• صوت القرويين

    الأربعاء، 8 مارس 2017

    خطبة بعنوان: كيف كرم الإسلام المرأة؟


     الحمد لله الذي جعل النساء شقائق الرجال، وأكرمهن أفضل الإكرام في الحال والمآل، فدعاهن إلى أحسن الأخلاق وأفضل الأعمال، وأشهد أن لا إله إلا الله الكبير المتعال، شرع للمرأة حقوقا تحميها من الآلام وسوء الأعمال، وواجبات تحقق لها الأماني والآمال، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الكريم المفضال، أول من حرر المرأة من وطأة العبودية والاستغلال، إلى التمتع بالحرية والاستقلال، وهو الذي قال: «إنما النساء شقائق الرجال»، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه ذوي الفضل والإجلال، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الجزاء على الأقوال والأفعال.

    أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون؛ أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته
     لقد كثر الحديث عن المرأة في هذه الأيام بسبب ما يسمى باليوم العالمي للمرأة (وهو اليوم الثامن من شهر مارس)؛ ويجب أن نعلم: 
    أولا: هذه الأيام العالمية عادة دخيلة ليست من ديننا وشريعتنا وأصالتنا. 
     ثانيا: في الإسلام ثلاثة مبادئ لها أصالتها وهي: اغتنام الفرص، «اغتنم خمسا قبل خمس»، وطلب الحكمة وهي ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها، والذكرى تنفع المؤمنين؛ وفي إطار هذه المبادئ ننتهز الفرصة للذكرى؛ وكل حسب نيته «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا}. 
    ثالثا:  الإسلام لا يريد يوما فقط للمرأة، بل يدعو لحقوقها في السنة كلها...

    أيها الاخوة المؤمنون؛ الناس في قضية المرأة منقسمون قديما وحديثا بين نصير لها وعدو لها؛ فمن الناس من يقول: وراء كل عظيم امرأة، ومنهم من يقول: وراء كل مجنون امرأة، ومنهم من يشيد بها ويتغنى لها ويحدد فضائلها ويركع لها ويسجد، ومنهم من ينظر إليها بمنظار قاتم أسود، ومنهم من يقول:
    إن النساء رياحين خلقن لنا***وكلنا يشتهي شم الرياحين
    ومنهم من يقول: 
    إن النساء شياطين خلقن لنا***نعوذ بالله من شر الشياطين
     حتى إنهم حملوها خطيئة آ دم حين أخرج من الجنة بإغوائها وإغرائها كما في أسفار العهد القديم عند اليهود والنصارى، وفي الجاهلية كانوا يفتخرون بدفنها حية فيقولون: دفن البنات من المكرمات!!! ويقولون: المرأة لا تخرج إلا لثلاث: من بطن أمها إلى العالم، من بيت أبيها إلى بيت زوجها، من بيت زوجها إلى قبرها.
     ولكن الإسلام عندما جاء ارتفع بقيمة المرأة وكرامتها من هذين الاتجاهين المتناقضين المتطرفين، فكان إكرامه لها وسطا بين الإفراط والتفريط:
    فأكرمها وهي بنت فاعتبر إكرامها والإحسان إليها مفتاحَ الجنة، والسترَ من النار، يقول النبيﷺ: «من كان له أختان أو بنتان فأحسن إليهن ما صحبتاه كنت أنا وهوا في الجنة كهاتين». وقرن بين أصبعيه. ويقولﷺ: «من أبتلى من هذه البنات بشيء، فأحسن إليهن، كن له سترا من النار». 
     ثم أكرمها وهي زوجة؛ فجعل مقياس الرجال، وميزان الأخلاق، بقدر إكرام الرجل زوجته، فقالﷺ: «خيركم خيركم لأهله». 
     ثم أكرمها وهي أم؛ فجعلها في مرتبة لم يصل إليها أحد قط، حين سأل رجل النبيﷺ من أحق الناس بحسن صحبتي يا رسول الله؟ فقالﷺ: «أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك»، وقالﷺ: «الجنة تحت أقدام الأمهات».
     ثم اعتبرها عضوا من المجتمع، إنسانة مكلفة مثل الرجل، مخاطبة بأمر الله ونهيه. مثابة على الخير ومعاقبة على الشر، مثل الرجل سواء بسواء، لها حقوق وعليها واجبات، قال الله تعالى: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف}. وأول أمر إلهي صدر للبشر، خوطب به الرجل والمرأة معا، قال الله تعالى لآدم وحواء: {وكلا منها رغدا حيث شئتما، ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين}. فالمرأة في الإسلام ليست خصما للرجل ولا عدوته، بل هي مكملة لنقصه وهو مكمل لنقصانها، يقول الله تعالى: {لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ} ويقول النبيﷺ: «إنما النساء شقائق الرجال». فهي نصف المجتمع، فقد شاركت في جميع الميادين في الإسلام، وكانت بجانب الرجل في أمور الدين والدنيا؛ في المساجد والأسواق، وفي الجهاد وأماكن العمل، تستقبل ضيوف زوجها وترحب بهم، وتحاورهم، ولم ينكر عليها ذلك أحد، والمسجد الحرام وطوافه اليوم أكبر شاهد على ذلك، فقد كن على عهد الرسولﷺ ممرضات ومعلمات ومجاهدات، قالت الربيع بنت معوذ: «كنا نغزو مع النبيﷺ نسقي ونداوي الجرحى»؛ بل للمرأة الأسبقية في كثير من الميادين، ويكفيها شرفا أن أول من أسلم كان امرأة خذيجة بنت خويلد وأول شهيد في الإسلام كان امرأة سمية أم عمار بن ياسر، وقالﷺ: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله». وكان نساء الصحابة يطالبن بحقهن في التعليم، فيستجيب الرسولﷺ لهن؛ فقد جاء في الصحيحين أن امرأة قالت للرسولﷺ: اجعل لنا من نفسك يوما نأتيك فيه، تعلمنا مما علمك الله. فقال لها: «اجتمعن في يوم كذا وكذا، فعلمهنﷺ مما علمه الله»، وهذه عائشة رضي الله عنها كانت مرجع الصحابة في العلوم الشرعية، وكانت تناقشهم وترد على من خالفها، كما ثبت ذلك في عدة أحاديث مشهورة، وروى البخاري أن الصحابي الجليل سلمان الفارسي زار أبا الدرداء في منزله فلم يجده، ووجد زوجته فرحبت به وهي لابسة لباسا داخل بيتها لا جمال فيه ولا زينة، فأنكر عليها عدم تزيين نفسها لزوجها، فقالت له: لست في حاجة لهذا، فإن زوجي أبا الدرداء لا حاجة له في النساء؛ يصوم النهار ويقوم الليل، فلما جاء زوجها قال له: سلمان: إن لزوجك عليك حقا، فصادق النبيﷺ على ذلك فقال: «صدق سلمان، صدق سلمان، صدق سلمان»؛ وهذا يصور لنا كيف يتعامل الرجل مع المرأة، ينظر الرجل إليها النظرة البريئة الأولى، وينصحها ويوجهها، ولكن المشكل ليس في النصيحة وبذلها، والمشكل أن نكون في مستوى إيمان سلمان. فالبعض منا ينظر إلى المرأة من أم رأسها إلى أخمص قدميها، مقبلة مدبرة، من أول الطريق إلى نهاية الشارع، فيشتهي ويتمنى، ثم يقول إنما هي النظرة الأولى مثل نظرة سلمان!

    أيها الاخوة المؤمنون هذا هو الإسلام وإكرامه للمرأة، فهو وسط بين الإفراط والتفريط، عوان بين الغلو والتقصير، قوام بين الإسراف والتقتير، فقد أجاز لها الخروج من البيت والمشاركة في المجتمع؛ ولكنه وضع لهذا الخروج شروطا تجعلها في مأمن من قادات الفسق ودعاته، شروطا تحمي شرفها وقيمتها، حتى يحفظ نساء الأحرار، شرفهن من شر الأشرار، حتى لا تكون فتنة لخائنة الأعين، وما تخفي الصدور؛ فمن هذه الشروط: الجدية في اللقاء لقول الله تعالى: {وقلن قولا معروفا}، والحجاب بستر الجسد كله ما عاد الوجه والكفين، لقوله تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها}، وغض البصر، لقوله تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون، وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن}، واجتناب الخلوة بالأجنبي في العمل والبيوت وسيارات الأجرة وغيرها، والرسولﷺ يقول: «لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثها الشيطان». والوقار في الحركات، لقوله عز وجل: {ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن}. واجتناب وضع المكياج والروائح الطيبة التي تحرك الشهوة، وتميت الغيرة والنخوة أثناء الخروج، والرسولﷺ يقول: «أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية». واجتناب مواطن الشك والتهم، من مخاطبة ومخالطة الرجال المعروفين بالفسق، والموسومين بمجاهرته، والرسولﷺ يقول: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» [بفتح الياء وضمها ]، والله تعالى يقول: {وذروا ظاهر الإثم وباطنه}؛ ومن ظاهر الإثم الاسترسال في النظر، وطول الكلام والمكالمات، وطول الاحتكاك والمجالسات، ومن باطن الإثم الاشتهاء بالنفس، والاستمتاع بالحرام والتطلع إليه.
     أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين والحمد لله رب العالمين...

    الحمد لله رب العالمين...
     أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون؛ هذا هو دينكم الإسلام؛ وسط في عقيدته وتصوره، وسط في شريعته وشرائعه، وسط في عاداته وعباداته، وسط في أخلاقه وفضائله؛ لأن الوسطية عدل وإحسان، استقامة وإيمان، قوة وأمان، وأن الإفراط والتفريط ظلم وخذلان، وضلال وعصيان، وضعف وهوان، يقول الله تعالى: {وكذلك جعلنكم أمة وسطا}، وجاء في الأثر: «خير الأمور أوسطها» ، وقضية المرأة في مجتمعنا مثل بارز يجسد موقفي الإفراط والتفريط. 
     فمن بيننا أناس متزمتون مقصرون في حق المرأة، ينظرون إليها نظرة استهانة واستعلاء، فهي عندهم أحبولة الشيطان، وشبكة إبليس في الإغواء والإضلال، يتزوجها أحدهم ليتمتع بها متى شاء ويطلقها متى شاء، لقد حبسوها في البيت فلا تخرج لعلم ولا عمل، وقالوا: إن على زوجها أن يعلمها، فلم تظفر بالعلم لا عند أبيها ولا عند زوجها، لأنهما في حاجة لمن يعلمهما، وفاقد الشيء لا يعطيه، وقد ضل من كانت العميان تهديه، وبعض هؤلاء رجع بالمرأة إلى عهد الجاهلية قبل الإسلام، فيحرم بناته عن الميراث، ويكتب تركته بيعا وشراء لأبنائه الذكور دون الإناث، والرسولﷺ يقول: «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم». وكثيرا ما استدلوا بأحاديث ضعيفة أو مكذوبة على الرسولﷺ، أو بأحاديث صحيحة ولكنهم أساءوا فهمها وتفسيرها. مثل حديث: «شاورهن وخالفوهن» وهو حديث لا اصل له. وحديث: «طاعة المرأة ندامة» وهو حديث موضوع كذب، وحديث: «لا تعلمهن الكتابة» وهو حديث موضوع كذب، وحديث: «ناقصات عقل ودين» وهو حديث صحيح، ولكنهم أساءوا فهمه وحولوه عن مقصوده ومناسبته؛ كل ذلك وهم يدعون اتباع السلف وإنما يتبعون في ذلك الفلس.
     هؤلاء -اخوة الإيمان- هم المتزمون المقصرون! وفي مقابل هؤلاء نجد الآخرين، الذين أفرطوا في شأن المرأة، وتجاوزوا حدود الفطرة، وحدود الفضيلة، فإذا كان الأولون أسرى تقاليد شرقية سلفية موروثة، فهؤلاء أسرى تقاليد غربية فلسية وافدة، ولقد كان من هذا الصنف الثاني من يريد أن يلغي الفوارق الطبيعية بين الرجل والمرأة، قائلا: إنها إنسان كما أن الرجل إنسان، فلماذا يتفاوتان؟ ونسي هؤلاء أن فطرة الله فرقت بينهما حتى في التكوين الجسدي لحكمة بالغة، وهي أن لكل منهما رسالة في الحياة تليق به وبطبيعته ومؤهلاته، فالأمومة بكل خصائصها وفضائلها ومتاعبها، هي صميم رسالة المرأة، التي لا يمكن أن يقوم بها الرجل أبدا، وهذا هو الذي جعل قرارها في البيت أكثر من الرجل، ومما يبعث على الضحك -ومن البلاء ما يضحك- أن هؤلاء يسمون أنفسهم أنصار المرأة، وهم في الحقيقة أعداؤها، فهم لا يريدون إلا استغلال جمالها، وانتهاك عرضها، وكيف لا وقد وصل بهم الاستهزاء بها، إلى أن يستغلوا جمالها وجسدها في الإشهار والترويج، فلا تكاد تجد إعلانا عن أي مادة من المواد، إلا وتطالعك فيها صورة امرأة عارية أو شبه عارية، بل لا يكاد يكون إشهار إلا بها، فصوروها على أغلفة المجلات، وواجهات المحلات، بكيفية يغرى الذئاب الجائعة من الرجال بالفتنة بها، والإيقاع بشرفها ونسف عرضها، فتغزو القلوب بجمالها وفتنتها، ويغزو الفساد عرضها وشرفها، وعندما تستسلم المرأة لهؤلاء فإن الرسولﷺ يقول فيها: «ما رأيت فتنة أضر على الرجال من النساء»، لقد ابتكروا لها مهنة جسدية ربما لا تخطر حتى ببال الشيطان، سموها عارضة أزياء ليهتكوا عرضها.
     أتدرون لما كل هذا؟ لأنه يستدر الأموال على حساب المرأة لأعدائها، فهم يريدونها بقرة حلوبا هكذا، ثم يتشدقون بعد ذلك بحقوقها، ألا ما أكذبهم! ألا ما أخدعهم! 
    ألا فاتقوا الله عباد الله وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ…
     للشيخ عبد الله بنطاهر حفظه الله ورعاه وبارك في علمه.
    تنويه: المقالات والمواضيع المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي أصحابها
    Scroll to Top