• صوت القرويين

    الأربعاء، 6 سبتمبر 2017

    معاناتي في فهم مختصر خليل | يوسف الزروالي

    معاناتي في فهم مختصر خليل مسطرة بطريقة شبه ادبية.
    بقلم : يوسف 
    الزروالي *
    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف المرسلين وعلى آله وصحابتة اجمعين.
    وبعد.. فجَرى في خاطري من غير رأي نادبٍ أو آمِرِ أن اسطر معاناتي في فهم مختصر خليل -وفي الغالب هي معاناة جل طلبة التعليم العتيق- فقلت:
    " دخلت المكتبةَ يوما التمس من شروح المختصر اسهلها، فرميت ببصري على الرفوف علِّيَ اجدُ شرحا أزال الغموض والإشكال، وبيَّن فصل المقال،وأزاح سحُب الإبهام عن سماء الإفهام لِتبدوَ نجومُها مزيِّنةً للسماء راجمةً لكلِّ شيطان ، لكن لم اشعر بمرور الوقت حتى وجدْتُني وحيدا بعد انصراف الطلبة ، أُطوِّف بين شروح المختصر ،اصارعُ رموزَه وإغرابَه، أجدُ فاعلَ الفعلِ بعد جهدٍ جهيد، واحصلُ على خبر المبتدأ بعد أمدٍ بعيد.
    فقلت -بعد أن ضاقت بيَ الأرض بما رحُبتْ - ياربِّ ما هذا التعقيد؟ وركوبُ الصعب من الأسلوبِ البعيد؟!
    وما هذاالإغراب؟ والتشددُ في الإعراب؟!
    أراد خليلٌ أن يُبينَ فأبهمَا # وصيَّرَ وجهَ الفقه اسودَ مظلِما
    ياربِّ سامحْ خليلاً على هذا التأْليف، وتقبل منَّا العناءَ في فهم شرعك الحنيف.
    وبينا أنا على تلكم الحال التفتُّ يمنةً فإذا بي ألمحُ شبحَ رجلٍ قد ولّاني ظهرَه ، وأخفى عني مَخبَرَه ،ففزعتُ لذلك غايةَ الفزع لما شاهدْتُه من غرابة المنظر، وعَتاقةِ الملبَسِ والمخبَر، وكأنه قُذِف به من القرون الوسطى.
    فرجعت القهقرى مشدوهاً مذْعوراً ،ثم استعذتُ بالله وزجرتُ عني الخوف،ومشيت نحو الطيف ،فقلتُ: _ورجلايَ لا تحملانِنِي- ما شأنُ الرجل الغريب؟ وما الذي اتى به في هذا الليل الكئيب ؟!
    فأجابني قائلا :هوِّن عليك ! ما انا إلا عبدٌ لله ، ليس النفع بيدي ولا الضرُّ من قصدي .
    أتسترني حتى أمضي لحال سبيلي إن صدقتُك؟
    وتثقُ بي إن أخبرتك؟
    قلت : هذا وعدي لك ،ووعد الحر لا يخلف.
    قال : انا من دعوتَ الله أن يسامحَه، انا من ضِقتَ ذرعا بمصنَّفه، انا من وصفني بنو جلدتي بتسويد الفقه ، والتقوُّل على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم بغير دليل، انا من قِيلتْ فيَ الأقاويل.
    لقد اسمعَني اللهُ مقالتَك - وانا في عالم البرزخ- فانقبضتْ نفسي لأجلك ، فسألتُ ربي بصالح عملي أن يرُدَّني إلى الدنيا لأعرف ما حملك على ما به نطقتَ.
    فقلت متعجبا : _ وانا شاكٌ أنائم ٌ انا ام يقظان؟! وقد علا وجهي الوجَل ، وجبيني يقطر عرقا من الخجل_ يا سيدي لا تؤاخذني بما قلتُ ، ولاتُرهقني من أمري عسرا ، فلقد لقيتُ في فهم مختصركم هذا نصبا وَوِزرا، ولولا رجائي أن تنالني الخيرية المذكورة في حديث سيد البرية صلى الله عليه وسلم "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" ما سلكتُ هذه الفجاج ،ولا ركبتُ خطرَ هتيكَ الأمواج.
    فقال :بُني لابأس عليك ، قد عذرتُك ،ولِما توسمتُه فيك من حب العلم أكبرتُك. 
    لكن قل لي :هل أحطتُم علماً بصغار متون الفقه؟
    وكم ساعةً خصصتُموها لدراسة المختصر؟
    وما حال الأستاذ المنتَدَبِ لهذا الخطر؟
    قلت :
    اما صغارالمتون فقد سردنا بعضها سردَ الطالب المفتون في سرعة المجنون ، فلم نُحَصِّل منها إلا مثل ما يحصله النائم في أضغاث احلامه.
    وأما الزمن المخصص لدراسة المختصر فساعتان في الأسبوع أو تنقصان.
    وأما من اصطُفِيَ لتجلية الغموض والإشكال، وشرحِ غريب الأقوال فهذي قصتي معه داخل قاعة العلم .
    أقولُ للأستاذ جلِّ المسألهْ # 
    واشرحْ -رعاكَ الله- هذي المُعضِلَهْ
    فيقول : ثِبْ ما ههنا من فائدهْ #
    فالعمرُ يفنى دونَ حلِّ المسألَهْ
    أستاذُ فسِّر لغزَها إشكالَها #
    حتى تزولَ خصاصتي والمشكلَهْ
    فيجيبُ فوِّضْ أمرَها لذوي النهى
    # أو لِلَّذي وضعَ الكتابَ وانزلهْ
    أمعلمي ما حكمُ مسألةِ الإما
    # عبدٌ جَنى عبدٌ تزوجَ فاضِلَهْ
    أبُنيَّ دعْكَ من الرقيقِ فقد مضى
    # زمنٌ لهم ما ضرَّنا أن نجهلَهْ
    وهناك تختلِطُ الامورُ فلا يَرى
    # صوراً لتلك المعضلاتِ المُثقلَهْ
    فتَراهُ يرفع كفَّه متضرعا#
    يرجوا الخَلاصَ من العبيد ليسهُلَهْ.
    فأطرق الشيخ برأسه قليلا ثم تنفس الصعداء وقال:
    كنت توهمتُ انَّ النقص الحاصل مني في عدم إفهامِ المراد ، ومجانبتي للسداد ، فبان لي مما سمعت أن كبيرَ الخلل، وعظيمَ الزلل ، والفسادَ الأكبر ،والسببَ الأمر الذي حال بينكم دون استيعابِ المختصر ، هي منهجيتكم العقيمة، وطريقتكم السقيمة، فلا انتم مؤهلون للفهم ، ولا صاحبُكم مؤهل للتفهيم، ولا ذلك النَّزْرُ القليل من الوقت كافٍ لتحصيل ما أودعتُه في كتابي من علم جم.
    انتبه بُنيَّ لما قلت، وكن حافظا لما ذكرت، فلا بد من الوقت والأهلية في العالِم والمتعلم حتى يفهم ما ألفت .
    واعلم _ انار الله دربك_ أن كتابي هذا جليلُ القدر، كثير الخير،
    عظيمٌ صوابُه ، مرجوٌّ ثوابه غزيرُ المعاني ، شهد بفضله القاصي قبل الداني.
    وليس ما قلتُ من التزكية للنفس والعجب، ولا هو رجمٌ بالغيب، فإن الحق ما شهِدت به العلماء حتى قال من عرف الفضل لأهل الفضل:
    يا قارئاً مختصر الخليلِ # لقد حويتَ الفقهَ يا خليلي 
    حصِّل خليلاً واصرف الهمة لهْ# فقد حوى مائة ألف مسألهْ
    نصّاً ومثلها من المفهوم # فإن شككْتَ اعْددهُ في المرسومِ
    وقال آخر:
    أطلّابَ علمِ الفقه مختصر الرضا # خليلٌ لكم فيه الحياة فعيشوا
    سلام على الدنيا إذا لم يكن بها# خليل ابن اسحاق الامام يعيشُ
    فقلت :سألتُك يا سيدي إلا غفرتَ زلتي ، وعفوتَ عن إساءتي ، فقد عرفتَ ضعف قوتي ، وسوء حيلتي.
    قال : عندك قد عفوتُ، وعما قلتَه قد تجاوزتُ ، ومالي لا أعفوا وانا أرجوا العفوَ من ربي.
    ثم استأذن ليذهب ، فسلم وانصرف.


    * كنت قد أعددتها من أجل إلقائها بإحدى الأمسيات بمعهد الامام مالك بسيدي سليمان وقد فعلت .
    وقد احببت ان أهديها لأصدقائي طلبة التعليم العتيق الفيسبوكيين وكل من له اهتمام بهذا المجال.
    تنويه: المقالات والمواضيع المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي أصحابها
    Scroll to Top