• صوت القرويين

    الجمعة، 28 يوليو 2017

    نبذة تاريخية عن جامع القرويين



    يعتبر جامع القرويين الذي بنته السيدة فاطمة الفهرية (أم البنين) عام 245هـ في مدينة فاس مركزاً للإشعاع العلمي والثقافي والحضاري، ومع تطور مدينة فاس عمرانياً تم الاهتمام بالجامع توسعة وعناية، حيث برز دور الأوقاف، كانت للأوقاف التي حبست عليه وكذلك حكام وسلاطين المغرب الذين أولوه عناية خاصة ليصبح مركزاً لتوجيه الحياة الدينية والعلمية في فاس وعموم المغرب حيث تخرج من جامع القرويين كثير من العلماء والمحدثين والفقهاء والأدباء.


    وبذلك كان للقرويين دور كبير وإسهام فاعل في إثراء وإغناء الثقافة والحضارة الإسلامية بإنتاج المغاربة الذي طبعته (القرويين) بطابعها الخاصة والمتميز، وهو ما أسهم في تقوية جسور التعارف الثقافي والتقارب الحضاري بين مختلف مكونات الحضارة الإسلامية.

    وقد شهد جامع القرويين في عهد الدولة المرابطية قفزة عمرانية واسعة حيث كان هنالك إبداع كبير في صنع القباب ووضع الأقواس وكتابة الخطوط والكلمات المنقوشة، ولعل أبرز ما خلده المرابطون من مآثر هو صنع المنبر الذي لا يزال قائماً إلى اليوم، وتعتبر المئذنة المربعة الواسعة التي لا تزال قائمة إلى اليوم أقدم منارة مربعة ثبتت في الغرب الإسلامي.

    وفي عهد الموحدين تم نصب الثريا الكبرى التي لا تزال إلى اليوم شاهداً على الحضارة الموحدية وروعة الفن المغربي، وازدان الجامع عبر العصور اللاحقة بمختلف أشكال الثريات والساعات الشمسية والرملية، إضافة إلى مرافق ضرورية مثل غرفة المؤقتين، ومقصورة القاضي، وخزانة الكتب، والمصاحف وغير ذلك.

    أقدم جامعة:

    ومع بروز حلقات ومجالس علمية يتم من خلالها تدارس مختلف العلوم والفنون الأمر الذي جعل الجامع يتحول إلى مركز علمي ذي إشعاع واسع لينافس بذلك المراكز العلمية، حيث أمكن استقدام العلماء والأساتذة، واستقبال طلاب العلم والمعرفة، وتوفير الكراسي العلمية المتخصصة، وتكوين خزانة علمية متنوعة التخصصات، ما أضفى على الجامع صفة الجامعة، وأسبغ عليه طابع المؤسسة الجامعية في المفهوم الحديث.

    وإذا كان (القرويين) قد انتقلت ابتداء من العصر المرابطي من مرحلة الجامعة إلى مرحلة النواة الجامعية، فإن المرحلة الجامعية المكتملة، لم تنضج بصورة كاملة إلا في العصر المريني عندما عزز جامع القرويين بمجموعة من الكراسي العلمية والخزانات والمدارس المجاورة له، فأصبحت فاس بذلك قبلة أنظار لكبار العلماء والأدباء.

    وقد وصف المراكشي فاس وجامعتها في ذلك الوقت فقال: «حاضرة المغرب وموضع العلم منه، اجتمع فيها علم القيروان وعلم قرطبة».

    وإذا كانت جامعة بولونيا بإيطاليا قد أسست عام 1158م، وجامعة السوربون عام 1200م، وجامعة الأزهر بالقاهرة عام 359هـ./(970م)، فإن جامعة القرويين التي تأسست عام 245هـ (859م) تعتبر من أقدم الجامعات في العالم، وقد أشار المؤرخون والمستشرقون الغربيون إلى ما يؤكد أقدمية جامعة القرويين، فقد كتب روم لاندو يقول: «وقد شيّد في فاس منذ أيامها الأولى جامع القرويين الذي هو أول جامعة وأقدمها، وفي القرويين كان العلماء منذ حوالي ألف سنة يعكفون على المباحث الدينية والمناظرات الفلسفية التي قد تتجاوز دقتها إدراك فكرنا الغربي، وكان المثقفون يدرسون التاريخ والعلوم والطب والرياضيات، ويشرحون أرسطو وغيره من مفكري الإغريق...».

    المدارس والخزانات:

    حرص سلاطين الدولة المرينية منذ بداية حكمهم على إنشاء المدارس الداخلية المجاورة للقرويين والتي تمكن من الإشراف على سير التعليم ومن أهم هذه المدارس:

    - مدرسة النعفارين عام 670هـ.

    - مدرسة فاس الجديدة التي بناها أبوسعيد المريني عام 720.

    - مدرسة الصفاريين على مقربة من جامع القرويين.

    - مدرسة الصهريج وكانت تسمى بالمدرسة الكبرى.

    - مدرسة السبعيين وكانت تسمى بالمدرسة الصغرى، سميت بذلك لأنها كانت تدرس بها القراءات السبع.

    - المدرسة المصباحية نسبة إلى أول أساتذتها مصباح الياصلوتي (ت750هـ)، وهذه المدارس الأربع من تشييد السلطان أبي الحسن المريني.

    - المدرسة البوعنانية وقد بنيت في عهد أبي عنان المريني عام 757هـ.

    - مدرسة الشراطين، من بناء السلطان العلوي المولى الرشيد.

    كما كانت جميع هذه المدارس تشتمل على خزانة علمية موضوعة لعموم المطالعين من الطلبة، ومن أشهر الخزانات العلمية التي كانت بمدينة فاس خزانة أبي يوسف المريني وخزانة أبي عنان المريني وخزانة أحمد المنصور الذهبي السعدي.

    أما خزانة القرويين فتعتبر من أهم الخزانات العامة بالمغرب بل في العالم كله، أسسها السلطان أبوعنان المريني عام 750هـ، وقد حرص سلاطين وملوك المغرب على تزويد الخزانة بنفائس المخطوطات، واهتموا بصيانتها وحفظها، ومن أبرز نفائس خزانة القرويين أجزاء من (موطأ مالك) كتبت لخزانة علي بن يوسف بن تاشفين المرابطي على رق الغزالة، وكتاب (سيرة ابن إسحاق) كتب عام 270هـ وهو أقدم ما يوجد بالخزانة، والمصحف الأكبر الذي حبسه السلطان أحمد المنصور الذهبي على الخزانة عند تدشين مقرها الجديد عام 1011هـ، كما يوجد بها كتاب العبر لابن خلدون الذي ألف باسم السلطان أبي فارس المريني، وأهدي إلى خزانة القرويين في صفر عام 799هـ.

    وقد حظيت خزانة القرويين بالعناية من ملوك وسلاطين المغرب عبر تاريخها الطويل في مختلف العصور، فحين عقد السلطان أبويوسف يعقوب المريني الهدنة مع القشتاليين اشترط عليهم أن يعملوا على تمكينه من «كتب العلم التي كانت بأيدي النصارى منذ استيلائهم على مدن الإسلام بالأندلس».

    الكراسي العلمية بجامعة القرويين:

    برزت الكراسي العلمية في العهد المريني، ونظراً لأهميتها وقيمتها فقد كانت لها أوقات خاصة صادرة عن الملوك والأمراء والمحسنين، وقد قرر عدد الكراسي العلمية بالجامعة والمدارس المحيطة بها في عهد المربنيين بحوالي مئة وأربعين كرسياً.

    ومن أشهر أسماء الكراسي العلمية بالقرويين، فمنها ما حمل أسماء أماكن معينة داخل القرويين، مثل: كرسي المحراب، وكرسي باب الشماعين، وكرسي باب الصالحين، وكرسي باب الحفاة وكرسي ظهر الخصة، وقد درست عليها علوم التفسير والحديث ورسالة ابن أبي زيد القيرواني وكتب السيرة النبوية وغيرها.

    ومن الكراسي المنسوبة إلى أفراد كبار العلماء كرسي ابن غازي (ت919هـ) وكرسي الونشريسي (ت955هـ) الذي كان من أغنى الكراسي لدراسة صحيح البخاري بشرح ابن حجر.

    ولا شك أن كثرة الكراسي العلمية التي عرفتها جنبات القرويين والمدارس العلمية تعبر بوضوح عن واقع النهضة العلمية ومدى الاشعاع الثقافي والفكري الذي عرفته القرويين جامعاً وجامعة.

    العلوم التطبيقية
    في جامعة القرويين:

    لقد وجدت العلوم التطبيقية في جامعة القرويين فضاء خصباً بفضل انفتاح كثير من العلماء على معرفة هذه العلوم وتدريسها، وعندما نتأمل فيما تم تدريسه بجامعة القرويين من علوم وفنون نجد الكثير منها يتعلق بالعلوم التطبيقية والتجريبية؛ فهذا الإمام ابن السنوسي (ت1276هـ) الذي ورد جامعة القرويين لأخذ العلم عن علمائها في عهد السلطان المولى سليمان يعدد من علومها: علم الفرائض والحساب والاسطرلاب وصناعتها والرياضيات والهندسة والطبيعة وغيرها.

    وفيما يتعلق بالرياضيات وفروعها فقد دعت الحاجة العلمية للمسلمين إلى دراستها، فالحساب الذي هو أساس هذه العلوم يحتاج إليه في تقدير الزكاة وإيرادات الدولة ونفقاتها، كما أن أهميته تتجلى بوضوح في الفرائض وتقسيم التركات. وقد عرف الاهتمام بهذه العلوم في رحاب القرويين والمدارس المحيطة به إقبالاً كبيراً بدأ بنقل كتب الإغريق في الجبر والهندسة وحساب المثلثات.

    كما عرفت جامعة القرويين تدريس كتاب الأصول لإقليدس وكتاب المحبسطي لبطليموس، وقد نال الأول اهتماماً كبيراً لدى علماء القرويين وتم طبعه بالمطبعة الحجرية بفاس عام 1293هـ بالإشراف العلامي البلغيثي، وأقرأه بجامعة القرويين محمد بن القاضي والعلواني وغيرهما. أما الكتاب الثاني الذي كان موجوداً بشرح الفارابي فقه تم الاهتمام به بحثاً وتمحيصاً وشرحاً وتعليقاً لدى علماء القرويين، وممن أقرأه بها ابن سليمان الروداني.

    ولقد أسهم ازدهار العلوم الرياضية بجامعة القرويين في دفع بعض علمائها المتخصصين لابتكار آلات ومعدات مختلفة، فابن الحباك (ت685هـ) أنشأ الساعة المائية الأولى بمنار جامع القرويين، وهو صاحب الأرجوزة الرياضية «بغية الطلاب»، واستعين بابن الحاج المهندس (ت716هـ) لصنع ناعورتين مائيتين. أما ابن العربي الموقت (ت747هـ) وقد كان رياضياً فقد جدد المنجانة التي كانت بالغريفة (الغرفة الخاصة بالموقتين والمؤذنين في الجهة الجنوبية للمئذنة) وزود القرويين بساعات رملية واسطرلابات وقف عليها السلطان أبوعنان نفسه.

    وقد أكد رينو أن مؤلفات أبقراط وجالينوس المعربة شكلت أساساً منهج التعليم الطبي في جامعة القرويين، كما أنه إلى حدود القرن التاسع عشر الميلادي، حيث كان التعليم الرسمي للطب في القرويين لا يزال مستمراً، كان الطلبة يعتنون بجملة من الكتب الطبية مثل (زبدة الطب) للجرجاني، و(التذكرة) للأنطاكي، وكليات ابن رشد، ومفردات ابن البيطار وغيرها.

    وبعد انهيار الأندلس كانت جامعة القرويين الحافظة لتراث الجامعة الأندلسية في قرطبة وأشبيلية وغرناطة وغيرها، فقد كان تداول معظم المؤلفات الطبية أمراً شائعاً. ومما لا شك فيه أن في حضور ابن رشد وابن طفيل وابن باجة وابن الخطيب والشقوري وغيرهم تأثيراً كبيراً في دعم الحركة الطبية الفاسية، فضلاً عن العدد الكبير من المؤلفات الطبية الأندلسية التي تعهدها علماء وطلبة القرويين بالبحث والدراسة، نذكر منها على سبيل المثال:

    التيسير في المداواة والتدبير لابن زهر.

    الأرجوزة في الطب لابن طفيل (ت581)

    المختصر في الطب لابن حبيب.

    تطوير نظام التعليم 
    بجامعة القرويين:

    بعد عهد المرينيين الزاهر الذي عرف تألقاً وازدهاراً في الحركة العلمية حرص السلطان محمد بن عبدالله العلوي (ت1204م) على تطوير النظام الدراسي بالجامعة من خلال إصداره منشوراً سلطانياً عام 1203م يحدد المواد الدراسية والكتب التي ينبغي الاقتصار على تدريسها مع تحديد مصادر كل مادة ومراجعها، ناهياً عن دراسة كتب التوحيد المؤسسة على الجدل الكلامي، والرجوع بالمقابل إلى مذهب السلف في الاعتقاد، ففي مجال الفقه مثلاً أمر السلطان العالم بالاقتصار على مدونة سحنون (ت204هـ) والبيان والتحصيل لابن رشد الجد (ت520هـ) والجواهر لابن شاس (ت616) والرسالة لابن أبي زيد القيرواني (ت238هـ ومختصر خليل بشرح بهرام الكبير والحطاب والخرشي لا غير.

    وقد أكد على أهمية تحصيل علوم الحساب والرياضيات والهندسة، ولذلك عمد إلى توجيه بعثات علمية من أبناء القرويين إلى أوروبا لاستكمال دراساتهم في هذه العلوم، وقد توالى أمر الابتعاث في عهد السلطانين الحسن الأول والمولى عبدالعزيز وغيرهما، كما نهج ذلك أيضاً السلطان المولى سليمان (ت1238هـ) الذي عرفت الحركة العلمية في عهده نهضة ونشاطاً دائبين.

    وعندما كان عهد السلطان عبدالرحمن بن هشام أمر بإعادة تنظيم التعليم بالقرويين، ودعا شيوخها إلى التجديد في المناهج والمواد المدروسة.

    وفي عهد السلطان المولى يوسف صدر الأمر بتأسيس مجلس للنظر في شؤون القرويين، ووضع برنامج للدراسة فيها، وكان من أبرزها ما اشتمل عليه تقسيم مناهج الدراسة إلى ثلاثة أقسام: ابتدائي وثانوي ونهائي مع إقرار نظام الامتحانات.

    وفي عهد المغفور له الملك محمد الخامس (ت1961م) صدر ظهير متضمن لعدة فصول تتحدث عن العلوم الواجب تدريسها في الأطوار التعليمية الثلاثة.

    وحددت مدة الدراسة في اثني عشر عاماً تتوج المرحلة النهائية فيها بشهادة العالمية.

    (الموازية الآن لشهادة الدكتوراه)، وقد تحدث الظهير عن إضافة مواد جديدة كالتاريخ والجغرافيا والهندسة.

    وابتداء من عام 1975م وضع نظام جديد للتعليم بالقرويين، حيث وضع لها نظام جديد وأصبحت تخضع في تسييرها التربوي والإداري للظهير الشريف المنظم للجامعات المغربية، سواء فيما يخص نظام الدراسة أو الامتحانات والشهادات العليا، وأضحت الجامعة اليوم تضم كلية الشريعة بفاس، وكلية اللغة العربية بمراكش، وكلية أصول الدين بتطوان، وكلية الشريعة بأكادير.

    وتتوافر جميع هذه الكليات على أقسام الدراسات العليا (دبلوم عال + دكتوراه) مكنت ولا تزال من تخريج أعداد كبيرة من الكوادر العلمية والفكرية التي تسهم بفاعلية في مجال التعليم العالي والقضاء والإدارة وغير ذلك.

    وهكذا غدت القرويين مناط اهتمام المغاربة وعنايتهم على الدوام ملوكاً وعلماء وقادة، يرعونها بالغ الرعاية، ويعنون بها وبرجالاتها وطلبتها عظيم العناية، ويخصها الملوك بالزيارة والاهتمام البالغ ويقدرون النابغين من علمائها وطلبتها ويدعون إلى مراجعة مناهجها وبرامجها.

    كما كان لكل من العالمين الجليلين الشيخ عبدالرحمن الكتاني والفقيه محمد الحجوي مبادرة قيمة، حيث رسم الأول في مستهل القرن العشرين منهج إصلاح جامعة القرويين وطريقة إحيائها، منطلقاً من الإشارة إلى أهميتها ودورها ومركزها في افريقيا والعالمين العربي والإسلامي، أما مبادرة الفقيه محمد الحجوي فكانت عبارة عن محاضرة مدوية ألقاها في المدرسة العليا بالرباط عام 1931م وخصصها لرسم منهج إصلاح جامعة القرويين، لضرورة تربية الملكة النقدية في الطلاب والدعوة إلى إحياء تعليم البنات وغير ذلك من الأفكار المستنيرة التي تهم في تطوير الجامعة والعودة بها إلى سالف مجدها، وبالإضافة إلى هاتين المبادرتين يمكن الإشارة إلى محاولة العلامة الأستاذ عبدالله كنون، وكذا محاولة الزعيم علال الفاسي، وغيرهما.

    وهكذا ارتبط تاريخ المغرب بجامعة القرويين وعلمائها، فلا نكاد نجد حركة فاصلة في ماضي المغرب إلا ونجد لعلماء القرويين يداً فيها ومن أشهرهم:

    أبو عمران الفاسي، وابن الياسمين، ولسان الدين ابن الخطيب السفير الوزير العلامة الأديب، وابن البنا العددي المراشي، وابن خلدون وغيرهم.

    قالوا عن جامعة القرويين:

    قال عنها دلفان «لقد كانت مدينة القرويين فيها أول مدرسة في الدنيا وكتب المستشرق الروسي جوزي يقول: «إن أقدم كلية في العالم ليست في أوروبا كما كان يظن، بل في افريقيا، في مدينة فاس عاصمة المغرب...».

    كما تطرق المؤرخ الاسباني باديا ليبليش الذي زار مدينة فاس عام 1217هـ وقال عنها: «إن فاساً كانت في افريقيا من حيث مركزها الثقافي تحاكي أثينا في أوروبا».
    تنويه: المقالات والمواضيع المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي أصحابها
    Scroll to Top