• صوت القرويين

    الجمعة، 14 أبريل 2017

    خطبة | حقوق الأبناء أساس حقوق الآباء

    خطبة بعنوان: حقوق الأبناء أساس حقوق الآباء.
     وفيها الإشارة لما سمي بالأسبوع الوطني لتشجيع الرضاعة الطبيعية الذي تعتزم وزارة الصحة الاحتفال به خلال المدة ما بين 10 أبريل و 16 أبريل وقد طلبت وزارة الأوقاف الإشارة إليه.
     وهي خطبة بالمناسَبة، لعلها تكون مناسِبة لمن أحب أن يستأنس بها، أو يوظفها بعد أن ينظفها، فينقحها من أخطائي ليلقحها بأفكاره والرجاء منه أمران:
    1) الدعاء لي -بعد الإخلاص- عن ظهر الغيب.
    2) غض البصر -بعد الإصلاح- عما فيها من العيب.
    تاريخ إلقائها أول مرة: 16جمادى الأخيرة 1434 هـ 29 /3/ 2013 م.
    وأعيدت بتصرف وزيادة في: 16 رجب 1438هـ 14 / 04 / 2017م.

    بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه
     الحمد لله ذي الجلال والإكرام، كشف لنا عن سعادة الأسرة النقاب واللثام، وحفظ حقوقها بتعاليم الإسلام، وأشهد أن لا إله إلى الله الملك القدوس السلام، سبحانه وتعالى لا تأخذه سنة ولا ينام، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله سيد الأنام، وهو لنا في الإحسان إلى الأهل والأولاد قدوة وإمام، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الكرام، وعلى التابعين لهم بإحسان ما تعاقب النور والظلام.

    أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته. 
     روى الإمام مسلم عن أبي هريرة أن رَسُول اللَّهِﷺ قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»؛ فالولد الصالح هو النتيجة الحتمية لحقوق الأولاد وهو الذي يعطي لوالديه عمرا آخر بعد وفاتهما، حيث تستمر حسناتهما في ازدياد وهما في القبور واللحود، وتستثمر أعمالهما في الدنيا وهما في الآخرة. 
     فيا ما طالب الوالدان بحقوقهما! ويا ما اشتكى الأب واشتكت الأم من عقوق أولادهما! ولكن الجميع ينسى أن حقوق الأبناء سابقة حقوق الآباء، بل إن حقوق الأبناء هي الأساس وحقوق الوالدين هو البناء، والبناء دون الأساس ساقط ومنهار، والأساس دون البناء خراب وأطلال، فبين الآباء والأبناء حقوق متبادلة، وواجبات متقابلة، فالله تعالى عندما ذكر لنا حقوق الوالدين بناها على حقوق الأولاد: {وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}؛ فحقوق الآباء ليست نتيجة الإيلاد والإنجاب فحسب؛ بل هي نتيجة التربية والآداب، {كما ربياني صغيرا} ولم يقل كما ولداني صغيرا، فليس من حق أي أب أن يطالب بالحقوق إذا ما ربى أبناءه على العقوق. 
     أيها الاخوة المؤمنون إن حقوق الأبناء تتمثل في التربية والتعليم. والتربية والتعليم أمران متلازمان، فالتربية هي التزام بمقتضيات مكارم الأخلاق ومحاسن الإيمان، والتعليم هي مجرد تخزين للمعلومات في الأذهان، والتربية دون التعليم جهل، والتعليم دون التربية جهالة، {واتقوا الله ويعلمكم الله}، والتربية أنواع؛ فمنها التربية الصحية والبدنية، ومنها التربية النفسية والعقلية، ومنها التربية الروحية والدينية.

    أولا: أما التربية الصحية والبدنية فهي حق من حقوق الأبناء؛ وواجب من وجبات ومسؤوليات الآباء، تبدأ بعد الولادة مباشرة. 
     فمنها تحنيك المولود بعد ولادته بتمرة؛ لقد كان النبيﷺ يحنك الأطفال بتمرة أي يمضغ التمرة حتى إذا ما اختلطت بريقه المبارك قدمه للمولود في فمه، حتى تكون الحلاوة المادية أول ما يفرع في معدته، وفي هذا التحنيك فائدة طبية عظيمة لم يتم اكتشافها إلا في هذا العصر حين تطور الطب وسائله؛ فقد ثبت علميا أن الطفل تتم حمايته من بعض الأمراض بمجرد وضع قطرات من ماء السكر في فمه بعد ولادته، وهذا ما سبق إليه الرسول الأميﷺ مند أربعة عشر قرنا.
    ومنها الرضاعة وقد حبا الله تعالى حليب الأم بمواد خاصة تنفع الطفل لا توجد في غيره، فقد قرر الأطباء أن حليب الأم بعد الولادة والمسمى بـ(اللبأ) وهو السائل الأصفر الذي يسبق ظهور الحليب مهم جدا للطفل؛ لأن به مواد هامة لبناء جهاز المناعة ضد الميكربات في جسم الأطفال؛ ولهذا كان واجبا على الأم أن ترضع ولدها، كما كان واجبا على الأب أن ينفق على الأم وولدها؛ فلا ينبغي أن تمتنع أو ترفض خوفا على جمالها وأناقتها ورشاقتها، ‏والله تعالى يقول: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوف}. 
     ومنها الختان وهو من خصال الفطرة في الإسلام، وقد أكد الأطباء اليوم فوائده الصحية؛ روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيﷺ قال: «خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد (وهو حلق شعر العانة)، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وقص الشارب». 
    ومنها التداوي والمعالجة ويدخل في ذلك التلقيحات المستعملة اليوم ضد الأمراض الخطيرة. 
     ومنها الحضانة والنفقة التي تشمل المأكل والمشرب الذي ينميه، والألبسة التي تحميه، والمسكن الذي يؤويه.

    ثانيا: أما التربية النفسية والعقلية فهي حق من حقوق الأبناء؛ وواجب من وجبات الآباء، تبدأ أيضا بعد الولادة مباشرة. وهي تأتي طبعا بعد التربية الصحية لأن العقل السليم في الجسم السليم.
     فمنها اختيار الاسم الحسن، فلا يجوز للأب أن يطلق على ابنه اسما يتأذى منه نفسيا، فيتبرم من المناداة به، وقد عانى الكثير منا في ذلك من تلك الألقاب المشوهة، التي يستحي حتى أصحابها ذكرها، وقد فرضت عليهم فرضا، والتصقت بهم قانونا وواقعا، فمنهم من تكنى بأسماء البهائم والوحوش أو الآلات والجمادات، والاسم يدل على المسمى والأسماء المكروهة قد توافق مسمياتها وقديما قيل:
    وقلما أبصرت عيناك ذا لقب * إلا ومعناه إن فتشت في لقبه
     ومنها عدم إظهار النزاع والخصام الذي ينشب بين الأبوين في كثير من الأحيان أمام أولادهما لأن الخصام وإن ظنه الأبوان بسيطا فقد يشتت نفسية الطفل، ويدخل البلاء لباله وعقله، فيتربى على العنف والفظاظة والغلظة. 
     ومنها العدل بين الأولاد في المنع والعطاء لأن عدم المساواة بينهم يزرع الحقد والعداوة بينهم، فمن أعطى أحد أولاده دون الآخر فقد ظلم، ومن أعطى الذكور دون الإناث فقد ظلم. 
     ومنها الاعتناء بهم حينما يتورطون في منكر خطير مثل المخدرات فيجب أن يعلم الآباء أن الطفل المدمن في البداية يكون مذنبا، ولكنه في النهاية يكون أيضا مريضا مرضا نفسيا يحتاج للرعاية والشفاء، يحتاج للعلاج والدواء، ومن الأخطاء الفظيعة، التي يرتكبها بعض الآباء، حين يكتشف أن ولده مدمن، أول شيء يفعله يطرده من المنزل شر طردة، ويتبرأ منه، ويقدم أولاده عليه؛ فليس أمامه حينئذ إلا أن يستسلم لمزيد من المخدرات لينسى مأساته؛ فيكون كما قيل: أراد أن يُكحلها فأعماها.

    ثالثا: أما التربية الروحية والدينية فحق أجلُّ من حقوق الأبناء، وواجب أعظمُ من واجبات الآباء، فهي تأتي طبعا بعد صحة البدن وسلامة العقل والنفس، لأن كل تكليف بشرط العقل وإذا كان العقل السليم في الجسم السليم؛ فإن الدين السليم في العقل السليم، وهي تبدأ أيضا بعد الولادة مباشرة. 
     فمنها الآذان في أذن الطفل اليمنى وإقامة الصلاة في أذنه اليسرى بعد الولادة مباشرة، ليكون أول ما يقرع أسماعه هي كلمات لا إله إلا الله والله أكبر لقد أراد الإسلام أن يستقبل المسلم الدنيا بكلمة (لا إله إلا الله) كما أراد أن يغادر الدنيا بكلمة (لا إله إلا الله) قال رسول اللّهﷺ: «مَنْ كَان آخِرَ كَلامِه لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ دَخَلَ الجَنَّةَ».
     وقد جاءت أركان الإسلام الخمسة مرتبة حسب نمو الإنسان الطبيعي؛ فحين يولد المسلم يجب أن يلقح مباشرة بعد الولادة بكلمة الشهادتين بالأذان في أذنه اليمنى والإقامة في أذنه اليسرى، ثم يستمر في نموه حتى يصل السابعة من عمره فيلقح بالصلاة، لقولهﷺ: «مُرُوا أولادَكم بالصلاة وهم أَبناءُ سبع سنين...»، وحينما يلمس في جسده علامات البلوغ يلقح بالصيام، وحينما يكدح ويعمل ويوفر لنفسه قسطا من المال يدور عليه الحول يلقح بالزكاة، وحينما يتكاثر هذا التوفير يجب عليه التلقيح بفريضة الحج؛ فتلقيح الجسم إنما ينفع إذا كان بموازاة تلقيح الروح. 
     ومنها ذبح العقيقة عنه وإزالة الشعر الذي ولد معه والتصدق بوزنه ذهبا أو فضة ومنها تعليمهم أمور الدين من القراءة والكتابة والصلاة وآداب الاستئذان ومكارم الأخلاق، والرسولﷺ يقول: «ما من مولودٍ إلا يُولَدُ على الفطرةِ، فأبواه يهودانه، أو ينصِّرانه، أو يمجسانه»...
     أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين والحمد لله رب العالمين...

    الحمد لله رب العلمين… 
     أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون؛ إن عمدة التربية عموما إنما تكون بالأحوال قبل الأقوال، وفي هذا يقال تلك الحكمة المشهورة: "حال رجل في ألف رجل أنفع من قول ألف رجل في رجل" ومعناها أن حال شخص واحد ملتزم بتعاليم دينه قد يؤثر في ألف شخص بالكيفية التي لا يؤثر بها ألف شخص إذا كانوا يعظون واحدا، وذلك لأن مصداق القول هو العمل، ولأن القول بدون عمل نفاق وخداع، والأطفال يتأثرون بالأعمال أكثر من تأثرهم بالأقوال. 
    ألا فاتقوا الله عباد الله، وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ...
     للشيخ الفاضل سيدي عبد الله بنطاهر حفظه الله.
    تنويه: المقالات والمواضيع المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي أصحابها
    Scroll to Top