• صوت القرويين

    الاثنين، 31 يوليو 2017

    خطبة "شدة الحر نفس من النار" | عبد الله بنطاهر


    خطبة بعنوان: "شدة الحر نفس من النار"
    بمناسبة ارتفاع درجة الحرارة 
    طلب مني بعض الأئمة إعادة نشرها لعلها تكون مناسبة في هذه الأيام؛ نظرا لارتفاع درجة الحرارة لمن أحب أن يستأنس بها، أو يوظفها بعد أن ينظفها، فينقحها من أخطائي ليلقحها بأفكاره والرجاء منه أمران:

    1) الدعاء لي -بعد الإخلاص- عن ظهر الغيب.
    2) غض البصر -بعد الإصلاح- عما فيها من العيب.


    تاريخ إلقائها لأول مرة: 3 جمادى الأولى 1421 هـ 2 / 8 / 2000 م.
    ثم أعيدت 5 جمادى الثاني 1425هـ 23 / 7 / 2004م،

    بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه. 
    الحمد لله الذي جعل حرارة الصيف إنذارا وتذكيرا، وبين لنا أن من الناس من كانت لهم النار موردا ومصيرا، وأشهد أن لا إله إلا الله خلق الزمان فقدر فيه الفصول الأربعة تقديرا، وحذرنا من الفتن والمصائب تحذيرا، وأشهد أن سيدنا محمدا أرسله الله إلى الناس كافة بشيرا ونذيرا، فكان في ظلام الكفر الدامس سراجا منيرا، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم يحدد مصير الناس جنة أو سعيرا.

    أما بعد، فيا أيها الاخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.
    دعونا نبدأ خطبة اليوم من واقع نعيشه في هذا الأيام، يحذرنا به الله تعالى من النار وبئس المصير. إنها هذه الأيام بلهيبها، وهذه الموجة من الحرارة الشديدة التي تجتاحها، قد امتد الحر إلى كل شيء بسبها، وتصببت الوجوه عرقا بلسعاتها، وتألم الناس من أجلها، وضاقت الأرض بما رحبت على من فيها، فأصبحت المنازل أشبه بالتنور وخصوصا مساكن دور الصفيح، فلا تكاد تجالس أحدا إلا ويبادلك الشكوى من هذه الحرارة المفرطة.
    أتدرون بما ذا يذكرنا الحرارة؟ إنه يذكرنا بأن جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون والرسولﷺ يربط بين حر الصيف وحر جهنم ويبين أن حر الصيف ليس إلا نفسا من حر جهنم، فيقول فيما روى البخاري ومسلم: "اشتكت النار إلى ربها فقالت: ربي أكل بعضي بعضا، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف، فهو أشد ما تجدون من الحر وأشد ما تجدون من الزمهرير". 
    والشيء الذي يلفت الانتباه عندما يشتد الحر في أي مكان، أنه لا يكاد الحر ينفخ بنفخاته حتى تمتلأ الشواطئ بالناس في اختلاط مشين، فتمتزج الذئاب بالشياه، وتصطدم أجسام الفتيات العاريات الفاتنات، بأجسام الفتيان العراة الغاوين، ويفتح الشيطان سوقا من أسواقه يعرض فيه لحوم النساء الحرام، المسلوخات عن عفتهن وحصانتهن، أمام رجال تجردوا من شرفهم وغيرتهم. والغريب والله هؤلاء الذين لا تزيدهم حرارة الصيف إلا تقربا من حرارة جهنم! فبمجرد أن تلسع الحرارة أجسامهم، يتجردون من الثياب فيعربدون في الشوارع شبه عراة، ويشدون الرحال إلى الشواطئ أفواجا، فينسلخ الجميع عن العفة والصيانة، في منتجعات الويل ومستنقعات الرذيلة، كأن حر الصيف لم يزدهم إلا شوقا إلى مصدره ومنبعه وهو نار جهنم كما أخبرنا بذلك رسول اللهﷺ؛ كان الأولى بنا أن يذكرنا هذا الحر بمصدره الأصلي ومنبعه الرئيسي {قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون}! كان الأولى بنا أن نمتثل هذا النداء الخطير الذي يقول الله تعالى فيه: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة}! كان الأولى بنا أن نتأمل حرارة النار في تألمنا من حرارة الصيف! {وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا}! ورحم الله أبا إسحاق الألبيري حين قال:
    تفر من الهجير وتتقيه * * * فهلا من جهنم قد فررتا
    ولست تطيق أهونها عذابا * * * ولو كنت الحديد به لذبتا
    أيها الاخوة المؤمنون ينبغي أن نقف عند مصدر هذا الحر، وقفة المتأمل الخائف الوجل من عذاب الله، نعظ أنفسنا بهذه النار وشدائدها، علنا نؤوب إلى الطريق المستقيم قبل أن نحترق بلهيبها، علنا نقتلع من ذنوبنا قبل أن نكون من وقودها، يقول الرسولﷺ فيما روى الترمذي: «ما رأيت مثل النار نام هاربها، ولا مثل الجنة نام طالبها» وكان عمر يقول: «أكثروا من ذكر النار، فإن حرها شديد، وإن قعرها بعيد، وإن مقامعها حديد».
    فإذا سألت أيها الأخ المسلم عن مادة اشتعالها؟ فتجيبك الآية الكريمة: {وقودها الناس والحجارة} ما أفظعها نارا هذه التي يكون فيها الناس كالحجارة في مهانتها وقذفها. 
    وإن سألت عن درجة حرارتها؟ فيقول لك الحبيب المصطفىﷺ فيما روى الشيخان: «ناركم هذه التي يوقد ابن آدم جزء من سبعين جزءا من حر جهنم. قالوا: والله إن كانت لكافية يا رسول الله! قال: فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلها مثل حرها». والله تعالى يقول: {يصلى النار الكبرى ثم لا يموت فيها ولا يحيا}.
    وإن سألت عن عمقها؟ فاسمع إلى أبي هريرة وهو يقول: «كنا مع النبيﷺ إذ سمع وجبة –أتدرون ما هي الوجبة؟ شيء ثقيل سقط فأحدث صوتا مزعجا– فقالﷺ: أتدرون ما هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفا، فهو يهوي في النار إلى أن انتهى إلى قعرها». لها سبعة أبواب اختار الله لها أبشع الأسماء، وأخبث الصفات، فهي جهنم والسعير ولظى وسقر والجحيم والهاوية والحطمة. {وإن جهنم لموعدهم أجمعين لها سبعة أبواب لكل منهم جزء مقسوم}. 
    وإن سألت عن هوائها وظلها؟ فهواؤها السموم وظلها اليحموم، والسموم: ريح حارة من النار تنفذ في مسام البشرة. واليحموم: دخان شديد السواد. وهناك يخيم أصحاب الشمال في منتجعات السموم واليحموم يقول الله تعالى: {وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال في سموم وحميم وظل من يحموم لا بارد ولا كريم إنهم كانوا قبل ذلك مترفين، وكانوا يصرون على الحنث العظيم، وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون، أو آباؤنا الأولون}.
    وإن سألت عن مشروباتها؟ ففيها مشروبات تنتجها شركات الزبانية، منها مشروب الحميم ومشروب الغساق وعصير طينة الخبال. أما الحميم فهو ماء شديد الحرارة. وأما الغساق وطينة الخبال فهو مشروب مستخلص من صديد وقيح أهل النار. يقول الله تعالى: {لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا، جزاء وفاقا} ويقول النبيﷺ فيما روى الإمام مسلم: «كل مسكر حرام إن على الله عهداً لمن شرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال قالوا يا رسول الله وما طينة الخبال؟ قال عرق أهل النار، أو عصارة أهل النار». ويقولﷺ فيما روى الترمذي وصححه: «يُحْشَرُ المُتَكَبّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذّرّ فِي صُوَرِ الرجالِ، يَغْشَاهُمُ الذّلّ مِنْ كُلّ مَكَانِ، فيُسَاقُونَ إِلَى سَجْنٍ فِي جَهَنّمَ يُسَمّى بُولَس (قال في القاموس: بولس بضم الباء وفتح اللام: سجن في جهنم) تَعْلُوهُمْ نَارُ الأَنْيَارِ يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النّارِ طِينَةَ الْخَبَالِ»، ويقولﷺ فيما روى الترمذي: «لو أن دلوا من غساق يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا». 
    وإن سألت عن مياهها الصالحة للشرب؟ فهي من نهر اسمه نهر الغوطة منابعه من فروج الزانيات اللواتي جعلن من أنفسهن في الدنيا مراحيض متنقلة يقول الرسولﷺ: «ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن الخمر، وقاطع الرحم، ومصدق بالسحر. ومن مات وهو مدمن للخمر سقاه الله من نهر الغوطة: نهر يجري من فروج المومسات يؤذي أهل النار ريح فروجهن» رواه الطبراني في الكبير والحاكم وصححه وأقره الذهبي. يقول الله تعالى: {إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا}. ويقول سبحانه: {ويسقي من ماء صديد يتجرعه ولا يكاد يُسيغه، ويأتيه الموت من كل مكان، وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ} ويقول سبحانه: {وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم}.
    وإن سألت عن طعامها؟ فاسمع لهذه الوجبة التي تقشعر لذكرها الجلود، إنها وجبة تحضرها الملائكة الغلاظ الشداد، فتقدمها للظالمين على طبق من عذاب، من فواكه الزقوم والضريع والغسلين. يقول الله تعالى: {أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم، إنا جعلناها فتنة للظالمين، إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم، طلعها كأنه رؤوس الشياطين، فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون، ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم، ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم}، {إن شجرة الزقوم، طعام الأثيم، كالمهل تغلي في البطون، كغلي الحميم}، {ليْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِن ضَرِيعٍ لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِن جُوعٍ}، {فليس له اليوم هاهنا حميم، ولا طعام إلا من غسلين، لا يأكله إلا الخاطئون}، وأورد القرطبي في تفسيره عن ابن عباس عن النبيﷺ قال: «الضريع: شيء يكون في النار، يشبه الشوك، أشد مرارة من الصبر، وأنتن من الجيفة، وأحر من النار، سماه اللّه ضريعا». أما الغسلين: فهو شجر يأكله أهل النار. يقول الرسولﷺ فيما روى الترمذي: «لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على الناس معايشهم، فكيف بمن يكون طعامه».
    وقد حكى لنا الرسولﷺ حوارا مع أهل النار وهو يستغيثون بالطعام والشراب ويحتجون على وضعيتهم المأساوية أخرج الترمذي وابن أبي شيبة والطبراني عن أبي الدرداء قال: قال رسول اللهﷺ: «يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون بالطعام، فيغاثون بطعام من ضريع لا يسمن ولا يغنى من جوع، فيستغيثون بالطعام فيغاثون بطعام ذي غصة، فيتذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالشراب، فيستغيثون بالشراب فيرفع إليهم الحميم بكلاليب الحديد، فإذا دنت من وجوههم شوت وجوههم، وإذا دخلت بطونهم قطعت ما في بطونهم، فيقولون لخزنة جهنم: {ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب}. فيقولون: {أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات؟ قالوا: بلى. قالوا: فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال}. فيدعُون مالكا فيقولون: {يا مالك ليقض علينا ربك} فيجيبهم: {إنكم ماكثون} فيقولون: {ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين، ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون}. فيجيبهم الله سبحانه: {اخسئوا فيها ولا تكلمون}؛ فعند ذلك يئسوا من كل خير، وعند ذلك أخذوا في الزفير والحسرة والويل»…
    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، ولسائر المسلمين أجمعين، والحمد لله رب العالمين…

    الحمد لله رب العالمين…
    أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون! 
    إن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يعلمون حق العلم أن حر الصيف من فيح جهنم، فكانوا يتسابقون في الصيف إلى الخيرات، وإلى ما يقربهم من الجنة ويبعدهم من النار، وقد قال الإمام علي رضي الله عنه: «حبب إلي من الدنيا الصوم في الصيف وإكرام الضيف والضرب بالسيف»، وإذا تصفحنا سيرة الرسولﷺ نجد غروة تبوك التي جاءت في فصل القيظ والحر، وفي سنة الجفاف والفقر، مع بعد المسافة وعمق الطريق، حتى سماها القرآن الكريم ساعة العسرة؛ ولكن الصحابة رضوان الله عليهم تسابقوا إلى المشاركة فيها، غير مبالين بحرارة الصيف، تاركين وراءهم الهدوء والراحة، فتجشموا حرارة الصيف ووعثاء السفر في الصحراء، وما أدراك ما الصيف والسفر في الصحراء! وتنافسوا في دفع المال حتى جهزوا جيشا قوامه ثلاثون ألف مقاتل، لأنهم يعلمون أن الجهاد في حرارة الصيف العابرة، وقاية لهم من حرارة جهنم الدائمة، بل وصل الحد ببعضهم إلى البكاء والحزن والأسى، حين رأى أن فرصة الجهاد في الصيف قد تفلت من يده، لقد جاء نفر من فقراء الصحابة يطلبون من الرسولﷺ أن يحملهم على مراكب الجهاد وأن يجهزهم للاشتراك في هذه الغزوة، ولكن بعد نفاذ التجهيز والمراكب فردهم النبيﷺ فأجهشوا بالبكاء. وقد سجل عنهم القرآن الكريم هذا البكاء الإيماني فكان قرآنا يتلى على مر العصور والأزمان فقال سبحانه: {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه، تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون}.
    ترى يا عباد الله هل بكينا نحن يوما على فرصة فيها رضوان الله فاتتنا؟ هل بكينا نحن يوما على ذنوب ارتكبناها ولا زلنا نرتكبها؟ هاهم الصحابة رضوان الله عليهم بكوا في فصل الصيف خوفا من فوات المشاركة في الجهاد لإعلاء كلمة الله؛ فهلا بكينا نحن في فصل الصيف -وهو على الأبواب- على هذه المشاركة المكثفة في الفساد لإسقاط كلمة الله! وكلمة الله هي العليا. فهلا بكينا نحن على واجبات ضيعناها، أو على حدود اعتديناها، أو على محرمات انتهكناها، أو أعراض هتكناها…!
    ألا فاتقوا الله عباد الله! وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ …
    الفقيه عبد الله بنطاهر
    تنويه: المقالات والمواضيع المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي أصحابها
    Scroll to Top