• صوت القرويين

    الجمعة، 28 أبريل 2017

    خطبة | صيام شعبان استعدادا لرمضان


     الحمد لله الذي ذهب بشهر رجب وجاء بشهر شعبان، وخلق الإنسان علمه البيان، ونشهد أن لا إله إلا الله الكريم المنان، أعز أهل الصيام في الجنة بباب الريان، وأذل أهل المعاصي والبهتان، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله المؤيد بالمعجزات والبرهان، المبعوث ليتمم مكارم الأخلاق فكان خلقه القرآن، لقد فاز من اهتدى بهديه فاستحق الإجازة والتقدير والامتنان، وفشل من قلد غيره فباء بالخيبة والخسران، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أهل الصدق والإيمان، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم القسط والميزان.

    أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته. 
     إن سيرة الرسولﷺ سيرة عظيمة نحن دائما في حاجة ماسة لدراستها، لكن لا لسرد أحداثها فحسب؛ بل للوقوف على فقهها ومضامينها، لنأخذ الدروس والعبر من حلقاتها، في حاجة للوقوف على أحداثها، في حاجة للتعلم من فقهها، في حاجة للسير على منوالها، حتى نكون على بصيرة من أمرنا، لأنها التطبيق العملي للقرآن الكريم.
     وقد قدمنا لكم في الشهر الماضي شهر رجب أحداثا وقعت فيه من هذه السيرة العطرة، منها غزوة تبوك التي توسعت بها دولة الإسلام إلى أطراف الشام، ومنها معجزة الإسراء والمعراج، التي التقى فيه المصطفىﷺ بالله تعالى فوق سبع سموات؛ حيث أوحى إلى عبده ما أحى، وفرض عليه من العبادات الصلاة. 
     وها هو شهر شعبان قد حل بساحتنا وهو شهر يحمل إلينا نفحات ربانية مباركة، وهو شهر مبارك لأنه القريب من رمضان، وقد دعا له النبيﷺ بالبركة فقال: «اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان»، وهو شهر يربطنا أيضا بسيرة المصطفىﷺ في أكثر من حدث؛ ففيه وقعت معجزة انشقاق القمر التي يشير إليها الله تعالى إذ يقول: {اقتربت الساعة وانشق القمر}، وفيه تحولت القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، وفيه ولد حفيد الرسولﷺ سيدنا الحسين بن علي، وفيه وقعت غزوة بني المصطلق وما فيها من أحداث عظيمة، وكان النبيﷺ يكثر الصيام روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما رأيت رسول اللهﷺ استكمل صيام شهر إلا رمضان وما رأيته أكثر صياما منه في شعبان كان يصومه إلا قليلا بل كان يصومه كله» وفي روية الترمذي عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: «ما رأيت النبيﷺ يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان» 
     وإذا سألنا لماذا كان النبيﷺ يكثر من الصيام في شعبان؟ نجد عند رسول اللهﷺ ثلاثة أجوبة:

    الجواب الأول: روى الترمذي أن أنس رضي الله عنه قال: «سئل رسول اللهﷺ أي الصوم أفضل بعد رمضان؟ قال: شعبان لتعظيم رمضان»، وهذا يدل على أن صيام شعبان هو بمثابة الحركة التسخينية للدخول في مقابلة رمضان، فهو تدريب عملي وتمرين فعلي على الصيام وأخلاقه وآدابه. 
    الجواب الثاني: لأن الملائكة المكلفة بمراقبة أعمال العباد تقدم ملفات أعمال السنة الماضية لرب العباد في شعبان، روى النسائي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قلت يا رسول الله! لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قالﷺ : «ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم» يقول الله تعالى عن هؤلاء الملائكة المكلفين بمراقبة الأعمال: {إِذْ يَتَلَقَّى المتلقيان عَنِ اليمين وَعَنِ الشمال قَعِيدٌ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}، {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بلى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ}، وهذا لا يدل على أن الله تعالى يحتاج للكتاب والمساعدين لضبط أعمال العباد، كلا وألف كلا؛ بل الله سبحانه وتعالى يعلم ما تخفي الصدور، وإنما أراد إقامة الحجة على العباد {وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}.

    الجواب الثالث: لأن الملائكة المكلفين بقبض أرواح العباد تتسلم في شعبان ملفات من سيموت في السنة المقبلة، روى أبو يعلى عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: أحب الشهور إليك أن تصومه شعبان؟ قال: «إن الله يكتب فيه على كل نفس ميتة تلك السنة فأحب أن يأتني أجلي وأنا صائم». يقول الله تعالى عن هؤلاء الملائكة المكلفين بقبض أرواح العباد: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}، {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ}، {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}، وهذا أيضا لا يعني أن الله تعالى يحتاج للمساعدة في قبض الأرواح؛ كلا؛ بل الله سبحانه وتعالى فعال لما يريد، {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}. 
     أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، ولسائر المسلمين أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

    الحمد لله رب العالمين…
    أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون!
     نتعلم مما سبق أن النبيﷺ كان يصوم معظم شعبان؛ بل أحيانا كان يصومه كله؛ ولكن فمعنى قولهﷺ: فيما روى أبو داود والترمذي: «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا»؟ وهل هناك تناقض بين فعل النبيﷺ وقوله؟ كلا معاذ الله؛ فإن معنى هذا الحديث: أن من لم يبدأ الصيام قبل منتصف شعبان فإن الفرصة قد فاتته، فلا يصم شيئا من النصف الأخير منه، ومن صام في النصف الأول منه ولو يوما واحدا يستحب له أن يصوم ما شاء من النصف التالي.
     تلكم يا عباد الله أحاديث النبيﷺ في صيام شعبان فعلينا أن نغتنم فرصة أيامه بالصيام، حتى نقتدي فيه بسيد الأنامﷺ، وحتى نستعد به لرمضان، وحتى ترفع أعمالنا ونحن في ظلال الصيام، وحتى تأتينا آجالنا ونحن متلبسون بسربال الصيام.
    ألا فاتقوا الله عباد الله وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ…
     الاستاذ: عبد الله بنطاهر حفظه الله.
    تنويه: المقالات والمواضيع المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي أصحابها
    Scroll to Top