• صوت القرويين

    الاثنين، 22 مايو 2017

    خطبة | وقفات بمناسبة الاستعداد للامتحانات

     الحمد لله الواحد الديان، خلق الإنسان علمه البيان، ونشهد أن لا إله إلا الله جعل الناس عرضة للابتلاء والامتحان، فطوبى لمن أحسن وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان، وويل لمن رسب فكان أسير الشهوة والشيطان، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله المؤيد بالمعجزات والبرهان، المبعوث ليتمم مكارم الأخلاق فكان خلقه القرآن، لقد فاز من اهتدى بهديه فاستحق الإجازة والتقدير والامتنان، وفشل من قلد غيره فباء بالخيبة والخسران، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أهل الصدق والإيمان، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم القسط والميزان.

    أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.
     يعيش الطلبة والتلاميذ في هذه الأيام مع الاستعداد للامتحانات، فهم يستعدون للامتحان الدنيوي على تحصيلهم في العام الدراسي، وسيمتحنون على ما حصلوه وسيختبرون فيما تلقوه من علم وستوجه إليهم سؤالات في الامتحان، سؤالات لا يعرفونها على وجه التحديد لكنهم سيفاجئون بها وقت الاختبار، ثم إن لهذا الاختبار هيبة في نفوس الطلاب بل وهيبة في نفوس الآباء والأمهات؛ وكم هو جميل بالآباء والأمهات في إقبالهم على أبنائهم في هذه الأيام نصحا وتوجيها ومراجعة واستذكارا ومتابعة للمذاكرة، وكم هو جميل بهم وهم الحريصون على نجاح الأبناء الراغبون في فوزهم الخائفون من إخفاقهم أن يكون حرصهم عليهم في الاختبار الأعظم يوم القيامة عندما يقف هؤلاء الأبناء بين يدي الله فيسألهم عما قدموه في هذه الحياة.
     ولا لوم على من يحرص على نجاح أبنائه في امتحانات الدنيا بل هذا من تمام التربية وكمال التوجيه، لكن اللوم كل اللوم أن يكون هذا هو حدود اهتمامه ومبلغ علمه وغاية نصيحته لابنه دون أن يرعاه فيما سيلقاه يوم القيامة بين يدي الله، وقد جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: ((اللهم لَا تَجْعَلْ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا))، وهذا فيه أن اهتمامك بالدنيا لا ملامة عليك فيه، وإنما الملامة كل الملامة أن تكون الدنيا هي غاية اهتمامك ومبلغ علمك.
     ثم إن على طالب العلم أن يتذكر بهذا الاستعداد للامتحان وجوب الاستعداد لامتحان يوم القيامة، فإذا كنت تدرك أنك ستمتحن، وأن الامتحان يتطلب استعدادا، وفي الامتحان سؤال وجواب، وعلى قدر استعداد الإنسان للجواب والصواب في امتحانه يكون النجاح، فكذلكم الامتحان الذي يكون في القبر والذي يكون يوم لقاء الرب سبحانه وتعالى؛ فهذا الامتحان يذكّرك بالامتحان العظيم والامتحان الأكبر الذي يكون يوم القيامة، فإذا كانت نفسك تتهيأ وتستعد لهذا الامتحان الدنيوي فليكن ذلك بابا لك يدفعك لتهيئة نفسك للاستعداد للامتحان الأخروي يوم تلقى الله سبحانه وتعالى. يذكر عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى أنه قال لرجل: كم أتت عليك؟ قال: ستون سنة، قال الفضيل: فأنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك توشك أن تبلغ، فقال الرجل: يا أبا علي إنا لله وإنا إليه راجعون، قال له الفضيل: تعلم ما تقول؟ قال الرجل: قلت «إنا لله وإنا إليه راجعون»، قال الفضيل: تعلم ما تفسيره؟ قال الرجل: فسره لنا يا أبا علي، قال: قولك «إنا لله» تقول أنا لله عبد وأنا إلى الله راجع؛ فمن علم أنه عبد الله وأنه إليه راجع فليعلم بأنه موقوف؛ ومن علِم بأنه موقوف فليعلم بأنه مسئول؛ ومن علم أنه مسئول فليعدَّ للسؤال جوابا، فقال الرجل: فما الحيلة؟ قال: يسيرة، قال: ما هي ؟ قال الفضيل: «تحسن فيما بقي يُغفر لك ما مضى وما بقي؛ فإنك إن أسأت فيما بقي أُخذت بما مضى وما بقي».
     وقد ثبت في الترمذي وغيره من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لَا تَزُولُ قَدَمُ ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ : عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ ، وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ ، وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ ))؛ إننا نعلم أننا مسئولون يوم القيامة ومختبَرون وممتحنون، ونعلم أيضا تحديدا سؤالات ذلك الامتحان التي تلقى على الناس يوم القيامة، فكم هو جدير بالعبد الموفق أن يجعل هذه السؤالات الخمس بين عينيه ونصب عينيه مادام في ميدان العمل، يتذكر سؤال الله جل وعلا له عن عمره، وسؤال الله تبارك وتعالى له عن شبابه، وسؤال الله تبارك وتعالى له عن ماله، وسؤال الله تبارك وتعالى له عن علمه؛ إننا مسئولون حقا، وصائرون إلى هذا الأمر حقا، وواقفون بين يدي الرب العظيم جل وعلا وهو سائلنا؛ فكم هو جدير بنا - إيْ والله- أن نتذكر هذا الامتحان وأن نتأمل في هذا الاختبار وأن نتذكر وقوفنا بين يدي الرب الجبار جل وعلا ونعِد لهذا الامتحان جوابا وللجواب صوابا. 
     والواجب على طالب العلم أن تكون كُتب العلم والمذكِّرات التي تُكتب فيها مسائله ويُكتب فيها اسم الله وآيات الله وأحاديث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ محترمةً عنده، وكلما كان طالب العلم محترما لكتب العلم فإن ذلكم من أسباب توفيقه وعنوان نجاحه وفلاحه؛ أقول ذلك لأن من الأمور التي توجد وخاصة في أيام الامتحانات أن بعض الطلاب قد يستغني أو يرى عدم الحاجة إلى بعض الأوراق التي معه أو المذكرات التي بيده فليقيها في الأرض، وربما رماها عند باب الامتحان رميا، أو ألقاها في الممرات إلقاء، وهذا لا يليق إطلاقا بطالب العلم ، فكُتب العلم والأوراق التي تُكتب فيها مسائل العلم أوراق محترمة، فإذا استغنى عنها أو رأى عدم الحاجة إليها فلا يلقيها؛ بل يضعها في الأماكن المخصَّصة للأوراق المحترمة. 
     والواجب على طالب العلم أن يحذر من مداخل الشيطان عليه في هذه الأيام بالدخول في مداخل حرمها الله سُبحانه وتعالى عليه ونهاه جل وعلا عنها، فلا تكون رغبته في تجاوز الامتحان سببا لتجاوز حدود الله تبارك وتعالى وتعدي ما نهى عنه، فالغش حرمه الله، وصحَّ عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» ، والغشُّ في العلم أشدُّ ضررًا من الغشِّ في الطعام والشَّراب؛ لأن مقام العلم أعظم وشأنه أجل، فيجب على طالب العلم أن يكون من هذا الأمر على حذر، وأن يتَّقي الله سبحانه وتعالى، ولا تكون عينه في الامتحان ناظرة للمراقب الذي يدور في قاعة الدرس ينظر للطُّلاب، بل يكون نظر طالب العلم إلى الرقيب سبحانه جل شأنه الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. فليبتعد عن الأوجه المخلة والطرائق المشينة في أداء الامتحانات وذلك بالغِش والخديعة والمكر ونحو ذلك.
    أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين والحمد لله رب العالمين
    الحمد لله رب العالمين…
    أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون....
     إن هذه الأيام أيام الاستعدادات للامتحان تكشف لك عن قدرتك العجيبة على التحصيل والطلب والحفظ والمذاكرة؛ فترى من نفسك في هذه الأيام نشاطا عجيبا وهمة عالية ودأبا عظيما على القراءة والحفظ والمذاكرة، وتجد أيضا أن ذاكرتك تنشط في هذه الأيام للحفظ نشاطا لا تعهده من نفسك؛ وهذا ينبغي أن تستفيد منه أن الله عز وجل منَّ عليك بهذه القدرة؛ لكن كثيرا من الناس مضيع لها؛ فلديه قدرة ونشاط لكنه ليس مستفيدا منه وفي قرب أيام الامتحان وإحساسه بدنوه يجد هذا الجد وينشط هذا النشاط، ولو أنه أمضى عاما كاملا في طلب العلم بهذا النشاط الذي يكون منه في أيام الامتحانات لحصل من العلم قدرا عظيما ونصيبا وافرا. 
     وإن مما ينبغي أن يعنى به في مثل هذه الأيام: صدق الدعاء وتمام الالتجاء إلى الله جل وعلا بأن يحقق لأبنائنا وبناتنا النجاح في الدنيا والآخرة، فالنجاح بيده سبحانه والتوفيق منه جل وعلا، فكم هو جميل أن يوجه الابن والبنت إلى الله جل وعلا يدعوه بصدق ويلحُّ عليه بالدعاء بأن يكتبه من الناجحين وأن يجعله من الفائزين الرابحين. 
     ألا فاتقوا الله عباد الله وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ…
    ذ.المصطفى مرتاجي
    تنويه: المقالات والمواضيع المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي أصحابها
    Scroll to Top