• صوت القرويين

    الثلاثاء، 9 مايو 2017

    خطبة | هل لليلة النصف من شعبان فضل خاص؟

    خطبة بعنوان: هل لليلة النصف من شعبان فضل خاص؟
    للفقيه الدكتور محمد بن علي زنداك الابراييمـي السوسي
    ألقيت في مسجد القدس بحي القدس بأكـادير
    يوم الجمعة 11 شعبان 1418ه 12 دجنبـر 1997م.
     وهي خطبة بالمناسَبة، لعلها تكون مناسِبة لمن أحب أن يستأنس بها، أو يوظفها أو يختصرها وهذا نصها:

    بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه 
     الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، والشكر له على عميم فضله وعظيم امتنانه، ونعوذ بالله تعالى من موجبات غضبه وخذلانه، ونستغفره عز وجل من التمادي في معصيته على كثرة إحسانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ذاته وصفاته وكل شانه، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذاكر الله تعالى على كل أحيانه، والشاكره حق شكرانه، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وكـل الأنبياء إخوانه، ورضي الله تعالى عن جميع صحابته العظماء أكمل رضوانه.

    أما بعد:
    فقد جاء في الحديث الذي حسنه كثير من أهل العلم بالحديث أن رسول اللهﷺ قال: (إذا كان ليلة النصف من شعبان اطـلع الله إلى خلقه، فيغفر للمومنين، ويملي للكافرين، ويدع أهل الحقد بحقدهم حتى يدعوه). 
    وورد في لفظ آخر: (يطلع الله تبارك وتعالى إلى خلقه ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه إلا لـمشرك أو مشاحن).1
    عباد الله
     إن من شأن الـمؤمن اللبيب أن يتطلع إلى الفرص ليغتنمها، ويطمح إلى أسباب الفلاح ليعتمدها، ويتحرى مواسم الخيـر ليستغلها، فهو الحريص دائما أشد الحرص على استباق الـخيـرات، وقطف الثمرات، واكتساب الـحسنات.
     وإن من الفرص الثمينة التـي لا يجوز للمومن والـمومنة تفويتـها، ومن مواسم الفضل التـي لا يليق بالـمسلم والـمسلمة تضييعها، هذا الشهر الـمبارك الكريم الذي نعيش في رحابه، ونستظل بظلاله، ونستـروح أطيابه هذه الأيام، إلا وهو شهر شعبان، فكونوا ــــــ وفقكم الله ــــــ ممن اغتنم أوقاته الخيـرة في فضائل الأعمال، طلبا لرضى الكبير الـمتعال، واقتداء بسنة رسولنا الـمفضال، الذي كان أفضل من استثمر هذه الأوقات، وملأها بكل أنواع الطاعات، اغتناما لـما أودع الله فيها من نفحات، واستعدادا لرمضان شهر البركـات والرحمات، وإيذانا بمطلوبية الاهتمام بهذا الشهر الـمتميز الذي يليه شهر رمضان، شهر القرآن، والغفران، والعتق من النيـران، وشهر تصفيد مردة الجان، وتجنبا للغفلة عن شهر شعبان تلك الغفلة التي لا يسلم منـها إلا من عصمه الرحمان. 
     إن القرآن الكريم ــــــ معشر الـمومنين والـمومنات ـــــ يحثنا حثا بالغا بمختلف الأساليب على عدم إغفال مواسم الخيـرات، وعلى الـمبادرة إلى الـمبـرات ـ 
     أجل ـــــ أيها الإخوة الـمومنون ـــــ إنها لفرصة جديرة بأن تغتنم بل بأن يتنافس في اغتنامها، ويتسابق إلى اهتبالها قبل أن تعوق العوائق، أو تحول دون ذلك الحوائل. قال تعالى: (ولكل وجهة هو موليـها فاستبقوا الخيـرات). ويقول جل شأنه: (سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين). ويقول تبارك في علاه: (سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين ءامنوا بالله ورسله). 
     فهو سبحانه وتعالى يأمرنا باستباق الخيرات، والـمسارعة، والـمسابقة إلى مغفرته، وجنته أي إلى أسباب ذلك وهو الإيمان، والتقوى، والعمل الصالح، وفعل الـخيـر، (وفي ذلك فليتنافس الـمتنافسون). وقد أثنـى الله تعالى على بعض الأنبياء الـمصطفين الأخيار فقال في شأنهم: (إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خشعين).
     فما أحرانا ــــــ يا عباد الله ـــــــ بأن نستجيب لداعي الله، وأن نتعرض لنفحات الله، ونتحرى مرضاة الله، لا سيما وأن هذا الشهر هو الذي ترفع فيه تقارير الأعمال السنوية إلى رب العالـمين لتعرض عليه وهو أعلم بها سبحانه لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات والأرض كما جاء في حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما حيـن قال: قلت: يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: (ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالـمين، وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم).2 
     إنه الشهر الذي يمتاز بليلة فاضلة عظيمة مباركة يتجلى فيـها ربنا الكريم بفيوضات رحمته الواسعة، ونفحات مغفرته الشاملة، وعطايا عفوه الكامل على جميع عباده الـمومنيـن، وإمائه الـمومنات، كما بشرنا بذلك الصادق الـمصدوق في الحديث الذي صدرنا به كلامنا اليوم قالﷺ: (يطلع الله إلى جميع خلقه ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه إلا لـمشرك أو مشاحن).
     ما أعظمها من منة، وما أسخاها من عطية، وما أثمنها من جائزة، لا يحرمها إلا من أبى واستكبـر، وكـان من أهل الشرك، أو الـشحناء، فما كـان الله عز وجل ليغفر لـمن ليس أهلا لـمغفرته، وما كـان هذان العملان الـمحظوران الـمحذوران ليحولا بين الـمرء والـمغفرة والرحمة إلا وهما في غاية الخطورة والشناعة، والفحش، والشؤم.
    فحذار  ــــــ أيها الـمسلم ـــــ أن تكون من الـمحجوبيـن عن خيـر هذه الليلة الـمباركة بـهاتيـن الـمعصيتيـن الكبيـرتين الشنيعتين، أو بإحدى هاتين الخطيئتين الفاحشتين الـمشئومتين، وذلك بتطهيـر قلبك من الشرك بالله بكل أنواعه، وأقسامه، ومراتبه، ومن بغض عباد الله، والحقد عليـهم، لا تقبل، ولا ترض أن تلوث توحيدك بأدران الشرك الأكبر، والأصغر، الجلي والخفي، واعلم أن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كـان له خالصا، وابتغي به وجهه كما ورد عن نبـي الإسلام،3 عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، ولا تتـرك الغل يتخذ طريقه إلى صدرك، فإن الجنة لا يدخلها إلا صاحب القلب السليم، ثم إن هذين الداءين الخبيثين من أدواء القلوب القاتلة الـمهلكة، ولا يجدي معهما إلا الـمعالجة، والـمجاهدة حتى يقطع دابرهما، ويمحـى أثرهما.
     ولا يظنـن ظان أن الشرك قد مضى عهده، وانصرم أوانه بعد ما جاء الإسلام، وذهبت الجاهلية، فلا داعي إلى الحديث عنه، أو تضييع الوقت في تناول موضوعه، كلا؛ فإن الشرك ما كـان ليأخذ من اهتمام القرآن ما أخذ إلا وهو متوقع الحصول في كل آن، سهل الوقوع في كل زمان، سريع الحدوث في أي مكان، ذلك لأن الشيطان الذي يزين للناس مسالكه، ويستدرج الخلق إلى مكامنه، لم يزل في عنفوان عطائه وقوته لا يألو جهدا في سبيل إيقاع الناس في هذا الذنب الخطيـر، وتوريطهم في هذا الجرم الكبير الذي لا يغفره الله إذا مات عليه الإنسان، ولا يقر للشيطان قرار، ولا يرتاح له بال إلا برؤيته الناس ناشبين في شرَك الإشراك، ولا يقنع بما دون ذلك اللهم إلا إذا لم يتمكن من ذلك بعد بذل كل ما في الوسع، واستنفاد كل الوسائل والأساليب.
     أجل يا أخا الإسلام، يا من يحرص على عقيدته، يا من يخاف على توحيده إن الشيطان هو عدوك الأكبـر الذي لا يرضيه إلا أن يلقيك في سواء الحجيم، بل ويخلدك في ذلك العذاب الأليم، ويجعلك من أهل الشقاء الأبدي، ولن يتم له ذلك إلا إذا أفسد عقيدتك، ونقض توحيدك بالشرك وجعلك تنكث العهد الأول الأزلي الذي أخذه الله على ذرية آدم قال تعالى: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتم وأشهدهم على أنفسم ألست بركم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك ءاباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتـهلكنا بما فعل الـمبطلون).
     ومن هنا جاء ذلك التركيـز الشديد على قضية الشرك في القرآن الكريم بصفة لافتة للنظر منبئة أن وراء هذا الأمر سرا وأي سر، وما هو إلا الخطورة الكبيـرة التـي يكتسيـها الشرك في كل العصور وعلى كـل الناس، وأن ذلك لا يختص بمرحلة زمنية محددة، ولا بشريحة معينة من الناس، فهو الوباء الذي يعم كل الأزمنة، والأمكنة، والطبقات، ويتخذ أشكالا، ومظاهر، وصورا متعددة متنوعة، وليس بالضرورة أن يكون الشرك نحتا لصنم حجري يتقرب إليه بركوع، وسجود، وابتـهال.
     فالشرك هو صرف ما هو خاص بالله إلى غيره، ومن ذلك الاستعانة، والاستغاثة بالـمقبورين، أو الكهنة والـمشعوذين الـمشعبذين، فكيف تسألهم حاجتك، وتنزل بهم فاقتك، وأنت تناجي ربك في صلاتك ــــ والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ــــــ بقولك: (إياك نعبد وإياك نستعين). 
     كيف تفعل ذلك، وقد سمعت وصية نبيك وحبيبك سيدنا رسولﷺ: "إذا سألت فاسئل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله"4
     ومن مظاهر الشرك اعتقاد أن غير الله يعطي، أو يمنع، أو يضر ،أو ينفع، أو يخفض، أو يرفع، بدون إذنه تعالى، وإرادته، ومشيئته، أو تفضيل، وتقديم ما لم يأذن به الله عز وجل من الأنظمة، والقوانيـن، والـمناهج، والبـرامج على شريعته تعالى، ودينه، قال تعالى مشنعا على الـمشركين ومنددا بـهم: [أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله]. فكل من أطاع مخلوقا، واتبعه في غير ما لم يأذن به الله فقد اتخذه ربا ومعبودا، وإن لم يسمه بذلك كما قال سبحانه: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ} فعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّﷺ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: "يَا عَدِيُّ اطْرَحْ هَذَا الْوَثَنَ مِنْ عُنُقِكَ، فَطَرَحْتُهُ فَانْـتَـهَيْتُ إِلَيْهِ، وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ بَرَاءَةَ فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ}. حَتَّى فَرَغَ مِنْـهَا، فَقُلْتُ: إنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ، فَقَالَ: «أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللهُ فَتُحَرِّمُونُهُ، ويُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَتَسْتَحِلُّونَهُ؟» قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ».5 ولذلك قال تعالى: [وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ].
     فلتحذر أيها المسلم الشركيات كلها وما أكثرها وإن منها النذر لغير الله، والحلف بغير الله، والذبح لغير الله، والتنجيم، والكهانة، والعرافة، والتمائم، والسحر كما أخبر بكــل ذلك الرسولﷺ فيما صح عنه.
     ومن وقع في شيء من ذلك فعليه بالتوبة إلى الله خصوصا في هذه الأيام المباركة.

    الخطبة الثانية:
    عباد الله 
     ألا وإن مما يحرم الـمسلم حظه من بركـات ونفحات وخيرات هذه الليلة الـمباركة ليلة النصف من شعبان الشحناء، والحقد كما استمعتم إلى ذلك في الحديث (ويدع أهل الحقد بحقده حتى يدعوه). (إلا لـمشرك أو مشاحن). وكفى بالحقد والشحناء سوءاً وشناعةً وبشاعةً وخطورةً وفحشاً أن الرسولﷺ قد قرنهما بالشرك أبغض الـمعاصي إلى الله. 
     إن الإسلام ــــ أيها الـمومنون ـــــ يحرص حرصا تاما، ويركز تركيـزا كبيـرا على أن تكون العلاقة بين أفراد الـمجتمع الـمسلم متنية ولا يمكن أن تكون متينة إلا إذا كانت مبنية على الود، والإخاء، والألفة والوفاء، والتآلف، والوئام، والتعاون، والتحالف، والتكافل، والتضامن، ولن يتم كل ذلك إلا إذا صفت القلوب، وسلمت الصدور من كل أسباب الفرقة والشقاق، وعلى رأس ذلك الحقد ذلك الداء العياء الذي يفسد القلوب، ويجعلها سوداء مظلمة لا تضمر إلا السوء والشر، مغمومة تعيش في نكد مستمر، وغيظ مستديم.
     ولشدة حرص الإسلام على تطهيـر الـمجتمعات الـمسلمة من تلك العوامل الهدامة الـمنغصة، وعلى تطهير الصدور والنفوس من تلك الأوبئة الفتاكة ربط بين سلامة القلب من الغل والحقد ونحوه وبين الإيمان كما في الحديث الشائع الذائع الرائع: (لا يومن أحدكم حتـى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).6 حيث إن مقتضى الإيمان الحق أن ينظر المسلم إلى من حوله من الــمؤمنين، على أنهم إخوانه، بل وغير الـمسلمين أيضا فيريد لهم جميعا الخير الذي يريده لنفسه، ويكره لهم ما يكرهه لنفسه، فلا يفرح بمصيبة تنزل بغيره، ولا يحسد أحدا على ما أتاه الله من فضله، ولا يحقد على أحد أيا كـان، بل ولا ينتقم لأنه عفو كريم يكظم الغيظ، وهو يستطيع إنفاذه، ويصفح الصفح الجميل، وهو قادر على الانتقام، لأن له قلبا كبيرا يسع حبه الجميع، ونفسا سموحا تعشق الخير وتقدمه للناس، وهمة عالية تربأ به أن ينشغل بالسفاسف، ويتورط في التفاهات، ويضيع عمره في الخصومات، والعداوات، والثارات، فإن له في عداوة الشيطان والنفس والدنيا والهوى لشغلا، وإنه لينشد بلسان الحال والـمقال مع القائل أبياته:
     إِنِّي بُلِـيـتُ بِأَرْبَعٍ مَا سُلِّـطَتْ * إِلاَّ لِـفَـرْطِ شَقَـاوَتي وَعَـنَائِي 
     إِبـلِيسُ وَالدُّنـيَا وَنَفْسي وَالْهوَى * كَيْفَ الْخَلاَصُ وَكُلُّهُمْ أَعْدَائِي 
     إِبـلِيسُ يَسْلُكُ بي طَرِيقَ مهَالِكِي * وَالنّفْسُ تَـأْمُـرُنِي بِكُلِّ بَـلاَءِ 
    وَأَرَى الْهَوَى تَدْعُو إِلَيْهِ خَوَاطِرِي * فِي ظُـلْمَةِ الشُّبُهَاتِ وَالْآرَاءِ 
    وَزَخَارِفُ الدُّـيَا تَقُولُ أَمَا تَـرَى * حُسْنِـي وَفَخْرَ مَلاَبِسِي وَبَهَائِي.
    فطهروا قلوبكم ـــ أيها الناس ـــ من هذه الأدناس، فإنها بضاعة الوسواس الخناس،  (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء).
     وإن القلب السليم هو الذي سيُنْجيك يا أخي من الخزي، وينفعك حين تبعث (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم). ذلك لأن الجنة هي دار الـمتقيـن، الذين تتوفاهم الـملائكة طيبيـن، ويقال لهم يوم يقوم الناس لرب العالـميـن: سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين،
     فقلوبهم طابت فلم تدخلها الخبائث، وطهرت فلم تلطخها الرذائل، وزكت نفوسهم فلم تشبـها الشوائب، فما أسعدهم، وما أسعد من نقى قلبه من الضغائن، وقد قيل في الحكمة: ارْحَم نَفسَك من الحِقْدِ فإنّه عَطَب، نارٌ وأنتَ الحَطَب، وقال القائل:
    لاَ يَحْمِلُ الِحقْدَ مَنْ تَعْلُو بِهِ الرُّتَبُ * وَلاَ يَنَالُ الْعُلَى مَنْ طَبْعُهُ الْغَضَبُ.
    ألا وإن هذا الحديث النبوي الذي يقرن بين الشرك والحقد والشحناء ليشير  إشارة واضحة إلى أمر أساسي ـــــ أيها الـمومنون ـــــ ينبغي أن نتفطن له، ويجب أن ننتبه إليه، واللبيب بالإشارة يفهم، ذلكم هو ضرورة غسل قلوبنا وتطهيرها في هذا الشهر بالخصوص أولا: لتكون أهلا لتنال هذه الجائزة الكبرى جائزة المغفرة، وثانيا: لتكون مستعدة لاستقبال شهر رمضان بما يليق به من طهر وصفاء وجمال وكمال، وذلك بتحسين العلاقة العمودية بالله بالتوبة من جميع الأنماط الشركية والكفرية، وتحسين العلاقة الأفقية بالناس بالتوبة من جميع ما يمس الأخوة الإسلامية الإيمانية. 
    نفعنـي الله وإياكم بكل ما سمعنا، وجعلنا من الذين يقولون سمعنا وأطعنا، وآمنا بك ولرسولك اتبعنا......... 
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    1ـــ أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (3551)، وابن أبي عاصم في السنة (5111)، وغيرهما عن أبي ثعلبة الخشني، وفي الباب عن أبي هريرة ومعاذ بن جبل وغيرهماـ وهو حديث حسن لدى كثير من أهل الاختصاص، ولهذا ورد في صحيح الجامع الصغير. 
    2 ـــ أخرجه النسائي في المجتبى (2357)، وأحمد في مسنده (21753)، والبيـهقي في الشعب (35400) وأبو نعيم في الحلية (9/18)، والبزار في مسنده (2617)، وقوام السنة في الترغيب والترهيب (1865)، وغيرهم. وذكره في صحيح الجامع الصغير. 
    33 ـــــ إشارة إلى حديث أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الْأَجْرَ وَالذِّكْرَ، مَالَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَا شَيْءَ لَهُ). فَأَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَا شَيْءَ لَهُ)، ثُمَّ قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا، وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ). أخرجه النسائي في المجتبى (3140)، والطبراني في الكبير (7628)، وفي الأوسط (1112)، قال الحافظ في الفتح: "إسناده جيد" (6/35)، وقال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء: "وإسناده صحيح". (6/2411)، 
    4 ـ أخرجه الترمذي (2516)، وأحمد في مسنده (2669)، و(2763)، و(28033)، والبيهقي في شعب الإيمان (195)، وأبو يعلى في مسنده (2556)، وغيرهم من طرق عن ابن عباس. قال الترمذي: حسن صحيح.
    5 ـــ أخرجه الترمذي (3095)، والطبراني في الكبير (218)
    6 ــــ أخرجه البخاري في الإيمان ــــ باب من علامات الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، (133)، ومسلم في الإيمان ـــ باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه الـمسلم ما يحب لنفسه، (45)، وغيرهما عن أنس مرفوعا.
     عن صفحة سيدي عبد الله بنطاهر حفظه الله.
    تنويه: المقالات والمواضيع المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي أصحابها
    Scroll to Top