• صوت القرويين

    الاثنين، 4 سبتمبر 2017

    الشيخ محمد بن أحمد بن الهاشمي الإدريسي سيرة ومسيرة

    ترجمة طالب في جامع القرويين ومحب لها كان دائم السؤال عن علمائها وشيوخها إلى أن لقي ربه رحمه الله .
    الشيخ محمد بن أحمد بن الهاشمي الإدريسي سيرة ومسيرة 

    بقلم ذ: عبد الوهاب العمراني
    نسبه وبلده :
    هو محمد بن أحمد بن الهاشمي الإدريسي، واسم أمه خديجة. اشتهر في منطقة تافيلالت بالفقيه المطهري السيفي. ولد في قصر المطاهرة وهي قرية من قرى تافيلالت جنوب غرب مدينة الريصاني، وفي هذه القرية كان والده إماما وخطيبا، تربى على يد والده تربية سليمة مستمدة من القرآن والسنة المطهرة . 
    ولد الشيخ محمد بن أحمد بن الهاشمي في هذه المنطقة التي عرفت بحبها للقرآن الكريم وأهله، وبتمسكها بالدين والأخلاق، ومحافظتها على الأصالة وحب الخير .
    اشتهر عند الناس بالفقيه حتى صار يعرف بهذا الاسم، وصار له اسما بالغلبة كما يقول النحويون. وعند أقاربه يناديه الكل ب: "خيي " تصغير لكلمة أخ وهي مستعملة كثيرا في منطقة تافيلالت، قال ابن مالك في الألفية: فعيلا اجعل الثلاثي إذا .. صغرته نحو قذي في قذى ...، وفي هذه الكلمة ما فيها من التودد والتحنن والتلطف، واسمه الحقيقي هو محمد واسم أبيه أحمد واسم جده سيدي الهاشمي، وكلهم كانوا من أهل القرآن ومحفظيه، ويأمون الناس مدة طويلة .
    ومن الكرامات التي أكرمهم الله بها؛ هي أن الفقيهين محمد وأبوه أحمد بقيا إمامين في مسجد المنكارة بالسيفة بتافيلالت ما يزيد على مائة وعشر سنوات إمامة وخطابة وتعليما وتأديبا.
    حفظ الشيخ القرآن الكريم كعادة أبناء المنطقة في مسجد قريته على يد والده، ومنه أخذ الأدب والأخلاق والتواضع وحسن المعاملة مع الناس. ثم بدأ يأخذ مبادئ العلوم الشرعية على يد ثلة من فقهاء المنطقة منهم سيدي المدني فقيه تافيلالت وعالمها، وعلى ابن الشيخ، وعلى مولاي هاشم شارح نصرة الكتاب، وغيرهم. 
    هجرته في طلب العلم :
    هاجر إلى مدينة فاس للدراسة في جامع القرويين، وتتلمذ على يد عدد من شيوخ القرويين الكبار المرموقين المحققين في فترة حالكة من تاريخ المغرب وهي فترة الاحتلال الفرنسي للمغرب، حيث كان المغاربة وفي مقدمتهم علماء القرويين يواجهون الاحتلال الفرنسي ويذيقونه أشد العذاب، وقد ذاق هؤلاء العلماء في مقابل ذالك صنوفا من الابتلاء، ولم يسلم شيخنا من هذه المحنة، وقد عاش ما كان يتعرض له المغاربة من ظلم وبطش واعتداء وتنكيل، فكان وطنيا حقا محبا لبلده مدافعا عنه بالغالي والنفيس .
    كان صديقا مقربا من عبد الهادي بوطالب العالم والأكاديمي المعروف. وكان يزوره في بيته قرب جامع القرويين.
    وقد حكى لي خالي الفقيه عبد الله الإدريسي أخ المترجم له، وهو إمام وخطيب بمدينة ميدلت؛ أن الفقيه محمد بن أحمد بن الهاشمي الإدريسي عندما كان يحضر دروس علماء القرويين جلس في درس من هذه الدروس إلى جانب عبد الهادي بوطالب، وكان الدرس درس نحو، فطلب الأستاذ من ابن الهاشمي أن يعرب جملة من الجمل أسوة بالطلبة الآخرين، فأعربها إلا كلمة واحدة توقف فيها والأستاذ يستمع وينتظر من الطالب أن يتم إعراب الجملة، فسمع من الطالب الذي يجلس بجانبه يقول له بصوت خافت لا يسمعه الأستاذ، قل له: حال حال حال، فأجاب الأستاذ، وكان الذي خلصه من هذه الورطة هو عبد الهادي بوطالب . 
    وبعد أن قضى ما تيسر له في جامع القرويين ونهل من علمائها، رجع إلى بلده واستقر في قريته المطاهرة وشرع يؤم الناس نيابة عن والده مدة طويلة. انتقل بعدها إلى قرية القصيبة القبلية بجماعة السيفة ليؤم الناس ويعلم فيها القرآن الكريم. وبعد أن قضى هناك مدة، انتقل إلى قرية غرب وادي غريس بجماعة السيفة تسمى الدوار وهي قرية يسكنها الأمازيغ. لم يستمر فيها طويلا فانتقل لقرية تسمى المنكارة بجماعة السيفة معلما للناس وإماما وخطيبا لمدة خمسين سنة .
    عرف بتواضعه وتعففه وزهده في مسكنه وملبسه ومركبه. يحبه الناس جميعا كبارا وصغارا، يقضي مصالح الجميع، ويشارك الناس أفراحهم وأتراحهم، لم يكن يعنيه ما يجري في القرية من تحزبات وصراعات عنيفة في مجال السياسة والانتخابات بين طرفين يتصارعان على المصالح المادية الخالصة، مما يؤجج العداوة بين الناس ويفرق بين الأخ وأخيه، والأب وابنه، والجار وجاره، فكان لا يعير هذا الأمر اهتماما. وكان الناس يحبونه جميعا ويستدعونه إلى منازلهم بمناسبة وغير مناسبة . لا يفتر عن القراءة والمطالعة، قلما تراه لا يتأبط كتابا أو دفترا. كلما سمع عن مجلس علم إلا ورحل إليه مشيا على الأقدام أو على دراجته المتواضعة .
    قال عنه أبو زكريا محمد صغيري في كتابه رجال صدقوا: 
    "هذا الرجل كان رحالة وقته في التطواف على العلماء والتتلمذ عليهم. وما سمع بعالم يلقي دروسا إلا وهاجر إليه، وطوى الركب بين يديه، ولا عليه أكان هذا العالم صغيرا أو كبيرا، فقد يجلس تلميذا بين يدي من هو في سن أحفاده. وكان لا يفارقه الكتاب حلا أو ترحالا، وقل أن تراه لا يتأبط كتابا ". رجال صدقوا لأبي زكريا محمد صغيري. ج 2 ص : 145 .
    وأعتقد أن الشيخ محمد صغيري لم يترجم له في كتابه رجال صدقوا ترجمة وافية كما فعل مع شيوخ تافيلالت الآخرين واكتفى بما نقلنا عنه، لأنه التزم أن يذكر المحفظين الذين عايشهم وعاصرهم أو تتلمذ عليهم، وإلا لو ذكر الشيوخ الكبار وترجم لهم لكان الشيخ محمد بن أحمد بن الهاشمي الإدريسي من أول المترجمين .
    تزوج شيخنا رحمه الله مرات متعددة ولم يرزق ولدا .
    مناقبه وفضائله :
    له مناقب كثيرة وفضائل جمة تتجلى في أخلاقه وتواضعه وزهده وورعه وابتعاده عن زخارف الدنيا ومغرياتها وشهواتها. 
    نبعت هذه الفضائل والمناقب من شخصيته الفريدة؛ حيث عاش مع القرآن وأهله ومع بيوت الله حوالي ستين سنة يدعو إلى الله بأخلاقه وسمته وحيائه وزهده عن الدنيا وتقلله منها، كل الناس يشهدون له بهذا، وكل من عرفه أحبه وتقرب إليه لاطمعا في مال أوجاه أو متاع من متاع الدنيا الزائل، وإنما ذلك لما رزقه الله من القبول عند سائر الناس، فهو ولي من أولياء الله ولا نزكي على الله أحدا، ينطبق عليه حديث أسماء بنت يزيد الأنصارية رضي الله عنها؛ قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا أخبركم بخياركم؟ " قالوا: بلى، قال: " فخياركم الذين إذا رؤوا ذكر الله تعالى".أخرجه أحمد في مسنده . وحديث عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما، "قال: قال رجل: يا رسول الله، من أولياء الله؟ قال: الذين إذا رؤوا ذكر الله".أخرجه البزار في مسنده.
    ذات مرة ذهب إلى أحد أصدقائه ليزوره في الله في بيته، فوجد شاة تحتضر من شدة الجروح التي أصيبت بها بسبب عجل نطحها بقرنيه في بطنها حتى سقطت أمعاؤها في الأرض، ورب الشاة ينتظر موتها ليتخلص منها، فطلب منه الفقيه سيدي محمد بن أحمد بن الهاشمي أن يأتيه بمخيط، فبدأ الحاضرون يستغربون من كلام هذا الفقيه كيف لشاة تحتضر ولا تبدي حراكا أن تعود إلى الحياة؟ لكنه تمسك برأيه، وعندما أتوه بالمخيط جمع ثوبه وضمه إليه وجلس بجانب الشاة، وأزال ماعليها من غبار وتبن ووسخ، وجمع أطراف جلدها مثل الطبيب البيطري الماهر في صنعته، وبدأ يخيط والحاضرون يستغربون إلى أن أتم عمله وأتى بخرقة أدارها على الجرح بإتقان، وبعد مدة بدأت الشاة تستفيق وتتحرك، وبعد أيام رجعت الشاة إلى حالتها الأولى كأن لم يحدث لها شيء. وهناك أمثلة أخرى لا نطيل بذكرها .
    رغم كبره في السن وقلة ذات اليد قرر الذهاب إلى الحج لأداء هذه الفريضة ، ولماعلم الله صدقه واشتياقه لتلك البقاع الطاهرة أتم الله له أمنيته وحقق له مبتغاه .


    مكتبته وشغفه بالقراءة والمطالعة :
    ذكرنا أن شغفه بالعلم والقراءة والمطالعة كان كبيرا، عندما كنت أدرس بجامع القرويين وكنت أسافر إلى بلدي لزيارة الأهل والأقارب، كنت أذهب لزيارته فيفرح فرحا كبيرا ويسألني أولا عن حال القرويين وعن علمائها وطلبتها، وعندما كنا نصدر مجلة رسالة المعاهد مع مجموعة من طلبة القرويين أهديته العدد الأول منها ففرح به فرحا شديدا، وقرأه من أوله إلى آخره كما هي عادته مع الكتب، وبقي دائما ينتظر مني أن أرسل له العدد الجديد.
    لم يكن يفتر عن القراءة والمطالعة. وله مكتبة كبيرة ومتنوعة لم يكن يرتبها ترتيبا وإنما يضع الكتب كيفما اتفق، فوق الرفوف وفي الصناديق وعلى الطاولة وعلى الأرض يعلوها الغبار والأتربة، وعندما كنا نستفسر عن هذا ونسأله عن سبب ترك الكتب على هذه الحال كان يقول لنا حتى لا تأكلها الأرضة وتضيع.
    كثيرا ما تجده منغمسا في مكتبته يبحث عن كتاب، ليقرأه أو يصلح ما تمزق منه. كتبه غالبا ما تجد فيها تعليقا أوفائدة أوحاشية أو تسطيرا على كلمة أو جملة أو فقرة. وكان رحمه الله يستعمل كاغد السكر القديم الملون بالأزرق الداكن يكتب عليه بعض المعلومات أو يقطعه بطريقة محترفة ليعلم به الصفحات والأماكن التي وصل إليها في مطالعته بحيث ترى كتبه كلها ملونة بهذه الأوراق الزرقاء الصغيرة.
    تشتمل مكتبته على عناوين مهمة في شتى العلوم والمعارف منها :
    260 عنوانا من الحجم الكبير.
    100 عنوان من الحجم المتوسط.
    100عنوان من الحجم الصغير.
    إضافة إلى بعض الكتب المبتورة وبعض المخطوطات، هذه الكتب المبتورة منها ما ضاع منه جزء أو جزءان أو بعض الصفحات، وهذا نتيجة إعارة الكتب لبعض الناس الذين لاخلاق لهم والذين قال فيهم الناظم :
    ألا يا مستعير الكتاب دعني فإن إعارة الكتب عار 
    فمحبوبي من الدنيا كتابي وهل رأيت محبوبا يعار
    وقال الآخر :
    كتابي لا يعار ولو برهن مخافة أن يلوث بالمداد
    ففي تحصيله أفنيت عمري وفي تصحيحه أفنيت زادي

    مكتبة متنوعة وغنية
    رغم صغر مكتبته وقلة مافيها من الكتب مقارنة بمكتبات أخرى تركها بعض العلماء إلا أن هذه المكتبة متنوعة وغنية ومختارة الأسماء والعناوين المفيدة؛ حيث تجد فيها مختلف العلوم والفنون القديمة والمعاصرة، فيها مايتعلق بالعقائد والتفسير وعلوم القرآن والقراءات والتجويد والرسم القرآني والحديث ومصطلحه والفقه وأصوله والمقاصد والخلاف العالي والنوازل والتصوف والفرائض والسيرة والتراجم والمنطق والنحو والصرف والبلاغة بأنواعها من؛ معاني وبيان وبديع، واللغة والأدب والشعر والمتون العلمية المتنوعة والتوقيت والحساب والعروض والطب والأحوال الشخصية بل حتى القانون ومما يدل على اطلاعه على الواقع والمحيط الذي يعيش فيه وعلى مايجري ويستجد في العصر أن مكتبته لا تخلو من مؤلفات علماء ودعاة معاصرين حيث تجد في مكتبته أسماء مثل: ابن عاشور وعلال الفاسي وابن باديس والقرضاوي وخلاف والقطبان وابن الصديق والتليدي والقطان وفتحي يكن والجزائري وكشك وأحمد أمين وطه حسين وغيرهم.
    نماذج من مكتبته العامرة 
    تتنوع هذه المكتبة بتنوع علومها وفنونها، وهذه بعض الأسماء الموجودة فيها: أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي، شرح زروق مع شرح التنوخي على متن الرسالة، همع الهوامع على جمع الجوامع للسيوطي، نظم أوضح المسالك لابن هشام، شرح شواهد المغني للسيوطي ، شرح السنوسي على صغرى الصغرى، شرح الرسموكي على شرح مختصر التصريف العزي للتفتازاني ، الإيضاح والتحصيل لشرح الخرشي لمختصر خليل، حاشية الدسوقي على شرح أم البراهين، حاشية الشيخ ياسين على ألفية ابن مالك، شرح جسوس على تصوف ابن عاشر، شرح سيدي أحمد ابن عبد العزيز الهلالي على منظومة مولاي عبد السلام، وثائق فرعون، كتاب التلطف في الوصول إلى التعرف وهو شرح كتاب التعرف في الأصلين والتصوف لابن حجر الهيثمي لمحمد بن علي بن علان الصديقي ، شرح سوانح التوجيهات على نظم الموجهات لعبد الله وافي الحمامي الفيومي، الإشراف على مسائل الخلاف للقاضي عبد الوهاب البغدادي، حاشية فتح الصمد لعلي بن مبارك الروداني الإدريسي على شرح محمد الأغظف لمنظومة عبد الحفيظ بن الحسن المسماة: السبك العجيب لمعاني حروف مغني اللبيب، البستان في ذكر الأولياء والعلماء في تلمسان لابن مريم التلمساني، شرح عبد العزيز بن الحسن على نظم الذكاة، شرح ميارة على التحفة، شرح محمد الأمير على مجموعه في مذهب مالك ، الاستبصار في ذكر حوادث الأعصار لابن الموقت، حاشية محمد الصبان على شرح العصام، حاشية البيجوري على السمرقندية، حاشية الدسوقي على شرح السمرقندية على الرسالة العضدية، النوازل والأحكام للعلمي، شرح وثائق بناني للهواري، شرح عبد السلام على الجوهرة، مجموع قصائد سيد الحبيب المغاري، حاشية الدمياطي على شرح الورقات، الأنصاص القرآنية للدكتور عبدالعزيز العيادي، إعراب الألفية للأزهري، التلخيص للقزويني مع شرح التفتازاني ، علاج مرض السكر لمحمد رفعت، التنوير في إسقاط التدبير لابن عطاء الله السكندري، التسهيل والبيان على شواهد المكودي لعثمان بن المكي الزبيدي التوزري. ، حاشية حسن العطار على إيساغوجي، نتائج الأحكام في النوازل والأحكام لأحمد بن محمد الرهوني، إظهار التودد بتلخيص حكم الفسخ عند التعدد لأبي عبد الله سيدي محمد الراضي، كتاب فتح الله في مولد خير خلق الله للبناني، تنقيح القول الحثيث بشرح لباب الحديث للسيوطي، مجموع الإفادة في علم الشهادة لمحمد البشير التواتي، المهمات المفيدة في شرح الخريدة لابن زكري، الحجارة المقتية لكسر مرآة المساوي الوقتية للقاضي أحمد السكيرج رد فيه على ابن الموقت ، العالم الإسلامي والمكائد الدولية لفتحي يكن، مفاهيم ينبغي أن تصحح لمحمد قطب، شرح القويسني على السلم المرونق، خطبة السلطان مولاي سليمان، الروضة الندية شرح الهمزية لمحمد سعيد البوصيري ، كيف تكسب زوجتك لإبراهيم بن صالح الحمود، الإذاعة والتلفزيون، خريدة العجائب وفريدة الغرائب للمعري، عنوان البيان وبستان الأذهان لعبد الله الشبراوي ، شرح الألفية لابن الناظم، ديوان إبراهيم ابن بدوي، إبرام النقض لما قيل من أرجحية القبض لمحمد الخضر الجكني الشنقيطي ، قانون المسطرة المدنية، شرح السيوطي للألفية، أبو العلاء المعري، حاشية الوزاني على شرح محمد التهامي، إيقاظ الهمم لابن عجيبة، شرح التصريح على التوضيح لخالد الأزهري.
    هذه بعض العناوين وقد تعمدت اختيار كتب من فنون شتى تبين حسن انتقاء الفقيه لمقتنياته من الكتب والمؤلفات .
    تلاميذه :
    للشيخ تلاميذ نجباء انتشروا في أرض الله ونفع الله بهم البلاد والعباد، أذكر منهم أخواه عبد الله الإدريسي، وعبد الرحمن الإدريسي، والفقيه الحاج بن عمر، والفقيه عمر خياري، والفقيه سيدي الهادي البلغيتي، والفقيه عرفة بلمدني، والفقيه أحمد بن الحبيب إسماعيلي، والفقيه عبد العزيز إسماعيلي، هذان الأخيران هما عمودا تحفيظ القرآن الكريم اليوم في منطقة تافيلالت، وهناك أسماء أخرى لا يتسع المقال لذكرهم جميعا.
    منهجه في تحفيظ القرآن :
    منهجه في تحفيظ القرآن لا يختلف عن محفظي القرآن في منطقة تافيلالت، حيث يكتب الشيخ اللوح للطالب ثم يصححه، ثم يقرأ الشيخ اللوح والطالب يستمع بإصغاء وأدب، ثم يقرأ التلميذ والشيخ يستمع، فإذا أخطأ التلميذ صحح له الشيخ، ثم يذهب التلميذ إلى مكان في المسجد أو سارية أو زاوية من زواياه ويشرع في الحفظ إلى أن يتمكن منه تمكنا جيدا. وكان الشيخ رحمه الله صارما مع تلاميذه وحريصا على عدم تضييعهم الوقت فيما لا ينفع .
    يقسو على طلبته أحيانا، ويلين معهم أحيانا .
    يبدأ التحفيظ كعادة أهل المنطقة بعد صلاة الصبح وقراءة الحزب مباشرة إلى أن يأتي وقت الفطور والاستراحة، ثم يعود التلاميذ إلى المسجد للقراءة والحفظ إلى أن يؤذن المؤذن لصلاة الظهر، وبعد الصلاة يذهب التلاميذ والشيخ إلى منازلهم لتناول وجبة الغذاء والاستراحة إلى أن يصل وقت العصر، وبعد الصلاة تستأنف الدراسة حتى المغرب .
    وبعد صلاة المغرب وقراءة الحزب جماعة يبقى التلاميذ الكبار مع الشيخ يقرؤون القرآن جماعة إلى صلاة العشاء، وبعدها يتم مراجعة المحفوظ من طرف التلميذ منفردا. هذه طريقة الفيلاليين في تحفيظهم للقرآن وأنعم بها من طريقة .
    تعليمه للعلوم الشرعية 
    لم يكتف شيخنا بتعليم طلبته القرآن الكريم فقط، بل شرع يعلمهم العلوم الشرعية من فقه ونحو وتجويد وغير ذلك. درس الفقه بكتاب: الدر الثمين والمورد المعين على المرشد المعين على الضروري من علوم الدين لميارة الفاسي، والنحو بكتاب: الأجرومية بشرح الأزهري، والتجويد بكتاب النجوم الطوالع على الدرر اللوامع في أصل مقرإ الإمام نافع لإبراهيم المارغني وغير ذلك من العلوم....
    عرف رحمه الله بتمسكه الشديد بمذهب الإمام مالك إمام دار الهجرة. يتمسك بالفروع الفقهية المبثوثة في كتب الفقه المالكي لايحيد عنها قيد شعرة. يطالع كثيرا شرحي ميارة الفاسي على ابن عاشر وشروح الشيخ خليل والنوازل الفقهية المتنوعة وكل ماله علاقة بالفقه المالكي. يتمسك برأيه لكنه يستمع لمخالفه وينصت إليه باهتمام ولو كان صغير السن، كثيرا ما كان يزورنا في بيتنا صلة للرحم، فأمي هي أخته من الأب، فيكون مجلسه مجلس علم وفائدة. في بعض الأحيان يتحول المجلس إلى مناظرة ساخنة بينه وبين أبناء أخته في مسائل فقهية متنوعة، لكن الخلاف لا يفسد للود والمحبة والاحترام الواجب في حقه قضية، يبتسم وقد يكثر من الضحك حتى تدمع عيناه، يستميت في الدفاع عن رأيه لكن بالدليل والحجة والبرهان . 
    عندما كبر الشيخ وبلغ من الكبر عتيا، لم يستمر على هذه الوتيرة وتفرق عنه التلاميذ والطلبة، وبقي يؤم الناس ويخطب فيهم ويشارك الناس حياتهم اليومية إلى أن وافاه الأجل رحمه الله وألحقنا به مؤمنين مسلمين طائعين لله تعالى.
    وفاته
    ذهب إلى مدينة الريصاني لشراء ما يحتاجه من مستلزمات، وبعد رجوعه زار أخته في قرية أولاد يحيى بالسيفة، ثم ذهب على قدميه باتجاه قريته وفي الطريق أحس بألم وحمى شديدين فجلس ليستريح فوق الرمال وبين أشجار النخيل، وبعد أن استراح قليلا أتم مسيره إلى أن وصل إلى منزله فاشتد عليه المرض. زرته قبل موته بساعات وقد ظهرت عليه علامات الاحتضار، واجتمع حوله محبوه وأقاربه لمواساته والدعاء له بالشفاء، ورغم مرضه الشديد كان يستجمع قواه كي يذهب إلى مسجده القريب من منزله ليؤم بالناس، لكن رجله لا تستطيع حمله، ويده لا تقوى حتى على حمل نفسها. طلب مني أن أنوب عنه في صلاة الجمعة والخطبة مرات متعددة. لبى داعي ربه بعد حياة حافلة بالعطاء وملازمة لبيوت الله مدة تزيد على الستين سنة رحمه الله. توفي في جمادى الثانية عام 1422 ه الموافق لشهر شتنبر 2001م.
    تنويه: المقالات والمواضيع المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي أصحابها
    Scroll to Top