• صوت القرويين

    الأربعاء، 15 فبراير 2017

    خطبة | مشكل حوادث السير وكيف عالجه الإسلام

    الحمد لله الذي أنزل الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس، وجعلهم ليتعارفوا الشعوب والأجناس، وحرم عليهم الخمر لأنها أمُّ الخبائث والأنجاس، وأشهد أن لا إله إلا الله شرع في الإسلام حلا لكل مشكل وكشفا لكل إلباس، يريد للمؤمن أن يستعمل الطريق في يقظة واحتراس، وألا يستعمل السيارات فيها إلا بعد الدربة والمراس، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله كان ملء قلبه اليقظة والحماس، والتقوى لمعاملاته أساس، ولسان حاله يقول لكل خبيث: لا مساس، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الذين هم في العلم والمعرفة نبراس، وعلى التابعين لهم بإحسان ما دام النوم سباتا والليل لباس.
    أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.

    موضوع خطبة اليوم "مشكل حوادث السير وكيف عالجه الإسلام؟" وكنت قدمت لكم هذا الموضوع من فوق هذا المنبر، ولكن المشكل يتكرر فيجب أن يتكرر إليه التنبيه، فلا يكد يوم يمر إلا وسجل في بلادنا حوادث خطيرة، وخصوصا في الطرق الرابطة بين المدن، ولا شك أن الطرق ووسائل المواصلات نعمة من نعم الله تعالى، أنعم بها على أهل هذا العصر بالخصوص، فبها تنشط حركة السير والتجارة، وبها ينتقل الناس من مكان إلى آخر بيسر وسهولة، وبها يهتدي الإنسان في حله وترحاله، قال تعالى: {الذي جعل لكم الأرض مهادا وسلك لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون}، وقال سبحانه في معرض تذكير الناس بنعم المواصلات: {وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤوف رحيم والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة، ويخلق ما لا تعلمون{

    وإذا كانت الطرق نعمة، فإنها قد تتحول بسوء التصرف إلى نقمة، وإذا كانت وسائل المواصلات تكريما من الله الولي الحميد، فإنها قد تتحول بالتهور إلى عقاب شديد، والواقع في هذا أوثق شاهد، فكم من واحد قتل بها من جراء سوء استعمالها، وكم من أطفال أفقدتهم حوادث السير آباءهم، فكانوا ضحية اليتم والتشرد في معاناة الحياة ومأساتها، وكم من نساء لازلن في مقتبل العمر أرملتها، وكم من رجال أقوياء أضعفتهم بالشلل وقطع الأطراف، وكم من أناس أفقدتهم الوعي فكان مصيرهم مستشفى المجانين.

    وإن من عظمة الإسلام أن يحتوي في أحكامه وشرائعه، على الحلول لمشاكل العالم اليوم، فالإسلام لم يترك شاذة ولا فاذة إلا وبين الحكم فيها، فلا تكاد مشكلة تطفو على الساحة العالمية اليوم، إلا وكان الإسلام الحلَّ الأمثل لها فكان من حق المسلم أن يتساءل: كيف عالج الإسلام مشكل حوادث السير؟

    أيها الإخوة المؤمنون إن أي مشكل لا يمكن معالجته إلا بمعالجة أسبابه، والإسلام عالج حوادث السير بمعالجة أسبابها، لقد أخذ فيها بمبدأ "الوقاية خير من العلاج" ومبدأ "سد الذرائع"؛ وأسباب حوادث السير بالتتبع والاستقراء عشرة وهي ما يلي: الخمر والمخدرات، تبرج النساء في الشوارع والطرقات، عدم صلاحية بعض السيارات للاستعمال، الرشوة والارتشاء، فساد الطرق وعدم صلاحيتها، الجهل بالسياقة وقوانينها، الاشتغال أثناء السياقة بأمور لا علاقة لها بالسياقة كالاتصال بالهاتف، السرعة المفرطة، النوم والإرهاق، عدم احترام قوانين السير. وهذه الأسباب كلها عالجها الإسلام مند أربعة عشر قرنا.

    أولا: أما الخمر والمخدرات، فأغلب حوادث السير كان بسبها؛ بل منها تتوالد كل المشاكل وتتكاثر، ومنها تتفرع كل المصائب وتتناثر، وحكم الإسلام فيهما معروف للصغير والكبير، وضررهما بالفرد والمجتمع واضح وضوح الشمس في كبد السماء، وإذا كانت قوانين السير تمنع السكر أثناء السياقة، فإن الإسلام يحرمه على المسلم طيلة حياته، لا فرق بين السائق وغيره، وإذا أردنا أن نوقف حوادث السير فعلا فيجب أن نوقف تجارة الخمر في مجتمعنا، وأن نغلق حانات الذين يبيعون الخمر علنا بين المسلمين!!

    ثانيا: أما تبرجُ النساء وإبداءُ مفاتنِهن في الشوارع، حيث يلهو بهن الذئاب الجائعة من السائقين، وما أكثرهم! فتكتظ الطرق بطلاب الفسق والمجون، بحثا عن العاهرات بالسيارات، فيقفون دون إشعار، وينطلقون دون شعور، لأن فتنة المتبرجة أفقدتهم التركيز والصواب، فتقع الحوادث بسبب ذلك، فيَقتُلون أو يُقتَلون؛ فهذا قد عالجه الإسلام بوجوب الحجاب وغض البصر؛ وقد قال الله تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم}. ومن العجيب أن سبب نزول هذه الآية الكريمة هو حوادث السير فقد أورد السيوطي في الدر المنثور في التفسير بالمأثور عن علي بن أبي طالب قال: مر رجل على عهد رسول اللهﷺ في طريق من طرقات المدينة، فنظر إلى امرأة ونظرت إليه، فوسوس لهما الشيطان: أنه لم ينظرأحدهما إلى الآخر إلا إعجابا به، فبينا الرجل يمشي إلى جنب حائط ينظر إليها، إذ استقبله الحائط فشق أنفه فقال: والله لا أغسل الدم حتى آتي رسول اللهﷺ، فأعلمه أمري، فأتاه فقص عليه قصته فقال النبيﷺ: «هذا عقوبة ذنبك» وأنزل الله {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم…{
    ثالثا: أما عدم صيانة السيارات وعدم صلاحيتها للاستعمال، ورغم ذلك فالناس يستعملونها دون مراقبة، فالرسولﷺ قد بين لنا أن المراكب السيئة تؤدي إلى الشقاوة، وأي إنسان أشقى ممن أودت حوادث السير بحياته أو صحته ،وقد قالﷺ فيما روى الإمام أحمد بإسناد صحيح: «من سعادة ابن آدم ثلاثة: المرأة الصالحة، والمسكن الصالح، والمركب الصالح، ومن شقاوة ابن آدم ثلاثة: المرأة السوء، والمسكن السوء، والمركب السوء»، فعلى المسلم إذن أن يتعهَّد مركبه، ويقوم بصيانته لئلا يكون سببا في شقاوته.

    رابعا: أما الرشوة والارتشاء فقد روى أبو داوود والترمذي وأحمد «أن الرسولﷺ لعن الراشي والمرتشي والرائش»: آخذ الرشوة ودافعها والوسيط بينهما، الكل في الإسلام ملعون الكل مطرود من رحمة الله، فيجب أن نشطب على لغة الرشوة في معاملاتنا، فلا يتسلم الشخص رخصة السياقة إلا عن علم وجدارة، ولا يسلم الخارق لقوانين السير من العقوبات المنصوص عليها بدفع الرشوة.

    خامسا: أما الجهل بالسياقة وقوانينها، فإن الإسلام يحرم على الإنسان أن يستعمل أي شيء لا معرفة له به، قال تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم}، ولقد علمنا القرآن والسنة أن نرجع فيما لا نعلم إلى العلماء، فقال تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}، وقال النبيﷺ: «هلا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال». وعليه فإن المسلم الذي يسوق دون العلم بالسياقة يعتبر في الإسلام مذنبا قد ارتكب حراما.

    سادسا: أما السرعة المفرطة، أو السرعة الجنونية فقد مرض بها بعض الناس، فتراهم يسرعون بسياراتهم أو دراجاتهم داخل المدينة، تلك السرعة القاتلة، إما تخيلا وتكبرا، وإما جهلا وتهورا، غير مبالين بمدارس الأطفال، ولا بأبواب الأسواق، ولا بممر المشاة، وكم من واحد منهم يُسرِع حتى يُصرَع، والسرعة ليست من أخلاق المؤمن، وقد نهى عنها الإسلام، فاستمعوا معي للقرآن الكريم، وللحديث النبوي الشريف، لنرى كيف عالج الإسلام مشكل الإفراط في السرعة الذي أودى بحياة الكثير، فقد جعل القرآن الكريم التؤدة من صفات عباد الرحمن، فقال سبحانه: {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا}، وقد أمرنا الله تعالى على لسان لقمان عليه السلام بالقصد في المشي فقال: {واقصد في مشيك}، وقد مدح الرسولﷺ رجلا من الصحابة بالتؤدة والأناة وقالﷺ: «إن فيك لخصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة» وروى أبو يعلى ورواته رواة الصحيح: أن النبيﷺ قال: «التأني من الله والعجلة من الشيطان.»

    سابعا: أما عدم احترام قوانين السير، فإنك ترى بعض الناس لا يحترمون الضوء الأحمر ولا الأخضر، ولا يحسبون أي حساب لعلامات الوقوف والمرور، وليس هذا منهم جهلا، بل هو تجاهل وتهور. فما ذا يقول الإسلام في أمثال هؤلاء؟
    إن الإسلام يأخذ في أحكامه بالعرف الصحيح، وهو ما تعارف عليه الناس ولم يخالف دليلا شرعيا، ومن القواعد المشهورة عند علماء الأصول في هذا المجال، "العادة شريعة محكمة"، "والمعروف عرفا كالمشروط شرطا"، "الثابت بالعرف كالثابت بالنص"، والرسولﷺ يقول فيما الإمام أحمد: «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن»، وليست قوانين السير إلا عرفا تعارف الناس عليها، تجب مراعاتها، ومعاقبة من يخالفها.

    ثامنا: أما النوم والإرهاق فإن الإسلام راعى ظروف الإنسان النفسية، وأنه يحتاج إلى الاستقرار والراحة، وخصوصا في السفر إلى أماكن بعيدة، والرسولﷺ يقول: «السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه، فإذا قضى أحدكم نهمته -أي حاجته- من وجهه فليُعَجِّل إلى أهله»، والنوم نعمة من الله تعالى، ومصدر راحة الإنسان، قال الله سبحانه: {وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا}؛ بل الإسلام اعتبر النوم حقا من حقوق النفس، فقال الرسولﷺ: «إن لنفسك عليك حقا»، وقد منعﷺ من أراد أن يحرم نفسه نعمة النوم بالعبادة فقال: «أما إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»، وإذا تبرأ النبيﷺ ممن يحرم نفسه النوم والراحة من أجل عبادة الصيام والقيام، فمن باب أولى وأحرى أن يتبرأ ممن يفعل ذلك من أجل عمل دنيوي كالسياقة…

    تاسعا: أما اشتغال السائق بعمل آخر وهو يقود سيارته، كالأكل والشرب أو الاستماع للموسيقى الصاخبة، أو المناقشة مع الغير في الحديث، أو الاتصال مع الغير عبر الهاتف النقال بيد، ومقود السيارة في يده الأخرى، أو التدخين وأنتم تعلمون أن الدخان يحجب الرؤية عن السائق كما تعلمون، وهو في الإسلام حرام، فإن السياقة نظرا لخطورتها، تحتاج للتركيز الكامل، والقرآن الكريم يبين لنا، أن الإنسان لا يستطيع أن يقوم بمهمتين في آن واحد، فقال سبحانه: {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه}…
    صدق الله العظيم، وغفر لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين والحمد لله رب العالمين.

    الحمد لله رب العالمين…

    أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون!

    أما العاشر من أسباب حوادث السير فهو فساد الطريق، وعدم صلاحيته للسير، والإسلام عالج هذا السبب حين أمرنا بإصلاح الطرق، وإزالة الأذى عنها، روى مسلم، أن رسول الله قالﷺ: «اعزل الأذى عن طريق المسلمين» وروى الإمام أحمد، أن النبيﷺ قال: «من أخرج من طريق المسلمين شيئا يؤذيهم، كتب الله بها حسنة، ومن كتب له حسنة، أوجب له الجنة» وروى البخاري ومسلم، أن النبيﷺ قال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة: أعلاها لاإله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» وفي رواية: «إماطة الأذى عن الطريق صدقة».
    وإزالة الأذى عن الطريق يصدق على إحداثها، وتوسعتها، وتعبيدها، ووضع إشارات المرور الدالة على المنعطفات وأماكن الوقوف واتجاهات السير فيها، وتعبيد الطرق إلى القرى لفك العزلة عنها، وربط المدن فيما بينها بالطرق المزدوجة أو الطرق السيارة.
    وإزالة الأذى عن الطريق أمر واجب؛ سواء كان هذا الأذى شوكا، أو حجرا، أو شجرا، أو حتى جبلا أو نهرا، إن كان في استطاعتنا أن نمهد فيهما للطرق بالأنفاق والقناطير، وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يستشعر ثقل المسؤولية في إصلاح طرق المسلمين، يوم كان خليفة المسلمين: "لو عثرت بغلة بالعراق لسألني الله: لِمَ لَمْ تصلح لها الطريق يا عمر".
    ألا فاتقوا الله عباد الله وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ...
    || عبد الله بنطاهر
    تنويه: المقالات والمواضيع المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي أصحابها
    Scroll to Top