• صوت القرويين

    الأربعاء، 8 فبراير 2017

    عندما تغلق في وجهك مآثر فاس التاريخية...؟؟؟

    مآثرنا التاريخية...؟؟؟
    • سعيد العفاسي
    قبل أيام معدودة، طلب مني طاقم القناة الرابعة بأن أكون دليلهم بالمدينة القديمة، مدججين بجميع الوثائق الإدارية التي تسمح لنا بالتصوير، بحثا عن المواقع التي احتضنت تعليم الفتاة على عهد الحماية، وكانت رحلة البحث فياضة، محفوفة بالعمق التاريخي والحضاري لمدينة عرفت كيف تلبي الحاجيات المعرفية، وكيف تفتح فضاءاتها للتعايش والتسامح والتعاون، لجميع الشرائع المجتمعية التي تعاقبت عليها، ومرت بصفاء لتكون أجيالا تنبض بالحكمة والنقاء، وطلب مني أن أقودهم إلى مدرسة العطارين، قصد تصوير النموذج الذي احتضن الطلبة والدارسين سواء في الدرس أو الإقامة،غير أن القائم على أمر المدرسة أغلق الباب في وجه الكاميرا وفي أوجهنا جميعا ، بدعوى أنه لا يؤمن بالوثائق بقدر ما يؤمن بالمكالمة الهاتفية التي سيجريها مع رؤسائه، وبعد انتظار مرير مرفوق بعنجهية عنيدة، كان الجواب ممنوع الدخول وممنوع التصوير، وعدنا خائبين باحثين عن مواقع أخرى يتحلى أصحابها بالمرونة ويؤمنون بالأوراق الإدارية المغربية، وبما أنني-ولد الدرب- أسكن في نفس الحي الذي تتواجد فيه مدرسة العطارين، جادت علي الصدف بوفد سياحي أجنبي يدخل المدرسة وبابها نصف مورب، وعلمت بأن أمر الدخول إلى المدرسة لا يتطلب أوراقا إدارية بل أوراقا مالية.
    حوقلت وحمدلت ما شئت، وطأطأت رأسي وفي نفسي كل حتى وليس بعضها، وتساءلت في عجب مقرون بالأسف الشديد: لمن هي مآثرنا التاريخية ؟؟؟ وكيف لا تفتح في وجه الساكنة والمغاربة، وما قيمتها إذا لم تفتح أبوابها وعمقها التاريخي للمغاربة؟؟ ألسنا جديرين بها من غيرنا ؟ .وهكذا اكتشفت بأن العديد من ساكنة المدينة القديمة لم تسعفهم الظروف للدخول إلى بعض المآثر التاريخية القريبة منهم، بل ولا يعرفون عنها شيئا، ليس لجهلهم أو لأنهم لا يبذلون جهدا للإطلاع على هذا الإرث التاريخي والحضاري والذي يشكل ذاكرة المغاربة، بل لأن أبواب المآثر التاريخية سدت في أوجهم سدا وغلقت الأبواب، وقالت للأجانب هيت لكم، شأن مدرسة العطارين ينطبق على مدرسة الشراطين والمدرسة البوعنانية ومدرسة الصهريج والسباعيين وفندق النجارين ومتحف البطحاء ودار بن خلدون والبرجين الشمالي والجنوبي...فمثلا سكان درب مينة و درب الواد المجاورين لفندق النجارين لا يعرفون الكثير عن الفندق من الداخل بقدر ما يعرفه السائح الأجنبي، وبهذا أصبحت المآثر التاريخية شبه معزولة عن الساكنة يرونها فقط من الخارج مثل القمر، ويأخذون صورا تذكارية من الواجهة الخارجية فقط، وكأنها ليست ملك للمغاربة. 
    الأدهى من هذا أن بعض الدروب اليوم سدت في أوجهنا وأصبحت محرم علينا دخولها، بفضل سياسة بيع الرياضات والدور العتيقة للأجانب، لم يعد لنا الحق في دخول تلك الدروب لأن دورها بيعت بالكامل للأجانب، وأصبحت أحياء معزولة عن الساكنة، ويحظر منع التجول بها، لأسباب أمنية. فاس اليوم أصبحت متحفا حقيقيا شاملا وجامعا ومانعا، اجتمع فيها ما تفرق في غيرها،وحيثما وليت وجهك فتم معلمة تاريخية تستحق أن تزار وأن تفتح أبوابها في وجهنا لكي نخلق معها علاقة حب وتذاوت مبني على تقدير الماضي وتمجيد الحاضر لبناء مستقبل مشفوع بجدلية التأثير والتأثر، وحتى لا نبني سدا منيعا بيننا وبين مآثرنا التاريخية التي هي جزء منا، بل هي عمقنا وباطننا وظاهرنا، بل هي نحن...
    لم يؤلمني شيء أكثر مما ألمني إغلاق مدرسة العطارين في وجهي، وفي وجه كاميرا القناة الرابعة، وفي وجه المغاربة، في تلك اللحظة أحسست بغبن عميق يتسرب إلى كياني، ويهددني بالزوال والنكران، وأعتقد لو أننا نفحنا قيم المدرسة بالعملة المغربية لسمح لنا نفعل فيها ما نشاء، فما أحوجنا إلى قيمين متصالحين مع ذواتهم ومع مغربيتهم ومع مواطنتهم، مدركون بأن المآثر التاريخية هي ملك لنا لا للعملة الأجنبية.
    تنويه: المقالات والمواضيع المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي أصحابها
    Scroll to Top