• صوت القرويين

    الثلاثاء، 3 يناير 2017

    خطبة "في ذكرى وفاة الحسن الثاني طيب الله ثراه"

    الخطيب : عبد الله بنطاهر
    خطبة خاصة بالمغاربة بعنوان: "في ذكرى وفاة الحسن الثاني طيب الله ثراه"
    وهي خطبة بالمناسَبة، لعلها تكون مناسِبة لمن أحب أن يستأنس بها، أو يوظفها بعد أن ينظفها، فينقحها من أخطائي ليلقحها بأفكاره والرجاء منه أمران:
    1) الدعاء لي -بعد الإخلاص- عن ظهر الغيب.
    2) غض البصر -بعد الإصلاح- عما فيها من العيب.
    تاريخ إلقائها: 7 ربيع الأخير 1438هـ 6 / 1 / 2017م.
    بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه. 
    الحمد لله الذي جعل البيعة أساس التقوى والطاعة، وجعل الطاعة أساس الوحدة والجماعة، وجعل الجماعة أساس التقدم والصناعة، وأشهد أن لا إله إلا الله أكرمنا بشرع ملؤه الأمن والأمان والعفاف والقناعة، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله أكرمه الله بالرحمة والشفاعة، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه ذوي الإقدام والشجاعة، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الساعة.
    أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.
    الذكريات أمر يلازم الإنسان في حياته، يتذكر ذكرياته الخاصة حينما تدور دورتها في التاريخ، فيعاود قلبه التألم والأسى لمؤلمها، كما يعاود الفرح والسرور لجميلها، والوقوف عند الذكريات ينفع من يخشى ويتدبر، ويفيد من يتقي ويعتبر، والله تعالى يقول: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}، ويقول سبحانه: {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى}، ويقول تعالى: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ}؛ ومعنى الذكرى: أن نتذكر في الذهن حدثا وقع في الماضي، ثم نذكره بألسنتنا في الحال، ثم نحاول الانتفاع به والاستفادة منه بأعمالنا في المستقبل؛ فمن أنكر هذا الحلال في الذكريات فقد تنطع، ومن زاد هذا إلى المحرمات فقد ابتدع، وقد هلك المتنطعون وضل المبتدعون على لسان رسول الله .
    وقد كان  يتذكر زوجته خديجة رضي الله عنها كلما وقف على أمر له علاقة بها، ثم يذكرها بلسانه مادحا لها ومثنيا عليها، ثم يقوم بتكريم من لها علاقة بها من صواحبها من النساء إكراما لها ووفاء لذكراها؛ لقد ماتت أمنا خديجة رضي الله عنها بعد أن كانت بجانبه  بنفسها ومالها، وكانت أول الواقفين وأول المساندين وأول المسلمين، فسَمَّى  العام الذي ماتت فيه عام الحزن، وكان  كلما كان في داره طعام جيد يقول: خذوا هذه لصاحبات خديجة، خذوا هذا الطعام لأهلها، كان يتذكرها بأهلها وقد مر على موتها سنوات، فيرسل إليهم الهدايا والعطايا، وإذا جاءت واحدة من قريباتها يستبشر ويكرمها ويقول : لقد كانت تأتينا زمن خديجة، فكان  يكثر من ذكراها وذكرها، حتى غارت عائشة رضي الله عنها منها، فقالت: قد أبدلك الله خيراً منها؛ تقصد نفسها؛ لأنها هي الفتية الشابة، فقال : «لا والله ما أبدلني الله خيراً منها، لقد واستني بمالها إذ حرمني الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وآمنت بي إذ كفر بي الناس، ورزقني الله منها الولد ولم أرزق الولد من غيرها».
    هذا هو أصل الذكرى وهذا هو معناها، ونحن المغاربة في هذه الأيام نتذكر حدثا جللا اهتزت له النفوس، وحارت له يومها العقول، إنه وفاة الملك النابغة الملك العبقري الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه. 
    نتذكر بمناسبة وفاته تضحياته رفقة والده المنعم محمد الخامس طيب الله ثراه، بدأ من الاستقلال لتحرير البلاد، إلى المسيرة الخضراء لتحرير الصحراء. 
    نتذكر خطبه الارتجالية الناضرة، ونصائحه التلقائية النيرة، نتذكر أعماله الرجولية الوافرة، وإنجازاته العظيمة الكثيرة؛ نعم نتذكر خطبه الخالدة، وخصوصا النماذج التي تعالج مشاكل صرنا اليوم نعاني منها. 
    نتذكر خطبته عن الحداثة حينما يتم تشويهها، منتصرا للقيم السامية، والأخلاق الفاضلة، والآداب الرفيعة إذ قال طيب الله ثراه: "إذا كان المقصود بالحداثة القضاءَ على مفهوم الأسرة، وعلى روح الواجب إزاء الأسرة، والسماحَ بالمعاشرة الحرة بين الرجل والمرأة، والإباحيةَ عن طريق اللباس، مما يخدش مشاعر الناس.. إذا كان هذا هو المقصود بالحداثة، فإني أفضل أن يعتبر المغرب بلدا يعيش في عهد القرون الوسطى على أن يكون حديثا".
    نتذكر محافظته على الأسرة في الإسلام، والأسرة أساس الدولة، وقوفه في وجه دعاة التغيير حين قال قولته المشهورة: "أنا لا أحل حراما ولا أحرم حلالا". 
    نتذكر خطبته التي يحذر فيها عما نعاني منه اليوم، من غزو الألفاظ الفرنسية للغة التخاطب عندنا، أمثال "أوكي" و "ضونك" و"باي باي"، والكوزينا، والطومبيل وغيرها، إذ قال بحرارة يوم 20 غشت سنة1994 طيب الله ثراه: "لأن أسمع طفلا مغربيا يخلط بين العربية الدارجة أو الفصحى، وبين تاريفيت أو تمازيغت أو تشلحيت أفضل بالنسبة لي وأشرف بالنسبة لي، وأقول: أكثر مناعة بالنسبة للمستقبل، من أن أسمع الطفل والطفلة ووالديه كذلك، يخاطب بعضهم بعضا بالخلط بين العربية والفرنسية أو الخلط بين العربية والإسبانية".
    أما حين نتذكر إنجازاته العملية العظيمة؛ فالسدود العملاقة في كل الجهات تتحدث عنها، والمطارات المتطورة في المدن الكبرى ترفع الستار عنها، والمواني البحرية التي تعانق المحيط الأطلسي والبحر المتوسط ترفع الحجاب عنها، والجامعات العلمية في شتى المجالات تخبرنا عنها، والمستشفيات التي تعددت اختصاصاتها تذكرنا بها. 
    أما حينما نتذكر اهتمامه البالغ بأمن العباد واستقرار البلاد، فالأمن المادي التي نعيشه اليوم أو ضح دليل عنها، والأمن الروحي الذي يريحنا أكبر علامة لها؛ ففي الأمن المادي حافظ على الأمن الاقتصادي، والأمن الصحي، والأمن الاجتماعي؛ تحقيقا لقول الرسول : «مَنْ أصبَحَ منكم آمِنا في سِرْبه، مُعافى في جَسَدِهِ، عندهُ قوتُ يومِه، فكأنَّما حِيزَتْ له الدنيا بحذافيرها»، وفي الأمن الروحي أسس للحفظ على المذهب المالكي في الإسلام، وعلى العقيدة الأشعرية في الإيمان، وعلى التصوف السني في الإحسان، وهل الدين إلا الإسلام والإيمان والإحسان كما الرسول ؟ 
    نتذكر وقوفه بعزم في وجه كل تطرف، ورده بحزم سوء كل تصرف؛ فكان -طيب الله ثراه- من أوائل الذين حذروا من شيعة الخميني، هذه الشيعة التي حطمت اليوم العراق والشام واليمن، وما دخلت بلدا إلا وزرعت في مدنه الدمار الشامل، إلا وزعت في قراه الهلاك في الحرث والنسل، وما زالت الشيعة -كأنها جهنم- تقول: هل من مزيد؟
    وما احتفالنا بهذه الذكرى اليوم إلا تجسيدٌ لتلك الآمال التي ظل ينادي بها، وتلك الأماني التي دوما يدعو إليها؛ للسير قدما بهذا البلد نحو التقدم والرقي والازدهار، والأمن والأمان والاستقرار، في ظل الثوابت والمقدسات، تحت القيادة الصالحة التي قيضها الله لهذا الوطن العزيز.
    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين والحمد لله رب العالمين
    الحمد لله رب العالمين…
    أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ ها اليوم ابنه البار، سليل الأشراف العلويين، أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس حفظه الله يواصل بعزيمة الأبطال، مسيرة والده المنعم في الإنجازات الإيمانية والإنمائية، الدينية والاجتماعية والاقتصادية والصحية، من أجل رفاهية شعبه وراحة رعيته، وما فتئ حفظه الله يعطي الانطلاقات للمشاريع الدينية والدنيوية، من الطرق السيارة والمطارات والموانئ والجسور المعلقة، وبناء السدود والمساجد، قاصدا بذلك أن يعيش شعبه الحياة الطيبة، حياة الرفاهية الدينية والدنيوية، والله تعالى يقول: {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون}... 
    ألا فاتقوا الله عباد الله وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول الله 
    تنويه: المقالات والمواضيع المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي أصحابها
    Scroll to Top