• صوت القرويين

    الأربعاء، 8 فبراير 2017

    رحم الله سيدنا "المسيد "... ؟

    رحم الله سيدنا "المسيد "... ؟
    * سعيد العفاسي
    كلما مررت أمام إحدى الكتاتيب القرآنية " المسيد " بفاس، أقف ملوما محسورا على ماآلت إليه هذه المدارس العتيقة التي كانت مشاتل حقيقية للعديد من العلماء والفقهاء والوطنيين والسياسيين وفطاحلة الأدب والعلم والفن...وفي تلك الوقفة أقرأ سورة الفاتحة وما تيسر من الذكر الكريم ترحما على المسيد،وعلى تلك الأيام التي سمعت عنها أو عايشت انحطاطها. لقد كان الآباء غالبا ما يعوزهم المال لأداء تكاليف التمدرس، إن لم اقل أنه كان حكرا على فئة من الطبقة المجتمعية، بحيث إن شباب فاس- والكلام هنا نقلا من الجزء الثاني من كتاب" فاس قبل الحماية" لروجي لطورنو- "على العموم وبقدر ما يمكننا أن نحكم عند انعدام المعلومات الإحصائية، كان متعلما جدا بالنسبة لمجموع المغرب، وحتى لمدن أخرى من المملكة الشريفة، فكان عدد الكتاتيب، في المدينة وحدها 120 كتابا، منها 24 في عدوة الأندلس و96 في عدوة القرويين وقصبة فيلالة"، وهنا لن استفيض في وصف المسيد والأدوات المدرسية والطرائق التربوية، لأن جميع كتاتيب العالم الإسلامي منظمة بنفس الكيفية ومعروفة منذ عهد قديم،والأغرب من هذا كله أن معلمي- الفقهاء- القرآن لم يكونا فاسيين، كانوا محترمين من لدن التلاميذ، وكانت القضبان الموضوعة دائما في متناول الفقيه تساهم في ترسيخ الاحترام في الأدمغة الفتية، وكذلك من لدن أولياء التلاميذ، لاسيما الآباء الذين يكنون الاحترام الواجب لخدام الدين وملقني العلم، ولم يكن يغيضهم أن يروا أبناءهم خاضعين لسلطة عنيفة أحيانا ولكنها صارمة، كان الأب هو الذي يقدم ابنه إلى الفقيه مقابل مبلغ زهيد من المال في شبه عقد تقليدي، عندما يبلغ الطفل مرحلة الذهاب إلى المسيد، لم يكن يسجله، بل يسلمه إلى الفقيه مستعملا العبارة التالية: " هاهو ابني، هو ابنك منذ الآن علمه واضربه وإذا قتلته أنت أدفنه أنا"، طبعا العبارة هنا مجازية ولم يكن الفقيه يعبأ باتخاذ هذا التصريح حرفيا لكنه لم يكن يدخر جهدا في العقوبات البدنية سواء بضربات القضيب على الرأس أو الكتفين بالنسبة للأخطاء الطفيفة، أو ب "الفلاقة " إذا طفح الكيل، أما يوم الثلاثاء فكان يعتبر من هذا القبيل مشؤوما بكيفية خاصة، لأنه يوم الاستظهار.ولم تكن الحياة الدراسية بالمسيد تخلو من التسلية، فنهاك الاحتفال الأعياد الدينية، فعيد الأضحى مناسبة لولائم الصبيان "عشيشة قديرة" التي تنظم عند الأسر، وكان عيد المولد النبوي يقضيه الأطفال في الكتاب أو في المسجد المجاور للمسيد، وكانت عاشوراء تحمل فيها الشموع إلى الفقيه، ويسهرون في المسيد المضاء بالأنوار، ويحفظون فيه منذ الفجر درسا قصيرا ليبدؤوا السنة على أحسن حال.بالإضافة إلى عيد الختمة، عندما يحفظ الصبي الحزب الأول من القرآن، إن أساليب التربية في المسيد تبدو بدائية، وقد يهزأ المرء منها، إلا أنه لابد من الاعتراف بأن كل الذين مروا من المسيد قد انطبعوا به انطباعا عميقا واحتفظوا له بذكر جيد، وهم الآن في مناصب سياسية وإدارية ،والانطلاقة دائما كانت من المسيد.
    كل الذي قلت سابقا أصبح اليوم في عداد التراث الشفهي ، وحكايات تروى للتسلية أو للذكرى،أو للتذكير، والوقوف على الأطلال، وحال المسيد اليوم حال له شجون وله رثاء وله بكاء،تبدلت الكثير من الأحوال وأصبح المسيد مكانا تدس فيه الأطفال دسا، كيفما اتفق، ومكان يحبس الطفل فيه من التاسعة صباحا إلى الثانية عشرة ومن الثالثة والنصف إلى الخامسة مساء، ليس الهدف هو الدرس والحفظ القرآن وإنما تأثيث فضاء المسيد بالصراخ والبكاء، وحركات القائمات على المسيد في محاولة للظفر بزائر جديد يحن إلى تلك الأيام الخوالي لكي يطل على هذا الفضاء إطلالة بالعين والنقد، تبدل الفقيه بفتيات لفضتهن المدارس لفضا، لا يحفظن حتى سورة الفاتحة بالطريقة الصحيحة، ولا يفقهن أساليب التربية ولا يدركن ما يقمن به، إلا ما تعلق بجمع مداخيل يوم الأربعاء أو نهاية الشهر، وفي المساء يصبح المسيد فضاء للساعات الإضافية، وأشياء أخرى...تمس بقدسية هذه الفضاءات التعليمية.
    المسيد اليوم غيره البارحة، اليوم تحول المسيد إلى مزار للسياح ومحطة أساسية لكل قافلة سياحية تزور المدينة القديمة، حيث يقف المرشد السياحي أما باب المسيد ويبدأ في شرح أدواره وأهدافه، بمغالطات كبيرة، ثم يفسح المجال لجميع السياح بالتقاط الصور والتسجيل، وتتفنن الفتيات القائمات على تسيير المسيد في تعليم الصبيان بعض الأناشيد الترحيبية، وتحفيظهم " السلام" بشتى أنواع اللغات حتى بالعبرية حسب الوفد، وكل سائح ينفح القائمات بالدرهم المغربي أو بالأورو أو بالدولار، كل واحد حسب أريحيته، ولن تتوان إحداهن في طلب مساعدة هؤلاء الصبيان على أساس أن ذويهم فقراء، وأنهن يقمن بهذا العمل مجانا، بحجة انعدام العمل واستفحال البطالة، بعبارة أخرى أصبح المسيد وسيلة للتسول والاستجداء، والنصب على السياح، والصبيان، والأمهات والآباء، وأولياء الأمور، باسم 12 قرنا من التنوع الثقافي ومن تاريخ هذه المدينة التي أصبحت حجة المدائن... أما مسألة التعليم والتلقين والحفظ بالمسيد فتلك قصة انتهت ذات يوم، عندما أصبح المسيد لعبة في أيدي المضاربين والمنتفعين والأوصياء والمتحذلقين والوصوليين، وكم من مسيد تحول إلى خربة، وكم من مسيد بيع فأصبح دكانا، وكم من مسيد فوت فأصبح ورشة، وكم من مسيد تشرئب إليه العيون، وهذا يحدث أمام مرأى ومسمع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، التي اجتهدت كثيرا وفوتت كل الكتاتيب القرآنية لجمعية الجزيرة الخضراء للتربية والتعليم و يرأسها وزير سابق، وما علينا إلا أن نردد مع الشاعر:" لا تنهى عن منكر وتأتي بمثله عار عليك إذا فعلت عظيم"، لأن هذا الوقف كان لزاما أن يبقى محروسا من طرف وزارة الأوقاف وأن تعمل جاهدة على الحفاظ على هذا الموروث الثقافي، وهذا الإرث الحضاري الذي ربى الأجيال وبقي صامدا شاهدا عبر العصور، وهاهو اليوم يزار كما تزار المقابر وكل في نفسه شيء من حتى.
    وتبقى الحقيقة مؤلمة والواقع مر والحديث عنه وسيلة لتنبيه الغافلين القيمين على هذا الشأن بضرورة رد الاعتبار للكتاتيب القرآنية،وإحياء دور المسيد بظروف حداثية مع المحافظة على الجوهر، ليبقى المسيد منارة تنير درب العابرين إلى محيط المعرفة والعلم، وليس إلى الارتزاق والتطفل وطمس الهوية المغربية. 
    """""""
    ارجو لمن يريد ان ينقل المقال، ان يذكر المصدر.
    تنويه: المقالات والمواضيع المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي أصحابها
    Scroll to Top