• صوت القرويين

    الثلاثاء، 11 أبريل 2017

    خطبة | من أشراط الساعة موت العلماء

    خطبة بمناسبة موت العلامة سيدي الحاج عبد الله أيت أوغوري يوم 8 رجب 1438 هج 6 / 4 /  2017 رحمه الله تعالى رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته ورزق أهله وذويه الصبر والسلوان.
     الحمد لله الذي علم لآدم من عنده الأسماء، وجعل ميراث النبوة للعلماء، فكانوا نورا يفتح الله بهم قلوب غلفا وأعينا عَمْياء وآذانا صماء، وأشهد أن لا إله إلا الله جعل من أشراط الساعة موت العلماء، بموتهم يرفع العلم وتسود الجاهلية الظلماء، بموتهم ينقص العلم ويزداد في الجهل النماء، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله سيد العظماء، تنورت بحكمه قلوب الحكماء، وتروى من ينابيع علمه نفوس العلماء، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الكرماء، وعلى التابعين لهم بإحسان مادامت الأرض والسماء.
    أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.
     كم من علماء فقدناهم في الآونة الأخيرة، إنهم علماء في الشرع والفقه والحديث، علماء نذروا حياتهم للدعوة إلى الله، علماء أقاموا صروح الشرع عالية، وقدموا الإسلام للعالم بأقلامهم ناصعا، وكشفوا عن حجج وبراهين يتقوى بها دين الله ليشق طريقه إلى قلوب الناس، علماء جدد الله بهم الإيمان في قلوب عباد الله، علماء تنورت القلوب بكلماتهم، فأزالوا غشاوة الجهل عن العيون فأبصرت، وعن البصائر فآمنت، علماء حاربوا التعتيم المغرض من وسائل الإعلام، فكشفوا لنا عن حقائق علمية سبق إليها الإسلام، بعلمهم ساير الإسلام تطورات عصرنا السريع، باجتهادهم استنبطوا من مصادر شرع الله الأحكام لما تجدد من الحوادث والأحداث في هذا العصر، باختلاف آراءهم اتسعت ثروتنا الفقهية اليوم، فأصبحت غنية بالحلول والطرحات، علماء يقول الله تعالى فيهم: {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، لعلمه الذين يستنبطونه منهم} ، إنهم علماء أجلاء، وقمم شماء، فقدناهم في بلادنا؛ إنهم نجوم الدجى ومصابيح الهدى، إنهم علماء تبكيهم اليوم الدعوة إلى الله، وتنوح عليهم القلوب المؤمنة بالله، إنهم علماء، ظلمهم إعلامنا فأنقص من حقهم ولم يتنبه حتى لموتهم، في حين لو حدث أي شيء لأحد المغنيين والمغنيات والفنانين والفنانات والمطربين والمطربات واللاعبين واللاعبات الأحياء منهم والأموات لقامت دنيا وسائل الإعلام ولم تقعد، لقامت من أجل ذلك المهرجانات والندوات، والموائد المستديرة والمستطيلة، ولكن موت العلماء والأحداث التي تطرأ في حياة العلماء لا أحد يذكرها، ولا أحد يشيد بها؛ بل مع الأسف الشديد لقد أصبح منا بعض الناس كل همهم سب هؤلاء العلماء، والتنقيص من أقدارهم، وتشويه فتاواهم وأعمالهم، والغيبة إذا كانت حراما بيننا، فإن لحوم العلماء في ذلك مسمومة، قال الإمام الحافظ أبو القاسم بن عساكر رحمه الله: «اعلم يا أخي وفقنا الله وإياك لمرضاته، وجعلنا ممن يغشاه ويتقيه حق تقاته، أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب، ابتلاه الله تعالى قبل موته بموت القلب، {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم}».
     وإن من الغريب والبلاء أن يقف جاهل مزهوا بنفسه وقلة بضاعته؛ بل قد لا يعرف حتى كيف يكتب اسمه جيدا، فيتطاول على واحد من هؤلاء العلماء الذين فقدناهم اليوم، فيكيل بضربات التشهير والتبديع والتكفير على هؤلاء العلماء الذين أفنوا حياتهم خدمة لهذا الدين، والنبيﷺ يقول فيما روى الترمذي وحسنه: «ثلاث لا يستخف بهم إلا منافق: ذو الشيبة في الإسلام، وذو العلم، وإمام مقسط»، ولكن العلماء كفاهم شرفا إشادة القرآن بهم إذ قال: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون}، كفاهم شرفا إشادة النبيﷺ بهم إذ قال: «إن العلماء ورثة الأنبياء».
     نعم أيها الإخوة في الله قد يكون لأي عالم هفوة نادرة، أو زلة عابرة، لأنهم ليسوا معصومين، ولا ادعى أحدهم العصمة لنفسه أبدا، ولكن ألا ينبغي أن تدفن هذه الهفوة في بحر علمه؟ ألا ينبغي أن ننسى زلته تلك إذا ما ذكرنا عظيم علمه وفضله؟ قال الحافظ الذهبي رحمه الله: «لو أننا كلما أخطأ عالم في اجتهاد ما بدعناه وهجرناه وكفرناه، لما سلم لنا عالم في هذه الدنيا».
     أيها الإخوة في الله! إن لهذه الدنيا نهاية، وإن لنهايتها علامات، ومن علاماتها موت العلماء، يقول النبيﷺ فيما روى البخاري ومسلم وأحمد: «إن من أشراط الساعة، أن يرفع العلم، ويظهر الجهل، ويشرب الخمر، ويفشو الزنا، ويقل الرجال، ويكثر النساء حتى يكون لخمسين امرأة قيم واحد».
     إن موت العلماء، هو رفع فعلي للعلم عن وجه الأرض، رفع عملي للعلم الشرعي الذي يقرب المسلم من ربه، والذي ينظم حياة الإنسان في هذه الدنيا، والذي يحفظ للمسلم صحته وعقله وعرضه وماله ودينه.
     فحين يسود الجهل، تتحكم الأنانية في القلوب، فتكثر الحروب، وتدمر البلدان والشعوب، فتتحول حقوق الإنسان إلى عقوق الإنسان، وبسيادة الجهل يفشو الزنا، فتغزو الأمراض الخطيرة أجسام الفاسقين والفاسقات، وتشرب الخمور، فتغيب العقول، ذلكم النور الذي يميز الإنسان عن الحيوان.
     فبموت العلماء يذهب العلم الشرعي الذي يحرم الزنا، ويحرم الخمور، ويحرم الرشوة وأكل أموال الناس بالباطل، ويحرم الظلم بكل أنواعه وأشكاله.
     فبذهاب العلماء تذهب مكارم الأخلاق، وتسود مفاسد الفسوق، وإذا كان الأمر كذلك، فبوادر نهاية الدنيا -والله- قد ظهرت، لقد أحسن من قال:
    الأرض تحيى إذا ما عاش عالمها***متى يمت عالم منها يمت طرف
    كالأرض تحيى إذا ما الغيث حل بها***وإن أبى عاد في أكنافــها التلف
    ومن قال:
    ولن تَخْرَب الدنيا بموت شرارها***ولكنَّ موت الأكرمين خرابها
    ومن قال:
    إذا شئت أن ترثي فقيدا من الورى***وتندبه بعد النبي المكرم
    فلا تبكين إلا على فقـد عـالم***يبـادر بالتـفهيم للـمتعلم
     والنبيﷺ يقول في الحديث المتفق عليه: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا»، قال عمر بن الخطاب: «لموت ألف عابد قائم الليل صائم النهار أهون من موت عالم بصير بحلال الله وحرامه»، وقال ابن عباس: «لا يزال عالم يموت، وأثر للحق يدرس، حتى يكثر أهل الجهل، وقد ذهب أهل العلم، فيعملون بالجهل، ويدينون بغير الحق، ويضلون عن سواء السبيل»، وقال الحسن: «موت العالم ثلمة في الإسلام، لا يسدها شيء ما اطرد الليل والنهار».
     أيها الإخوة في الله؛ إن المراد بالعلم هنا، هو علم الشرع والدين، لأنه قد يضيع الناس علم الدين وإن وصلوا في علم الدنيا إلى غزو الفضاء، والصعود إلى القمر والكواكب، فقد يفعلون ذلك وهم بالله جاهلون، وعنه غافلون، فقد يكون الإنسان جاهلا بدينه، وهو يحمل أعلى الشهادات، وقد يحمل الشخص درجة الدكتورة بامتياز، وهو جاهل بأبسط أمور دينه، لا يعرف حتى كيف يتوضأ، وفي هؤلاء يقول الله تعالى: {ولكن أكثرالناس لا يعلمون، يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا، وهم عن الآخرة هم غافلون}…
     صدق الله العظيم، وغفر لي لكم، ولسائر المسلمين أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

    الحمد لله رب العالمين...
    أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛
     إن موت العلماء، يفرض علينا أن نهتم بطلب العلم حتى نملأ هذا الفراغ الذي خلفوه، يفرض علينا أن نشمر عن ساعد الجد حتى يتكون فينا من يؤدي دورهم، يقول الصحابي الجليل أبو الدرداء: «ما لي أرى علماءكم يذهبون، وجهالكم لا يتعلمون؟ تعلموا قبل أن يرفع العلم، فإن رفع العلم ذهاب العلماء»، ويقول أيضا: «كن عالما، أو متعلما، أو محبا، أو متبعا، ولا تكن الخامس فتهلك»، وقال عون بن عبد الله وهو من علماء السلف لعمر بن عبد العزيز: إن استطعت فكن عالما، فإن لم تستطع فكن متعلما، وإن لم تستطع فأحبهم، وإن لم تستطع فلا تبغضهم، فأجابه عمر بن عبد العزيز: إذن جعل الله للإنسان مخرجا إن قبل. وقد أحسن من قال:
    تعلم إذا ما كنـت ليـس بعالم***فما العلم إلا عند أهل التعلم
    تعلم فإن العلــم زيـن لأهلـه***ولن تستطيع العلم إن لم تعلم
    تعلم فإن العلـم أزيـن بالفتى***من الحلة الحسناء عند التكلم
    ولا خير فيمن راح ليس بعالم***بصيــر بما يأتي ولا مـتعلـم
    ألا فاتقوا الله عباد الله، وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ...
     للشيخ الفاضل سيدي عبد الله بنطاهر شفاه الله وعفاه.
    تنويه: المقالات والمواضيع المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي أصحابها
    Scroll to Top