• صوت القرويين

    السبت، 4 مارس 2017

    هل يجوز أن يخطب شخص يوم الجمعة ويصلي آخر؟

    مسألةهل يجوز أن يخطب شخص يوم الجمعة ويصلي آخر؟
    سألني الفقيه الجليل سيدي مبارك أحدارف التناني إمام مسجد بمدينة الخميسات فقال: في إحدى الدواوير القريبة من مدينة الخميسات يوجد إمام لا يستطيع الجلوس ولا السجود في الصلاة لمرض حل به، وفي يوم  الجمعة كان يخطب ثم يقدم شخصا آخر يصلي بالناس نيابة عنه، ويصلي هو وراءه فوق الكرسي؛ هل يجوز ذلك أم لا؟

    الجواب: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
     وبعد؛ فإن الأصل والسنة أن يتولى الصلاةَ من يتولى الخطبة؛ لأن النبيﷺ كان يتولاهما بنفسه، وكذلك خلفاؤه من بعده، وقد قالﷺ: «صلوا كما رأيتموني أصلي»(1).
     والاستخلاف في الجمعة؛ إما أن يكون لغير عذر، أو لعذر سابق، أو لعذر طارئ:

    أولا: إذا كان الاستخلاف لغير عذر أو لعذر سابق؛ بمعنى أن الإمام يعلم مسبقا أنه لا يستطيع الإتيان ببعض أركان الصلاة من قيام أو ركوع أو سجود، ورغم ذلك اقتحم فخطب في الناس ليستخلف بعد ذلك في الصلاة؛ فصلاة الجمعة في الحالتين (لغير عذر، أو لعذر سابق) باطلة عند المالكية؛ لأن من شروطها إمامة خطيبها إلا لعجز؛ قال الشيخ خليل في شروط صحة الجمعة: "وبكونه الخاطب إلا لعذر"؛ أي: يشترط أن يكون الخاطب هو الإمام إلا إذا طرأ عليه بعد الخطبة عذر؛ من مرض، أو موت، أو جُنون، أو رعاف، أو نحو ذلك؛ فيصلي بهم غيره ولا يعيد الخطبة، فإن خطب شخص وصلى شخص آخر من غير عذر أو بعذر سابق بطلت الصلاة؛ قال الدسوقي: "أَمَّا لو حَصَلَ الْعُذْرُ قبل الشُّرُوعِ في الخطبة فإنه يُنْتَظَرُ"؛ أي: يُنْتَظَرُ حتى يزول عذره، وإلا خطب وصلى بهم غيره(2).
     أما عند غير المالكية من الحنفية والشافعية والحنابلة فالصلاة صحيحة، ولو كان الاستخلاف لغير عذر؛ قال زين الدين بن نجيم الحنفي: "وَلَمْ يُقَيِّدْ بِالْعُذْرِ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِهَا (أي الِاسْتِنَابَة) مُطْلَقًا"(3)، وقال الإمام النووي الشافعي: "إذا خرج الامام من الصلاة بحدث تعمده أو نسيه أو سبقه، أو برعاف، أو سبب آخر، أو بلا سبب؛ فإن كان في... صلاة الجمعة ففيه القولان أظهرهما: الجواز"(4)، وقال ابن قدامة الحنبلي: "وإن لم يكن عذر فقال أحمد رحمه الله: لا يعجبني من غير عذر؛ فيحتمل قوله المنع...، ويحتمل الجواز"(5)؛ لأن "وقوع الخطبتين مع الصلاة من واحد" عندهم سنة وليس بواجب ولا بشرط(6).

    ثانيا: أما إذا كان الاستخلاف لعذر طارئ فقال فيه الإمام مالك في المدونة: "فإن أحدث الإمام في الخطبة فلا يتمها، ولكن يستخلف من شهدها فيتم بهم، وكذلك إن أحدث بعد الخطبة أو بعد ما أحرم، وأكره أن يستخلف من لم يشهد الخطبة، فإن فعل أجزأتهم"(7). 
     فالاستخلاف في الجمعة لعذر طارئ يجوز عند المالكية والحنفية مطلقا؛ سواء طرأ أثناء الخطبة، أو أثناء الصلاة، أو بينهما؛ وكذلك عند الشافعية في الجديد، وعند الحنابلة في المشهور الراجح(8). 
     ويشترط أن يكون المستخلَف قد حضر الخطبة بتمامها عند الشافعية، أو جزءا منها عند الحنفية، وَإِنْ لم يَشْهَدْ شيئا منها لم يَجُزْ وَيُصَلِّي بِهِمْ الظُّهْرَ(9). 
     وعند المالكية ذلك مندوب فقط، فيجوز استخلاف من لم يشهد الخطبة مع الكراهة؛ قال الشيخ خليل: "وندب... استخلافه لعذر حاضرها"(10). 
    وعند الحنابلة ليس بشرط ولا بمستحب فتصح إمامة من لم يحضر الخطبة مطلقا(111).

    الخلاصة:
     خلاصة المذهب المالكي في المسألة: أنه لا تصح صلاة الجمعة إلا بإمام واحد يخطب ويصلي إلا لعذر طرأ أثناء الخطبة، أو أثناء الصلاة، أو بينهما، فيجوز الاستخلاف، ويستحب أن يكون المستخلَف قد شهد الخطبة.
     وإنما أتيت بالمسألة هنا على ضوء المذاهب الأربعة من أجل البحث عن الحل لهذه النازلة الواقعة؛ فيقال للإمام صاحب النازلة: صلاتك في الجمعة بهذا الشكل باطلة عند المالكية، صحيحة عند غيرهم، لهذا عفا الله عما سلف مراعاة للخلاف، ولا تعد التزاما بالمذهب.
    والله الموفق للصواب.
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    الهامـــــــــش:
    (1) رواه البخاري: كتاب الأذان: باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة: (1/ 226): رقم 605.
    (2) انظر: الشرح الكبير للدردير مع حاشية الدسوقي: (1/ 378)، وشرح مختصر خليل للخرشي: (2/777)، ومنح الجليل للشيخ عليش: (1/ 432)، والتاج والإكليل للمواق: (2/ 163).
    (3) البحر الرائق لابن نجيم الحنفي: (2/ 157).
    (4) المجموع شرح المهذب للنووي: (4/ 578).
    (5) المغني لابن قدامة: (2/ 154).
    (6) مطالب أولي النهى للرحيباني: (1/ 773).
    (7) المدونة لسحنون: (1/ 235)، وتهذيب المدونة للبراذعي: (1/ 120)، والذخيرة للقرافي: (2/ 3433)، والتاج والإكليل للمواق: (2/ 163).
    (8) المجموع شرح المهذب للنووي: (4/ 578)، والمغني لابن قدامة: (2/ 154). 
    (9) بدائع الصنائع للكاساني: (1/ 265)، ومغني المحتاج للشربيني: (1/ 297).
    (10) الشرح الكبير للدردير: (1/ 382).
    (11) شرح المنتهى للبهوتي: (1/ 3166).

    عبد الله بنطاهر
    يوم الثلاثاء 12 ذو القعدة 1437هـ 16 / 8 / 2016م
    مدرسة الإمام البخاري للتعليم العتيق أكادير المغرب
    تنويه: المقالات والمواضيع المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي أصحابها
    Scroll to Top