• صوت القرويين

    الأحد، 2 يوليو 2017

    الاجتهاد الفقهي بين الالتزام والتسيب - الشيخ محمد التاويل

    بسم الله الرحمن الرحيم 
    هذه محاضرة للشيخ الدكتور محمد التاويل رحمه الله بعنوان: 
    الاجتهاد الفقهي بين الالتزام والتسيب 
    تتعالى كثير من الأصوات هنا وهناك تنادي بضرورة الاجتهاد واعتماد فقه جديد يساير التقدم العلمي والحضاري الذي يعيشه المجتمع المسلم المعاصر المفتون بحضارة الغرب والشرق والمتلهف لمعانقتها والارتماء في أحضانها بأي ثمن وأية وسيلة ولو كان التخلص من القيم الدينية والحضارة الإسلامية، والتضحية بها، ما دام ذلك يحقق له الارتباط بتلك الحضارة والتعلق بالعجلة الخلفية لها والانجرار وراءها، وإن تهشم رأسه أو تقطعت أوصاله، لأن الحضارة الغربية تستحق ذلك الثمن وأكثر في رأيه.
    والدعوة إلى الاجتهاد في حد ذاتها دعوة يزكيها الفقه الإسلامي ويتجاوب معها، ولا يمكنه التنكر لها أو معارضتها، وهو ثمرة من ثمرات الاجتهاد ووليد من مواليده؛ نشأ في حضنه وترعرع في كنفه، ولا يسعه إلا مباركة هذه الدعوة وترشيدها والدفع بها إلى الأمام في الاتجاه الصحيح الذي يحدده الفكر الإسلاميّ الأصيل، والمنهج الأصولي الدقيق، والبحث العلمي النـزيه، وقوفا مع نصوص الكتاب والسنة التي تعترف بحق الاجتهاد، وتفرضه على القادر عليه، المتأهل له، وتشجع عليه بإعفاء المخطئ من إثم خطئه ومسؤوليته عنه.
    ولكن يبقى السؤال المطروح هو: لماذا هذه النداءات المتكررة بفتح باب الاجتهاد؟ ولماذا هذا الإلحاح الشديد على إبراز الحاجة إليه ووجوب ممارسته؟ ولماذا الإصرار عليه من قوم لا يؤمنون بالفقه الإسلامي جملة وتفصيلاً؟ اجتهاداً وتقليداً ولا يعرفون عنه قليلاً ولا كثيراً؟ وبذلوا كل جهودهم لمحاصرته وإقصائه من المدرسة والجامعة بعد نجاحهم في إبعاده من قاعات المحاكم وقبة البرلمان ومراكز القرار، ومنعه من التدخل في مراقبة التشريع، وحرمانه من إعلان رأيه، وتجاهل مواقفه في السياسة والاقتصاد ومختلف مجالات الحياة؟!
    لا شك أن دعوة هؤلاء للاجتهاد دعوة مريبة وغير صادقة، يهدفون من ورائها تحقيق أهدافهم الخفية والمعلنة في دفن الشريعة الإسلامية بمفهومها الصحيح وإبعادها من طريقهم، وإقامة فقه عميل ومزور مقامها، يستمد فلسفته وأفكاره من علمانية الغرب وإلحاده، ويستجيب لطموحاتهم في تعطيل نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة باسم الاجتهاد واعتماد فقه جديد كما هو الحال الآن في موضوع تعدد الزوجات وحق الطلاق، وسن الزواج وتوزيع الإرث واقتسام الثروة المكتسبة خلال الزوجية بين الزوجين عند الطلاق وغير ذلك من الموضوعات التي تصطدم فيها مشاريع العلمانيين بنصوص الكتاب والسنة، والتي يحاولون تمريرها بسلاح الاجتهاد الذي يعلقون عليه آمالهم في امتصاص غضب الجماهير المسلمة وسخطهم على المتلاعبين بدينهم والمتألبين على شريعتهم باسم الاجتهاد والتجديد.
    إلا أن هذه المناورات لا تفيد شيئاً في هذه المواقف وهذه الموضوعات.
    أولاً: لأن هذه القضايا المتنازع فيها وحولها هي من القضايا المعلومة من الدين بالضرورة، ثابتة بالنصوص القطعية التي لا تحتمل التأويل، ولا تقبل إلا قراءة واحدة لا أكثر ـ كما يحلو للبعض أن يقوله ـ وهي بذلك غير قابلة للمناقشة لا صاخبة ولا هادئة، والمناقشة حولها والاجتهاد فيها لا يمكن أن يأتي بجديد يختلف عما قررته الشريعة الإسلامية في مصادرها الأولى بمنتهى الصراحة والوضوح، ولا تتعدى المناقشة فيها أن تكون جدلاً عقيماً لا يستند إلى علم ولا كتاب مبين، ولا يهدف إلى معرفة الحق بعد اتضاحه، ولا يقصد منه إلا إضلال الخَلْق وإبطال الحق.
    والإنسان أمامها بين خيارين لا ثالث لهما: إما الإيمان بها وتقبّلها ثم البحث عن حِكَمها وأسرارها، وإما الإعلان عن رفضها وإنكارها، فيسقط في هاوية الإلحاد والكفر بشريعة الله {ومن كَفَرَ فإن الله غني عن العالمين}. 
    وأما ثانياً: فإن الاجتهاد في الإسلام ليس بالسهولة التي يتخيلها البعض أو يصورها البعض الآخر (فَكِّرْ وقُلْ)، فالاجتهاد الشرعي ليس هو التفكير المجرَّد المنطلق من الفراغ والعقل وحده. لأن العقل وحده ليس مؤهلاً للاستقلال بمعرفة الأحكام الشرعية، وليس سبيلاً صحيحاً لمعرفتها أو إنشائها وتشريعها بعد البعثة باتفاق المسلمين وقوفاً مع قوله تعالى: {إنِ الحُكْمُ إلاَّ لله}. 
    والاجتهاد أيضاً ليس هو التجول في بلدان الآخرين وقوانينهم والتعرف على أخلاقهم وحضارتهم واختيار ما يعجب السائح المنبهر ويروق الجاهل المستلب من ذلك واستيراده تحت غطاء الاجتهاد وإعفاؤه من واجب التفتيش والمراقبة والتأكد من صحته وصلاحه وسلامته من الآفات.
    كما أن الاجتهاد الفقهي أيضاً ليس هو اتّباع الهوى، ولا ركن ما يطلبه الحاكمون والمسؤولون أو المستفتون، كما يريده البعض أن يكون، وذلك لسببين:
    أولهما: أن الهدف والحكمة من بعثة الرسل وشرع الشرائع هو مقاومة الهوى، والحدّ من طغيانه في حياة الناس، وعلاقتهم بغيرهم وتصرفاتِهم معهم أو مع أنفسهم، وإخضاعهم لشريعته تعالى وإلزامهم بطاعته وعبادته والانقياد إلى أحكامه على كل حال.
    وثانيهما: أن الهوى والشريعة أمران لا يجتمعان، فالهوى عين الباطل وأخوه الذي لا يفارقه، والشريعة عين الحق والصواب. ولذلك قارن الله بين الحق والهوى في أكثر من آية، وأمر باتّباع الحق والوحي، ونهى عن اتباع الهوى، وحذّر من عاقبته، فقال: {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تَتَّبع الهوى فيُضلَّك عن سبيل الله}، وقال: {ولو اتَّبع الحقُّ أهواءَهم لفسدتِ السماوات والأرض ومن فيهن}، وقال أيضاً: {ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتَّبعْها ولا تَتَّبع أهواء الذين لا يعلمون. إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً}. وقال: {إتَّبِعوا ما أُنزِل إليكم من ربكم ولا تَتَّبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكّرون} إلى غير ذلك من الآيات التي تحذّر من اتِّباع هوى النفس، وهوى الغير مهما كان ذلك الغير. وما زال العلماء يعيبون اتِّباع الهوى حتى في اتّباع الرخص، واختيار بعض المذاهب على بعض، ويرون ذلك نوعاً من الفسق وانحرافاً عن المنهج السوي في اتِّباع الدليل، والوقوف معه، يقول الشاطبي رحمه الله في تعليقه على قوله تعالى: {وما ينطق عن الهوى. إنْ هو إلاَّ وحي يوحى}: فقد حصر الله الأمر في شيئين: الوحي وهو الشريعة، والهوى فلا ثالث لهما، وإذا كان كذلك فهما متضادَّان، وحين تعيّن الحق في الوحي توجّه للهوى ضدّه، فاتّباع الهوى مضاد للوحي [الموافقات 2/129].
    وهكذا يتبين أن الاجتهاد الشرعي ليس واحداً من الثلاثة: ليس استحسان العقل، ولا اتِّباع الهوى، ولا النقل والاستيراد وتقليد ما عند الغير. ولكن الاجتهاد في مفهومه الإسلامي الشرعي الأصولي والفقهي هو العكوف على النصوص الشرعية وأدلتها المختلفة وتقليبها ظهرا لبطن، والانكباب على دراستها دراسة وافية وعميقة، والبحث الجادّ في ثناياها واستنطاقها والاستماع إلى مختلف أدلتها ودلالاتها، والغوص العميق في حكمها وأسرارها، والمقارنة بين المتعارض منها، في محاولة جادّة وهادفة ومتجردة عن التوجيهات والأغراض الشخصية والحزبية للعثور على الجواب المطلوب من خلالها، ومن بين ثناياها، وداخل أحشائها ورحمها حتى يصح نسبه لها وانتسابه إليها، وحتى يكون حكماً شرعياً حقاً وصدقاً، مَوْلداً وروحاً وهدفاً، خرج من صلب الفقه، ورحم الشريعة، لا يهدِم أصلاً من أصولها ولا يناقض مبدأ من مبادئها الثابتة، وليس لقيطاً متبنّى لا يُعرف له أصل ولا فصل، ولا أب ولا أمّ استُورد لضرب الشريعة وهدمها باسم الاجتهاد لإقامة العلمانية الملحدة على أنقاضها باسم الحداثة والعصرنة والتجديد.
    والاجتهاد بهذا المعنى وبهذا المفهوم الشرعي الأصولي الفقهي يتطلب جهوداً جبارة وأهلية خاصة وكفاءة عالية في علوم الشريعة الإسلامية واللغة العربية وعلومها، فهو يتطلب:
    l معرفة تامة وواسعة بآيات الأحكام وأحاديثها من كتاب الله وسنة رسوله، وبأسباب النـزول والورود، والمتقدم والمتأخر، والناسخ والمنسوخ منهما، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والظاهر والمؤوّل، والمجمل والمفسر، والمتواتر والآحاد، والصحيح والضعيف، وأحوال الرواة، والجرح والتعديل، ومواقع الإجماع والاختلاف. والبراءة الأصلية والقياس وشرائطه.
    l كما يتطلب معرفةً دقيقة باللغة العربية وعلومها من صرف ونحو واشتقاق وبلاغة، وخبرةً عالية بأصول الفقه، وإحاطةً بمعظم قواعد الشرع وممارستَها، بحيث يكتسب قوة يفهم بها مقاصد الشرع.
    بالإضافة إلى صفات شخصية لا بد منها وهي: الفطانة وفَقاهة النفس، والعدالة والأمانة العلمية، والثقة والصدق في القول ليؤخذ برأيه، ويُسمع إلى كلامه، ويُعمل باجتهاده. هذه هي أهلية الاجتهاد الشرعي التي تخوِّل صاحبها حقَّ الاجتهاد وممارسته باستحقاق وجدارة، وتوجبه عليه عند الحاجة إليه، وهي أهلية لا يتمتع بها كل أحد، وخاصة الغرباء عن اللغة العربية والأميِّين في الشريعة الإسلامية بل كثير من الفقهاء لا تتوفر فيهم هذه الشروط ولا يتمتعون بهذه الأهلية، وقد كان أكثر الصحابة والتابعين ومن تبعهم يستفتون غيرهم في قضاياهم الشخصية، ولا يجتهدون فيها، ويُحجمون عن الإفتاء لنفسهم وغيرهم اعترافاً منهم بخطورة الاجتهاد في الدين، بالرغم من معرفتهم باللغة العربية، ولم يحفظ التاريخ الإسلامي إلا عدداً محدوداً من المجتهدين.
    ولهذا يُعرِّف الأصوليون الاجتهاد بأنه: استفراغ الفقيه الوُسْع لتحصيل ظنٍّ بحكمٍ شرعي، ويعرفون المجتهد بأنه: الفقيه الحائز على تلك المؤهلات العلمية والشخصية السابقة. وبهذا يتبين أن الاجتهاد الشرعي من اختصاص النُّخبة الممتازة من الفقهاء المؤهلة لتلك المهمة الصعبة، مهمة التحدث عن حكم الله، والإعلان عن مراده سبحانه في قضية من القضايا المجتهَد فيها.
    وليس في هذا احتكار للاجتهاد ولا انتقاص من قدر غيرهم من العلماء والمثقفين الآخرين كما يمكن أن يدعيه البعض، ولكنه من المنطق والحق إسنادُ الأشياء إلى أهلها، والضربُ على أيدي المتطفلين عليها، ومنعُهم من الخوض فيها حتى لا يطالهم الحديث الشريف: «إذا أُسنِدت الأمورُ إلى غير أهلها فانتظر الساعة». وليس هذا خاصاً بالاجتهاد الفقهي، ولكنه مبدأ عام يسري مفعوله في كل العلوم وكل المجالات.
    ثم يختتم الدكتور التاويل مقاله قائلاً:
    وإذا كان بعض الناس يفهم أن الاجتهاد هو تبديل حكم الله والأخذ بحكم البشر، وتطبيق شريعة الغرب بدلاً من شريعة الله، فليعلنها صراحة ولا يلبس على العامة باسم الاجتهاد والتجديد ولا يخادع الله، فإن من يخادع الله يخدعه الله كما قال تعالى: {يخادعون الله وهو خادعهم}. 
    وهكذا يتبين أن الدعوة للاجتهاد والتلويحَ بإمكانية تغيير الثوابت الشرعية عن طريقه هي دعوة ضالة مضلة محكوم عليها بالفشل، ولن تجد لها صدىً في صفوف الفقهاء الصادقين، ولن يخيفهم التهجم عليهم والتشهير بهم وإيغار صدور البسطاء عليهم، فإن الحق واضح بيِّن يشع نوره ولو كره الكافرون

    استثمار القواعد الفقهية والأصولية في اكتساب الملكة الاجتهادية
    مفهوم الحصر عند الأصوليين وأثره في الاستنباط الفقهي والاجتهاد العلمي .
    فضيلة الدكتور :محمد التاويل 
    بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحابته أجمعين ,
    فضيلة الأستاذ الدكتور عبد الله الهلالي الذي يشرف على هذه الوحدة التي أتشرف بمشاركتكم الاحتفال بنهاية السنة الدراسية فيها ،واستجابة لرغبته التي لاترد ، وطلبه الذي لا يمكن تجاهله ، أبيت إلا أن آتي للمشاركة في هذا الحفل بقسط من الكلام ، لا أقول بمداخلة علمية ، ولكنها قد تكون كلمات فيها بعض العلم ، وفيها ما لا يمكن أن يسجل في ميزان العلم ، لكن تقبلوا كلما تسمعون ، ولكم الشكر في ذلك ….
    في نطاق هذا التوجه أو في نطاق هذا الاتجاه الذي اختاره الدكتور السيد عبد الله الهلالي ،وهو استثمار القواعد الأصولية في الوصول إلى اكتساب الملكة الاجتهادية ، اخترت أن أتحدث في موضوع له علاقة بهذا المجال وهو : مفهوم الحصر عند الأصوليين وأثره في الاستنباط الفقهي والاجتهاد العلمي .
    فالحصر في اللغة لا نضيع الوقت في الحديث عنه ، فنحن لسنا لغويين ،لكننا سنتحدث عن الحصر عند الأصوليين ، فالحصر معناه : إثبات الحكم لشيء ونفيه عما سواه ، فالحصر يفيد حكمين ، حكما ثبوتيا وحكما سلبيا ، أحدهما منطوق والآخر مفهوم ، هذه قاعدة صيغ الحصر ، وهي صيغ كثيرة متعددة ومتنوعة ، نأخذ من بينها أعلاها وأقواها وأشدها دلالة ،وهو النفي والإثبات ، أي الجملة التي تبتدئ بنفي ثم يتبعها إثبات ، وخير مثال على ذلك: كلمة " لا إله إلا الله " ، هذه الصيغة تدل على حكمين ، ثبوت الألوهية لله عز وجل ونفيها عما سواه ، هذا شيء يفهمه الجميع ،وهي كلمة ذات دلالتين : إحداهما منطوق والآخر مفهوم، ويبقى الجدل أيهما المنطوق وأيهما المفهوم ؟؟
    يرى الكثير من الأصوليين أن المنطوق هو ثبوت الألوهية لله عز وجل ، والمفهوم هو نفي الألوهية عن الله عز وجل ، هذا رأي تبناه الكثير من الأصوليين ، والرأي الآخر عكس هذا ، أن المنطوق هو نفي الألوهية عن غير الله عز وجل ، والمفهوم هو ثبوت الألوهية لله عز وجل ،
    أصحاب الرأي الأول حجتهم أن اعتبار المنطوق هو : نفي الألوهية عن الله عز وجل ، والمفهوم هو ثبوت الألوهية لله عز وجل فيه نوع من تضعيف الدلالة على الوحدانية ، لأن الوحدانية بهذا المعنى هي بطريق المفهوم ، والمفهوم أضعف من المنطوق ،ولذلك ارتأوا أن المنطوق هو ثبوت الألوهية لله عز وجل والمفهوم هو نفي الألوهية عن الله ، بينما الرأي الثاني ،
    هو العكس وهو الأصح ، لأن الجملة تبتدئ بالنفي " لا إله " ، فإذن ؛المنطوق هنا هو نفي الألوهية " لا إله " ، هذا هو المنطوق ،و "إلا الله " هذا هو المفهوم، والإشكال الذي يطرح هاهنا ، يمكن الإجابة عنه بأن هذا التعبير وهذه الكلمة ، جاءت للرد على المشركين الذين كانوا يعتقدون أن مع الله تعالى آلهة أخرى.
    المهم إذن هو النفي عن الآية ، ولذلك نفيها بطريق المنطوق أهم من النفي بطريق المفهوم،هذا بحث توسع فيه الأصوليون كثيرا ، ولكن أين يظهر أثره في الاجتهاد الفقهي ؟
    عندما نقرأ قول الله تعالى '' قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس '' 
    هذه الآية فيها نفي وإثبات ، تدل على تحريم هذه المذكورات ، وإباحة ما عداها ، ولكن أيهما المنطوق وأيهما المفهوم ؟ 
    وعندما نجد نصا آخر يتعارض مع دلالة هذه الآية ، هل نعتبر بتعارض المنطوق والمفهوم فيقدم المنطوق على المفهوم، أو من تعارض المنطوقين ، فنصير إلى الترجيح ؟
    الذين يرون أن المنطوق هو تحريم هذه المذكورات قالوا : هذا هو المنطوق وما عداها مباح .
    عندما نجد الحديث الصحيح يقول فيه ص : " أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير حرام " ، هذا حديث صحيح يدل بمنطوقه على تحريم هذه الحيوانات ذوات المخالب وذوات الأنياب ، كل ذي مخلب من الطير وكل ذي ناب من السباع حرام ، فالحديث يدل على هذه بطريق المنطوق ،والآية تدل على تحريم المذكورات ، وإباحة ماعداها ، وإذا كانت إباحة ما عدا المذكورات بطريق المنطوق يكون هنا تعارض بين منطوقين ، منطوق القرآن ومنطوق السنة فيقدم أحدهما على الآخر ، أو يرجح أحدهما على الآخر ، على خلاف بين الأصوليين ، هناك جماعة من الأصوليين ترى تقديم القرآن على السنة بصفة عامة، كلما تعارض القرآن والسنة فكلمة القرآن أولى، لأنه الأصل والمصدر الأول كما يشاع ويقال ..
    الرأي الثاني يرى أن السنة هي التي تقدم على الكتاب لأن الله عز وجل يقول : '' وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم " ، والبيان يقضي على المبين ، البيان هو نهاية المبين ، وبذلك تكون السنة مقدمة على الكتاب عندما يتعارضان .
    ولكن هنا عند الأصوليين ، أن كلا من الكتاب والسنة في درجة واحدة ،لأن كليهما وحي من عند الله عز وجل معصوم من الخطأ ، وحينئذ عندما يتعارضان ننتقل إلى الترجيح ، وههنا نجد الآية تدل على إباحة ما عدا المذكورات ، والحديث يدل على تحريم هذه الأشياء ، أي ذوات الناب وذوات المخلب،والقاعدة الأصولية أن (الحظر مقدم على الإباحة) ،عملا بالقاعدة المشهورة أن (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح)، لأن النهي معناه درء المفاسد ن ولأن الإباحة معناها تحقيق المصالح ، وعندما تتعارض المصلحة والمفسدة تقدم درء المفسدة على جلب المصلحة ، فإذن ، الخلاف أصولي ، ولكنه أعطى الكثير من التطبيقات الفقهية ..
    هذا كمثال ، وهو عندما يجتمع النفي والإثبات، وهذا النوع كما قلنا هو أعلى صيغ الحصر ، كما يقول ابن السبكي.(مثاله : لا عالم إلا زيد)
    هذه إذن إحدى الصيغ التي تفيد الحصر ، وهي كثيرة في القرآن الكريم ،عندما تقرؤون القرآن ستجدون هذه الصيغ متعددة ، وفي السنة النبوية كثير منها أيضا ، مثل الحديث : 
    • " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " ، ومعناه أن الصلاة بفاتحة الكتاب صحيحة ،والصلاة بدونها فاسدة ، ولكن أيهما المنطوق وأيهما المفهوم ، يجري على هذا الخلاف .
    • " لا نكاح إلا بولي " ، هذه الصيغة أيضا صيغة نفي وإثبات ، تدل على صحة النكاح بالولي ، وعلى بطلان النكاح بدون ولي .

    • أيضا عندما يقول النبي ص : " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد '' 
    إذن النفي والإثبات أقوى دلالات الحصر ، ودائما هذه الصيغة تفيد حكمين ، حكما ثبوتيا وحكما سلبيا ، أحدهما منطوق والآخر مفهوم ، هذا الخلاف الذي استمعنا إليه ، محصور في هذه الصيغة ؛ صيغة النفي والإثبات ، وهناك طرق أخرى من طرق الحصر لا خلاف فيها بين الأصوليين ، في تحديد المنطوق المعروف ، وفي تحديد المفهوم .
    من بين هذه الصيغ كلمة : "إنما " ، وإنما أداة حصر كما يقول النحاة ، وهو معنى الحصر عند الأصوليين . 
    " إنما " تدل على ثبوت الحكم لما بعدها ونفيه عما سواها، إذا أخذنا حديث " إنما الربا في النسيئة " ، هذا الحديث بهذه الصيغة وبهذه الرواية يدل على حصر الربا في النسيئة ، وهو التأخير والتأجيل ، عندما يباع الشيء بمثله إلى أجل ، ذهب بذهب إلى أجل ، فضة بفضة إلى أجل ، طعام بطعام إلى أجل ... هذه كلها تدخل في سياق الربا بنص هذا الحديث " إنما الربا في النسيئة " 
    ومعلوم أن التفاضل : عندما يكون أحد الطرفين بذل أكثر من الطرف الآخر؛ درهم مقابل درهمين ، أو قنطار مقابل قنطارين، هذا ما نسميه ربا الفضل ، أي زيادة أحد العوضين عن العوض المماثل له في الجنس والطعم أو الكيل ..
    هذا إذن معنى أنه لا يحرم ، إذن الربا محصور في النسيئة مباح في التفاضل، هذا هو الذي أوقع ابن عباس في القول بإباحة ربا الفضل ، وهذا الذي تمسك به بعض المتأخرين في إباحة التفاضل وفي الجنس الواحد ،اعتمادا على هذه الصيغة من جهة ، واعتمادا على رأي ابن عباس من جهة أخرى ، ولكن كلا السندين غير صحيحين ، لكن رأي ابن عباس وقد ثبت عنه رضي الله عنه أنه رجع عنه ، ولم يمت حتى أعلن أن ربا الفضل حرام ، كربا النسيئة ، وأما عن الحديث فهو ذو تأويلين : 
    • التأويل الأول : يرى أصحابه أن الحديث من باب الحصر الإضافي ، ومعناه أنه عندما تكون الأشياء مختلفة الأجناس لا يحرم منها إلا النسأ ، أما الفضل فصحيحة ،ولذلك جاء في الحديث الآخر ، " فإذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد "
    • الإجابة الثانية عن هذا الحديث أيضا ، هو أن الحديث يدل على إباحة ربا الفضل بطريق المفهوم،وكما قلت من قبل : لا خلاف بين الأصوليين أن المنطوق هو إثبات ما بعد " إنما " ، وأن النفي هو من قبيل المفهوم ، وإذن ، إذا كان الحديث يدل على تحريم ربا الفضل بطريق المفهوم ، وهناك أحاديث كثيرة تدل على تحريم ربا الفضل بطريق المنطوق ، منها حديث : " الذهب بالذهب مثلا بمثل... " إلى أن قال في نهايته فمن زاد أو استزاد فقد أربى " ، وأحاديث كثيرة بهذا المعنى لا نطيل بذكرها ، ولكن هذه الأحاديث كلها تدل على تحريم ربا الفضل بطريق المنطوق ، ولذلك : المنطوق مقدم على المفهوم .
    هذا نموذج من دلالة الحصر " إنما " 
    وفي حديث آخر عن النبي ص قال : " إنما جزاء السلف ، الوفاء والحمد " ، تسلف رسول الله ص من امرأة مالا ورده إليها ، ولم يزدها شيئا ، وقال : " إنما جزاء القرض ـ أي السلف ـ هو الوفاء ؛ أي رد الدين بكامله دون نقصان ، وشكر الدائن المقرض ، أما الزيادة التي كانت متعارفة ، فمعمول بها في النظام المالي الجاهلي ، ولا مكان لها ولا تشرع في نظام الإسلام أو في النظام المالي الإسلامي . ولذلك يقول : إنما جزاء السلف الوفاء والحمد " 
    هذه أيضا صيغة أخرى ، وهي موجودة بكثرة كثيرة في نصوص القرآن وفي نصوص السنة ،أخذنا هذين المثالين ، لنعرف كيف نفهم دلالة إنما على حكمين في آن واحد ، أحدهما منطوق والآخر مفهوم، وفرق في القوة بين المنطوق وبين المفهوم .
    هذا نموذج ثان من طرق الحصر 
    أنموذج آخر من طرق الحصر ، ما يعرف عندهم بتعريف المبتدأ ب " أل " التي للجنس أو للاستغراق 
    في حديث صحيح متفق عليه ، رواه الشيخان رضي الله عنهما ، يقول النبي ص : " الولد للفراش ". 
    هذه الجملة من مبتدأ وخبر ، ولكن المبتدأ معرف ب " أل " ، ومعناه ، أو كيف ينحل هذا المعنى : ليس الولد إلا للفراش ، كل ولد جاء خارج الفراش ، أي خارج الزوجية ، ليس ولدا شرعيا ، هذا المعنى أفادنا حكما وهو : أن كل مولود ولد على الفراش هو ابن شرعي ، ولا حق للزوج أن ينفيه إلا بطريقة واحدة شرعها الله على الزوجين ، قول الله تعالى : والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ... " الآية 
    فإذن ، هذا الحكم أعطى للزوجة حصانة وضمانة في ثبوت نسب ولدها، ولا يستطيع أي زوج أن يتعدى على هذا النسب وأن ينفيه باسم ما يسمى " البصمة الوراثية " .
    البصمة الوراثية التي يقال أو يعمل بها ، تجعل أنساب الناس كأنساب الحيوان ، تعتمد على النطفة وعلى الأبوة الطبيعية ، نحن لسنا حيوانات ، الإنسان شرفه الله تعالى ، ولم يأذن للعلاقة الزوجية إلا بشروط محددة ينبني عليها ثبوت هذا النسب ، كما أنه سد الباب في وجه كل من تحاول أن تلحق أبناء غير شرعيين ممن مارست معه عملا غير شرعي ، والحديث كما ترون ، يبين حكمين : أن كل ولد وُلد على الفراش فهو ابن شرعي ، وكل من ولد خارج الفراش ، ليس ابنا شرعيا ، ولهذا أكدته الجملة التي بعدها ، وهي قوله ص : " وللعاهر الحجر " ، وهذا هو الأسلوب الثالث من أساليب الحصر ، وهو تقديم الخبر على المبتدأ ، ومعناه : ليس للعاهر إلا الحجر ، أي الرجم أو الخيبة والحرمان ... وإن اختلفا في هذا المعنى ، لكنهما يفضيان إلى نتيجة واحدة ، وهي أن العاهر لا حق له في النسب ، وأن نصيبه من هذه الجريمة ، إما أن يرجم رميا بالحجارة ، وإما أ، يلقم الحجر في فيه (..) ، فيوضع في فاه التراب والحجر ، كناية عن الحرمان .
    هذا إذن أسلوب آخر من أساليب الحصر التي ينبغي للدارس أن يراعيها في التعامل مع نصوص الشريعة كتابا وسنة .
    هذا النموذج موجود بكثرة كثيرة في نصوص القرآن ونصوص السنة ,
    • يقول الله تعالى " لله الأمر من قبل ومن بعد " ، أي ليس الأمر إلا لله 
    • يقول الله تعالى " ألا له الحكم " أي ليس الحكم إلا لله ، وهذا ما أكدته آية أخرى حينما يقول تعالى : " إن الحكم إلا لله " ، وهي آية تكررت أكثر من مرة ، لتبين للناس جميعا أن السنة التشريعية لله وحده ، وأنه ليس من حق أي أحد أن يشرع شرعا غير ما شرعه الله عز وجل ، هذا أسلوب آخر إذن من أساليب الحصر.
    وفي الحديث النبوي يقول ص : المؤمن من أمنه الناس على أرواحهم وأموالهم " ، " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده " ، " المهاجر من هجر ما نهى الله عنه " ، هذه هي الأمثلة كما ترون ، فيها تعريف المبتدأ ب " أل " المفيدة للحصر ، لكن إن جئت بهذه النماذج للإشارة إلى أن الحصر قد يكون حصرا حقيقيا ، بمعنى أن النفي والإثبات مطردان بلا استثناء ولا تخلف ، لا في حالة الإثبات ولا في حالة النفي ، هذا ما نسميه بالحصر الحقيقي ، حينما نقول : " إن الحكم إلا لله " ، أي ليس الحكم إلا لله ، هذا بشقيه ؛ كل الأحكام لله ، وكل ما سواه لا حق له في وضع الشرع ، لكن عندما يقول النبي ص :"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده " فهل معنى هذا أن من يؤذي المسلم في ماله أو عرضه ليس مسلما ؟ ، نحن عندنا في العقائد أنه لا يكفر أحد بذنب ، ولذلك عندما نتعامل مع النصوص لا ننسى أصول العقائد ، فالحديث كما ترون إذا أخذ بمقتضى القاعدة الأصولية التي قارناها ، وهي إفادة الحصر ، سوف نقع في مزلقة المعتزلة أو الخوارج الذين يكفرون بالذنب ، أي ليس المسلم إلا من سلم المسلمون من لسانه ويده ، فكل من آذى مسلما في ماله أو عرضه أو في بدنه ليس مسلما ، هذا فهم خارجي ، وقريب منه الفهم الاعتزالي ، فالخوارج يكفرون بالذنب ، وهذه القاعدة قد تخدم مذهبهم ...
    ولكن ـ نحن نقول ـ : الإسلام درجات ، وكل الأخلاق الحميدة ليست في مستوى واحد ، حتى نتائج الامتحان مثلا هناك المتفوق ، وهناك المتوسط ، يقول تعالى : " انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا " ، هذا التفاوت هو مجال للمنافسة والتسابق ، " وفي ذلك فليتنافس المتنافسون " ، وإذن معنى هذا أن المسلم الكامل والمؤمن الكامل والمهاجر الكامل ، فهذا حديث ليس عن أصل الإيمان وعن أصل الإسلام ،ولكن عن الفرد الكامل ، والنموذج المثالي الذي نرجو أن تكونوا أنتم من يمثل هذا النموذج الكامل الذي ننتظره ونعلق عليه كل آمالنا إن شاء الله تعالى.
    فإذن هذا أسلوب آخر من أساليب الحصر ، وهي كما رأينا في هذا النموذج (...) ، جئنا به لمجرد التذكير ، " للعاهر الحجر " وقوله تعالى :" لله الأمر من قبل ومن بعد " فهذه النماذج كلها تدخل في دلالة الحصر ، وهو نوع من أنواع مفهوم المخالفة عند الأصوليين ، ومفهوم المخالفة : هو عبارة عن دلالة النص على حكم المنطوق وحكم يخالف المنطوق .
    ولا أطيل عليكم ،وأستسمحكم ،وشكرا لكم ، وشكرا للأستاذ الذي تفضل بدعوتنا لرؤيتكم والحديث إليكم، وألف شكر لكم جميعا.. والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
    تنويه: المقالات والمواضيع المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي أصحابها
    Scroll to Top