأحد، 17 سبتمبر 2017

    خطبة | رأس السنة الهجرية ومحاسبة النفس

    خطبة بعنوان أخرى: "رأس السنة الهجرية ومحاسبة النفس"
    وهي بالمناسَبة، لعلها مناسِبة لمن أحب أن يستأنس بها، أو يختصرها، أو يقتصر على بعضها، أو يوظفها بعد أن ينظفها، فينقحها من أخطائي ليلقحها بأفكاره والرجاء منه أمران:
    1) الدعاء لي -بعد الإخلاص- عن ظهر الغيب.
    2) غض البصر -بعد الإصلاح- عما فيها من العيب.
    عبد الله بنطاهر
    مسجد الإمام البخاري أكادير المغرب
    تاريخ إلقائها أول مرة: 28ذو الحجة 1426ﻫ 27/01/2006م

    بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه
    الحمد لله يقلب الليل والنهار، جعل مرور الأيام عبرة لأولي الأبصار، ليحاسب الإنسان نفسه على الأخطاء ويتجنب الأخطار، وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد القهار، عالم الخفايا والأسرار، والمطلع على مكنون الضمائر والأفكار، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله خير الأبرار، باتباعه ينال المسلم المقاصد والأوطار، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الأطهار، وعلى التابعين لهم بإحسان ما اختلف الليل والنهار.

    أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب 
    ها نحن في آخر جمعة في هذه السنة الهجرية، وبعد أيام معدودة سوف نخطو إلى سنة جديدة، سوف نودع هذه السنة محملة بأعمالنا الصالحة والطالحة، شاهدة لنا أو علينا يوم الحساب، فطوبى لمن مرت به هذه السنة في ظل من التقوى والفضائل، وويل لمن مرت به وهو منهمك في مستنقعات المعاصي والرذائل. يقول الله سبحانه وتعالى: {يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار}، ويقول سبحانه: }وتلك الأيام نداولها بين الناس{، ويقول سبحانه: {يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا}؛ وهذا السير الحثيث يبعدنا عن الدنيا ويقربنا من الآخرة يسير بنا من دار العمل إلى دار الجزاء، لقد أخرج البخاري أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «ارتحلت الدنيا مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل». وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: «إن من كان قبلكم كانوا يجمعون كثيرا ويبنون مشيدا ويأملون بعيدا، فأصبح جمعهم بورا وبنيانهم قبورا وأملهم غرورا».
    ورحم الله من قال: 
    نسير إلى الآجال في كل لحظة *** وأعمارنا تطوى وهن مراحل
    ترحل من الدنيا بزاد من التقى *** فعمرك أيام وهن قلائل
    ورحم الله من قال:
    وما هذه الأيام إلا مراحل *** يسير بها حاد إلى الموت قاصد
    وأعجب شيء لو تأملت أنها *** منازل تطوى والمسافر قاعد
    أيها الاخوة المؤمنون ينبغي أن يقف كل واحد منا عند رأس السنة الهجرية، ليحاسب نفسه، ليراجع رصيده، ليعرف الربح فيحافظ عليه، ويعرف الخسارة لينقد -قبل فوات الأوان- نفسه: ما ذا قدم وما ذا أخر؟ ما ذا في صحيفة المكاسب وما ذا في صحيفة الخسائر؟ ما ذا في كتاب الحسنات وما ذا في كتاب السيئات؟ فإن رأى عملا صالحا شكر الله على الهداية، وإن رأى غير ذلك استغفر الله وتاب إليه التوبة النصوح، فإنه سبحانه كان للذنوب غفارا. 
    أرأيتم كيف يحاسب التاجر نفسه في تجارته كل سنة قبل أن تحاسبه الضريبة والدولة؟ مع إمكانية التنصل عن الأداء عبر المعارف والوسائط أو الرشوة والارتشاء، ورغم ذلك يقف على كل دقيقة وكبيرة، من صادرات وواردات، حتى يتأكد من الربح ويتفادى الخسارة! فالتجارة مع الله أولى بمحاسبة النفس قبل يوم الحساب، حيث لا مجال فيه للإنكار، ولا غش فيه ولا خيانة، ولا تنصل فيه ولا تهرب، ولا تقبل فيه رشوة ولا وساطة، {يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم}؛ لأنه يشهد لك أو عليك جوارحك التي تحمل والتي فعلت بها ما فعلت: لسانك وعينك ويدك ورجلك {يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون}، {وقالوا لجلودهم: لم شهدتم علينا؟ قالوا: أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء}.
    يجب أن تحاسب -يا عبد الله- نفسك قبل أن تحاسب في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، وقد ربط عمر بن الخطاب رضي الله عنه بين محاسبة النفس، وحساب يوم القيامة. فقال: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل توزنوا، وتأهبوا للعرض الأكبر على الله، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية». 
    إنه حساب شاق وعسير، يتميز بالدقة والشمول، فكل صغيرة وكبيرة، وكل قول وعمل، سوف تجده مسجلا في ميزانك يوم الحساب، يقول الله سبحانه وتعالى: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا، وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها، وكفى بنا حاسبين}. 
    إنه حساب يتميز بالسرعة، لأنه سبحانه أسرع الحاسبين {وهو سريع الحساب}، وقد سئل سيدنا علي رضي الله عنه كيف يحاسب الله الناس كلهم في وقت واحد؟ فقال: «كما يرزقهم في آن واحد يسألهم في آن واحد»، وفي آلة (الكمبيوتر) التي رأيناها اليوم ما يدعو إلى العجب، فهي تسند كل حساب لصاحبه، وكل قائمة لربها، في دقائق معدودة، وفي ثواني محدودة، فكيف بالذي يتولى الحساب يوم القيامة وهو الذي خلق الإنسان الذي صنع الكمبيوتر وخلق الكون كله سبحانه وتعالى؟ 
    إنه حساب هو الذي يربط في الحقيقة بين المسؤولية والمحاسبة، يربط بين الميزان والمصير، فنتيجة الميزان يترتب عليها المصير: إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار {فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية، وأما من خفت موازينه فأمه هاوية، وما أدراك ماهيه نار حامية}.
    يجب أن يحاسب كل واحد منا نفسه: على مستوى نفسه أولا، ثم على مستوى أسرته ثانيا، ثم على مستوى مجتمعه ثالثا، ثم على مستوى أمته رابعا؟ فإن كانت الأجوبة كلها إيجابية فبها ونعمت! وإن كانت سلبية فبئس ما صنع! فإن توصل أحدنا إلى أنه مستقيم على الهداية حمد الله وشكره، فإذا وجد نفسه في مستنقع الرذائل والغواية تاب إلى الله واستغفره! ورحم الله من قال:
    أما على مستوى النفس فعليك -يا مسلم يا عبد الله- أن تسأل قلبك مثل هذه الأسئلة؟ ثم تحاول الإجابة عنها وكن صادقا مع نفسك:
    هل ارتكبت يوما الحرام في هذه السنة؟ وكم هي المحرمات التي انتهكتها؟ وما هي نوعيتها؟ هل هي من الذنوب الكبائر أو من الصغائر؟ وكم هي الحدود الشرعية التي اعتديت عليها؟ وكم هي الفرائض التي ضيعتها؟ هل هي صلاتك؟ أم عملك؟ أم دراستك؟ وما ذا فعلت بجوارحك السبعة: الفرج، والبطن، واللسان، والسمع، والبصر، واليد، والرجل؟ هل حصنت فرجك؟ هل أكلت في بطنك لقمة من حرام؟ هل كنت من الذين يغضون أبصارهم عن المحرمات؟ هل أمسكت لسانك؟
    أما على مستوى الأسرة فعليك –يا مسلم يا عبد الله- أن تحاسب نفسك على مثل هذه الأسئلة؟ ثم تحاول الإجابة عنها وكن صادقا مع نفسك:
    هل أديت حق أمك؟ هل بررت بأبيك؟ هل وفيت لهما حقوقهما أم ضيعت نفسك بعقوقهما؟ ماذا فعلت بصلة رحمك وقد وعد الله تعالى أن يصل من وصل رحمه، ويقطع من قطع رحمه؟ هل كنت حقا خيرا لزوجتك وقد قال النبيﷺ: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي»؟ 
    ماذا فعلت أيتها الزوجة المسلمة بحقوق زوجك؟ هل قدمت له الطاعة اللازمة؟ هل وفرت له الراحة الدائمة؟ أم عيشته في نكد على نكد معيشة ناقمة؟ ثم ماذا فعلتما بأبنائكما؟ هل قدمتما لهم التربية الصالحة؟ أم سلمتما زمام تربيتهم للشوارع ووسائل الإعلام؟ وهل تعلمان أن حقوق الأبناء مقدمة على حقوق الآباء يدل على ذلك قول الله تعالى: {وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا}؟ 
    أما على مستوى المجتمع فعليك –يا مسلم يا عبد الله- أن تحاسب نفسك على مثل هذه الأسئلة؟ ثم تحاول الإجابة عنها وكن صادقا مع نفسك:
    هل كنت يوما سببا في هداية إنسان فالرسولﷺ يقول: «لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير مما طلعت عليه الشمس وغربت»؟ ما هو مدى مشاركتك في بذل النصيحة لغيرك والرسولﷺ يقول: «الدين النصيحة»؟ هل أمرت يوما بالمعروف؟ وهل نهيت يوما عن المنكر؟ هل سجلت نفسك ضمن الذين يقول الله تعالى فيهم: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}؟ هل امتنعت عن ظلم عباد الله فالله تعالى يقول في الحديث القدس الجليل: «إني حرمت الظلم على نفسي فجعلته محرما بينكم فلا تظالموا»؟ وهل تصبر حين يظلمك أحد فإن الله مع الصابرين والرسولﷺ يقول: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم»؟.
    أما على مستوى أمتك فعليك –يا مسلم يا عبد الله- أن تحاسب نفسك على مثل هذه الأسئلة؟ ثم تحاول الإجابة عنها وكن صادقا مع نفسك:
    ماذا قدمت للإسلام في هذه السنة؟ هل تحس بأنك تنسب لأمة الإسلام؟ هل كنت في مستوى الحديث الذي يقول عنه النبيﷺ: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»؟ كيف تجد شعورك وأنت ترى كلاب الأمم من الصهاينة والصليبين والصفويين والدواعش والبوذيين يذبحون إخوانك في فلسطين وسوريا والعراق واليمن وبورما، ويهدمون بيوتهم، ويشردون أطفالهم؟ كيف تجد إحساسك وأنت ترى أعداء الإسلام يحتلون منبع الإسلام، ويدمرون بحرب ظالمة -بكل المقاييس- بلاد العلم والعرفان؟ كيف تجد حالك وأنت ترى هذا الظلم العالمي الجديد على أمة أنت أحد أفرادها؟ وبماذا تشعر وأنت ترى وضعية أمتك مزرية بكل المقاييس؟ وبماذا تشعر وأنت ترى التاريخ اليوم يسجل هزيمة أمة أنت أحد أفرادها؟ هل تشعر بالخجل، أم أنك تشعر بالخوف والوجل؟ أم أن هذا ولا ذاك لا يعنيك في شيء لأن الهزيمة وراء الحدود الجغرافية المصطنعة؟ تلك الحدود التي صنعها الاستعمار ليشتت بها شمل أمتك؟ والرسولﷺ يقول: «من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم». 
    أيها الاخوة المؤمنون لو كانت الأمة المسلمة تحاسب نفسها، تراجع ماضيها، لاستفادت من أخطائها لمستقبلها، ولما شتت الأضداد شملها، فواأسفاه على أمة لغة الضاد، قد شت شملها الأضداد! لو كنا نحاسب أنفسنا في خلواتنا مع الله سبحانه لكان ذلك ظاهرا في جلواتنا! 
    أما إذا كان خلواتنا وجلواتنا من أجل نزواتتنا فسوف يبقى أمرنا على ما هو عليه من الوهن والهزيمة إلى إشعار آخر! 
    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين والحمد لله رب العالمين…

    الحمد لله رب العالمين…
    أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون؛ إن أول ما يلفت الانتباه في رأس السنة الهجرية الإسلامية، إذا ما قورنت برأس السنة الميلادية الصليبية، ذلك التعتيم المغرض الذي نستقبل به –نحن المسلمين- رأس السنة الهجرية، وذلك السكوت المطبق الذي يخيم عليها، فلا نعير لها أي اهتمام، بينما نقيم الدنيا ولا نقعدها عندما تنتهي السنة الصليبية بفسادها ومجونها، الكل يتحدث عنها، ويعد سنوات عمره على مقتضاها، الشيء الذي يدل على تنكرنا لديننا وأصالتنا، وتشبهنا في تقليد أعمى بغيرنا، والرسولﷺ يقول: «ليس منا من تشبه بغيرنا» ويقولﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم» ويقولﷺ: «لَتَتّبِعُنّ سَنَنَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ. شِبْراً بِشِبْرٍ، وَذِرَاعاً بِذِرَاعٍ. حَتّىَ لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبَ لاَتّبَعْتُمُوهُمْ» قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللّهِ آلْيَهُودُ وَالنّصَارَىَ؟ قَالَ «فَمَنْ؟» 
    ألا فاتقوا الله عباد الله ألا فاعلموا أن النبيﷺ قال: «العبد المؤمن بين مخافتين: بين أجل قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه، وبين أجل قد بقى لا يدري ما الله قاض فيه، فوالذي نفسي بيده ما بعد الموت من مستعتب، ولا بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار» هذا وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ...
    تنويه: المقالات والمواضيع المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي أصحابها
    Scroll to Top