• صوت القرويين

    الأحد، 1 يناير 2017

    مخطوط الأرجوزة الطبية لابن طفيل (من خزانة القرويين)

    مخطوط الأرجوزة الطبية لابن طفيل
     تحميل المخطوط

    الأرجوزة الطبية لابن طفيل

    محمد بن عبد العزيز الدباغمجلة دعوة الحق | العدد 239 ذو القعدة 1404/ غشت 1984
    إن الاعتناء بالطب مظهر من مظاهر الحضارة العربية في المشرق والمغرب والسبب في ذلك راجع على علاقة هذا العلم بحياة الناس وحفظ أبدانهم ورعاية أجسامهم ولذلك كان التواصل مرتبطا بين العلوم العربية والعلوم عند الأمم الأخرى في هذا الباب لأن الجسم رهن بمدى العناية التي يوليها المهتمون به سواء فيما يتعلق بدراسة أعراضه الذاتية أو دراسة ما يتصل به من وسائل العلاج؛ الشيء الذي جعل الاهتمام الطبي لا ينصب على تشخيص الأمراض فقط بل انصب أيضا على البحث عن وسائل العلاج بطريق التغذية وطريق التكيف مع الطبيعة وقويت بسبب ذلك الدراسات المهتمة بالنباتات والحيوانات والمعادن وغيرها واتصلت الدراسات المتعلقة بعلم الصيدلة مع الدراسات المتعلقة بالطب العام أو الخاص وورث العرب كثيرا من هذه الدراسات عن اليونان والهند والفرس وغيرهم وأضافوا إليها من تجاربهم وخبراتهم فأصبحت أصبحاهم بسبب ذلك ذات شأن عظيم.
    ولقد تتبع أهل البحث ما توصل إليه العرب من اكتشافات هامة في أحوال الجسم البشري وفيما يعود عليه من النفع سواء كان ذلك بميدان الطب السريري أو يتصل بالطب الجراحي وسواء كان متصلا بوسائل الوقاية أو بوسائل العلاج.
    ولقد وصلت الكتب اليونانية القديمة إلى العرب عن طريق الترجمة في عهد العباسيين فعرفوا بسبب ذلك طب جالينوس وأبقراط واستوعبوا قواعده وجربوا نتائجه وأبدعوا فيه حينما ربطوه ببيئتهم وعارضوه بأحوالهم وأخضعوه لتجاربهم فكانوا بسبب ذلك رواد الحضارة المعاصرة وأساتذتها السباقين إلى وضع القوانين العليمة وإلى تسيير عناصر المعرفة للناس.
    ولقد حاول المهتمون بإحياء التراث في العصر الحاضر أن يبحثوا عن المجهود العربي في هذا الميدان فوجدوا الخزانات العالمية مليئة بالمخطوطات العربية المتعلقة بأنواع شتى من الاختصاصات الطبية ولقد ذكر الأستاذ عبد العزيز ابن عبد الله في كتابه عن الطب والأطباء بالمغرب أن الأمانة العامة لجامعة الدول العربية كانت قد كلفت الدكتور صلاح الدين المنجد، مدير معهد المخطوطات في الأمانة العامة بوضع كتاب عن مصادر تاريخ الطب المخطوطة فإذا به يسجل في كشفه نحوا من ألف كتاب، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن هذه المادة قد وجدت العناية الكافية من أرباب الثقافة في العالم الإسلامي سواء كانوا من علماء الاختصاص أو كانت لهم مشاركة في مواد الثقافة العربية والدراسات الإسلامية. ولا ريب أن الذين يسايرون البحث عن رجال الثقافة في تاريخ الإسلام سيجدون أن عددا وافرا منهم كانت لهم خبرة موسوعة لم يكنه الطب ببعيد عنها لا فرق في ذلك بين النابهين في المشرق وبين النابهين في المغرب.
    وإذا كانت الحرمة العلمية قد سايرت الفتوحات العربية في كل مكان، فإن طبيعة البحث العلمي دفعت العلماء المسلمين إلى الاستفادة من خبرة من سبقوهم كما دفعتهم إلى الاستفادة من مجهودات النابغين فيهم وهذا هو سر التداخل الموجود بين الحركة العلمية في المشرق والمغرب وسر التداخل الموجود بين الثقافة العربية والثقافات الأجنبية على اختلاف أشكالها.
    ونحن في الثقافة الطبية لا يمكننا أن ننسى المجهود الذي بذله الرازي وابن سينا في المشرق كما لا يمكننا أن نسى المجهود الذي يبذله بعض علماء الأندلس والمغرب كابن رشد وعبد الملك بن زهر وأبي بكر بن طفيل فجميع هؤلاء قد ساهموا مساهمات عملية في تطوير البحث الطبي وإن كانت درجاتهم تختلف حسب مواهبهم وشهرتهم.
    ففي الأندلس مثلا خصوصا في عهد المرابطين والموحدين حينما كانت الأندلس تابعة بلاد المغرب كانت الرعاية الطبية قوية وكان بعض الأطباء يحرصون على تسجيل ملاحظاتهم وتدوينها وعلى البحث عن الوسائل الميسرة للتلقين فكانوا بسبب ذبك يجمعونه بين الصنعة الطبية العملية وبين المضمون النظري المؤدى بأحسن الطرائق التعليمية النافعة.
    وفي هذا العصر ألف ابن رشد كتابه "الكليات" وألف أبو مروان عبد الملك ابن زهر كتابه "التيسير" وألف ابن طفيل أرجوزته الطبية التي تحتوي على أكثر من سبعة آلاف وسبعمائة بيت من الرجز السهل الواضح البين.
    والظاهر أن شهرة ابن رشد وابن زهر من الناحية الطبية قد تجاوزت شهرة ابن طفيل نظرا لكون هذا الأخير قد استمال الناس بأسلوبه القصصي فيما يتعلق بالفلسفة الإشراقية فشغلهم بكتابه حي بن يقظان وجعلهم ينساقون إليه ويتأملون في رموزه فنسوا بذلك مؤلفاته الطبية التي لم تصل إلى حد الإبداع الموجود في كتاباته الفلسفية ومع ذلك فإن ابن الطفيل لم يهمله المؤرخون في الجانب الطبي فذكروه من بين الأطباء المرموقين في عصره فهذا ابن أبي زرع في كتابه القرطاس جعله من أطباء يوسف بن عبد المومن الموحدي وذكر أنه من أهل الحذق بصناعة الطب والنظر في الجراحات (1)، وهذا ابن أبي أصبيعة يذكر أن لن مباحثات ومراجعات على كتاب الكليات لابن رشد (2) والظاهر أن من يقرأ كتبه سيعرف من خلالها أنه كان ذا خبرة بعلم التشريح نظرا للدقة التي يتحدث بها عن جل الأعضاء الداخلية في الجسم.
    ومن ضمن هاته الكتب أرجوزته المحفوظة بخزانة القرويين المسجلة تحت رقم 1969 فهي رغم إصابة كثير من أوراقها بالسوس والرطوبة ما زالت تمثل في كثير أبواها طريقة المؤلف في وصف الأمراض وفي وصف علاجها.
    هذه النسخة الفريدة في وضعها تشتمل على ثمان وأربعين ومائة من مقياس 30 x 21 إلا أنها عارية عن ذكر تاريخ نسخها وعن ذكر الناسخ نفسه يبدؤها الناظم بقوله:
    الحمد لله العلي الظاهـر           ذي الملك والعز المجيد القاهر (3)
    نحمده حمدا على آلائـه           وسال المزيد من نعمائـــه
    ثم الصلاة والسلام سرمدا        على النبي الهاشمي أحمــدا
    أرسله الله بدين الحــق            فكلم الناس بمحض الصــدق?
    وقام بالجسد والاجتهاد            بما نوى من واجب الجهاد
    ثم تعرض لموضوع النظم فقال:
    أذكر فيه علل الإنســان  بغاية الإيضـــاح والبيان
    وأذكر الأعضاء فيه جمعا  ذكرا يفيد من وعى واستمعنا
    يكون بالرأس بتداء الذكـر ثمت بالرجل انتهاء الأمر
    وأذكر العلاج والـــدواء وما يحيل السم والـدواء
    وانتهت المنظومة بالحديث عن القوبا وعلاجها من غير أن يكون هناك تناسب بينها وبين ترتيب الكتاب وختمت بقول الناسخ تمت المقابلة على قدر الاستطاعة بعد شق النفس والحمد لله رب العالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
    في والورقة الأولى من هذه المخطوطات تحبيس الإمام أحمد المنصور السعدي وفي وثيقة التحبيس ذكر اسمها ونسبتها إلى مؤلفها فليس عنوان خاص يبين حقيقتها ولا أي شيء يدل على أنها لابن طفيل فلو فقدت تلك الوثيقة لانقطعت الصلة بيننا وبين حقيقة هذه المنظومة.
    إلا أننا نلاحظ أن هذه النسخة ملفقة من ثلاث نسخ نظرا لاختلاف مسطرتها واختلاف خطوطها واختلاف وضعها ويتجلى ذلك واضحا عند المقابلة بين الورقة الأولى والثانية فهما قد كتبتا بخطين مختلفتين ولولا أن الورقة الثانية قد تكرر فيها بيتنا من الورقة الأولى ما كان عندنا يقين بأنها تنتمي إليها هي وما يشبهها من المضمومات (4) ونقد بالشبهية ما يسير على شكلها ومقاسها وترتيبها ولهذا فإننا نشك في أن الورقة التي تحمل الرقم الثالث عشر بعد المائة من الكتاب كما نشك في كون الأوراق الموجودة ما بين الرقم السابع عشر بعد المئة والرابع والعشرين بعد المائة منه أيضا وذلك لعدم التسلسل الموضوعي أحيانا أو لكون بعض العناوين قد كررت مع اختلاف ما هو موجود في تحليلها. والغالب أن هذا الخلط ناتج من جمعها وضم شتات ما يتقارب منها وربما سيتيسر فيما بعد الوصول إلى الحقيقة إذا وجدنا في الخروج ما نكمل به النسخة أو وجدنا من المخطوطات ما نقابل به هذه النسخة المتحدث عنها.
    وعلى كل حال فالمنظومة في حد ذاتها على الشكل الحالي تعتبر من الناحية التاريخية صورة للموضوعات الطبية المطروقة في عصر ابن طفيل فقد ألفها على سبع مقالات جلها مقتبس من الطب القديم المعهود لدى أطباء العرب وسيتضح لمن يطلع عليها أن لابن سينا بصمات في كثير من موضوعاتها وأنها تعتمد على تشخيص المرض وعلى ذكر أسبابه ثم على ذكر ما يتعلق بعلاجه، وفيما يأتي تفصيل الحديث عن ذلك حسب الترتيب الذي سار عليه المؤلف في كتابه وحسب الاهتمامات التي أولاها لموضوعه العلمي الجاد، وقد أدمج في كل مقالة ما يناسبها واستخرج منها ما يتعلق بها.
    المقالة الأولى: في أمراض ألراس
    وفيها تحدث عن داء يسمى بداء التعلب وعن انتشار الشعر وتكاثره وعما يمنع الشيب قبل وقته وعن الإبرية وهي الحزاز وعن قروح الرأس وعن نوع منها يسمى بالشهدة وعن مرض يعرض بالوجنتين وقذال الرأس ويسمى بالسعفة والربة وعن الصداع وأنواع وأجزائه وعن الشقيقة وأقسامها وعن وجع الهامة وعن البرسام الحر والبرسام البارد (5) ثم تحدث بعد ذلك عن بطلان الذكر وعن السبات والأرق والسهر وإفراط الخمار والدوار وإفراط عرق الرأس وعن العشق والقطوب والكابوس والمانخونيا وهو مرض يعتري الإنسان فيفقد بسببه الانضباط ويصير حينئذ غير متحكم في وعيه، فيتخيل بعض الأشياء التي لا وجود لها في الحقيقة ويضحك بغير سبب ويخلط في الكلام دون تثبيت. ثم تحدث بعد ذلك عن الصرع وهو علة تعطل الأعضاء النفسية عن أفعال الحس والحركة والانتصاب منعا غير تام وعن السكتة وهي علة قال عتها ابن سينا في كتابه القانون (ج2 ص 86) إنها تعطل الأعضاء عن الحس والحركة لانسداد واقع في بطون الدماغ في مجاري الروح الحساس والمتحرك.
    ثم تحدث المؤلف عن الفالج واللقوة والتشنج والارتعاش والاختلاج والخدر وعظم الرأس وبذلك أنهى هاته المقالة التي اشتملت على ستة وثلاثين بابا (6) إلا أن الاستفادة تتعذر من أكثرها نظرا لتلاشي جزء كبير منها وضياع الجوانب اليمنى في كثير من أوراقها خصوصا فيما بين الباب السادس عشر والباب الأخير.
    المقالة الثانية في الأدواء العارضة في الوجه وتشتمل على واحد وسبعين بابا وفيها تحدث عن انتفاخ الوجه وعن سواد الأجفان وعما يقلع الوشم وعن الكلفة وعما يزيل النمش والخيلان وعن آثار الحروف في الوجه وعن صفرته وعما يبيضه ويحسنه وعن البتور العدسية الصغار التي تعتريه وعن الاحتراق والشقاق فيه.
    ثم تحدث بعد ذلك عن الرمد بأقسامه وعن علاجه ثم عن الحول والغرب وهو دم عارض في المآقي ناتج عن تورم فيها يحدث وجعا أليما وعن العذة وهي اللحم الزائد بالمآقي وعن السلاق وهو غلظ في الأجفان مع احمرار وتقرح ثم عن الجساء الذي يعرض للعينين وعرفه بقوله (7):
    قد يعرض الجساء للأجفان          مع وجع تحسه العـــينان
    وحمرة وعسرة انفتاح              عند القضاء النوم في الصباح
    وسدة ليست مع الصلابه           وقلة الحراك والإجابــــة
    وانتقل بعد ذلك إلى الحديث عن الأذن وأمراضها وعلاجها وعند تعرضه لما ينشب فيها لم يستعمل كعادته النظم في كل ما يتعلق بالموضوع بل وصف علاجا من العلاجات نثرا ثم تحدث بعد ذلك عن مرض اللثة واللسان والأسنان واللهاة وبذلك أنهى المقالة الثانية (8).
    المقالة الثالثة في العلل العارضة في الحلق والصدر وآلة النفس (9) تحدث فيها عن الذبحة وعن بحوحة الصوت وعن خشونته وعن ذاته الرئة وهو السل والذبول وعن تفث الدم وعن بلع العلق وعن الربو وعن أمراض القلب وعن أمراض الثديين ونتن الإبطين ثم تحدث بعد ذلك عن المعدة وعن سوء الهضم وعن الشهوة الكلية للطعام وعن شدة العطش وعن الزحير، ولا أدري الدوافع التي جعلته يتحدث عن هاته الأمراض الأخيرة مع أنها لا تناسب موضوع المقالة.
    المقالة الرابعة: في آلات الغذاء وفي أمراض المعي والبطن (10) تحدث فيها عن ضعف الكبد وعن أورامها وعن تحجرها وعن كثير من أنواع أمراضها أو الناتجة عنها كمرض الاستسقاء ومرض اليرقان ثم تحدث عن أمراض الطحال وعن المغص وعلاجه وعن القولنج المعروف بإيلاوش وهو مرض يحدث وجعا في الأمعاء ومن عالماته زيادة وهو مرض يحدث وجعا في الأمعاء ومن علاماته زيادة على شدة الوجع الادمان على القيء ويتسبب في نتانة التنفس وفي كراهية الرائحة التي تصدر عن ريح المريض ولهذا كان هناك نوع يقال به المتعاذ منه وقانا الله شر ذلك ولقد أحسن ابن طفيل تشخصيه بأسلوب يدل على براعة في الأداء اللغوي فهو حينما بينه وبين أنواعه قال: (11)
    دليله الوجع في الأمعـاء              والقيء بالإدمان في استـياء
    وربما تقيأ البـــرازا                 فصار في القيء يرى ممتازا
    وذا يسمى المستعاذ مـنه           وليس للشاكي خروج عنـه
    وهو الذي يقذف فيه الزبل         ونوعه الثاني الذي ينــحل
    من نفس العليل فيـه نتن            كأنه بسلحـــه مستــن
    ونوعه الثالث ما الجشاء           يحسب فيه أنـــه فـسـاء
    ونوعه الرابع ما الرياح           تحسبي فيه أنــه ســلاح
    وخامس الأنواع فيه الجسم       جميعه النتن له يعـــــم
    وختم هذه المقالة بالحديث عن مرض البواسير وعن علاج ذلك.
    المقالة الخامسة: في أمراض الكلي والمجاري البولية وأمراض الرحم (12) وفيها تحدث عن تولد الحصى وعن عسر البول وسلسه وحرقته وكثرة القيام إليه وفي هذه النقطة تحدث عن هذا المرض الذي كان يعرف عند اليونانيين بديابيطا وقال عنه (13):
    تعرف ذي العلة باليونان             ديابيطا في منطق اللسان
    وهي التي يشرب فيها                الماءوليس بالجوق له بغــاء
    تهبط في الحين من كــلاه             قوته حتي يلي محــراه
    ويدفع المجاري للمثانـــه             في سرعة ولم تطل زمانه
    ويخرج البول بلا تلويــن            كأنه مفارق في الحــين
    فهو إذا كان كـــذا ردي             في حاله ونوعــه وبي
    وهو إذا كان بصبـغ صالح          ويظهر العلاج فيه ناجـح
    وأصله أن تستدر القـــوة          رطوبة الكلى بجذب عنوه
    فيعتري من ذلك شوق             المساء ويشرب العليل بالــدلاء
    ويخرج البول بغير حرقـه          ودون عسر فيه أو مشقـة
    وكلما يشرب ماء بــا لا ولم يطق لثقله احتمــالا
    ثم بعد ذلك خصص عنوانا لعلاج هذا المرض ذكر فيه أنواعا من النباتات ومركبات من الدواء منها ما يمكن الانتفاع به على الآن.
    ولقد أثارت هذه الأبيات من المنظومة اهتمام عدد من الأطباء الذين زاروا خزانة القرويين فرأوا فيها دقة في الوصف وتتبعا لمراحل المرض خصوصا فيما يتعلق بالتشخيص وذكر العوارض ولم يقتصر الأمر على الذين اطلعوا عليها بل إن بعض البواعث العلمية جعلت بعض الأساتذة في كلية الطب بالرباط يستنسخونها وهم الآن يدرسونها حسب المعطيات العلمية المعاصرة ويوجهون عناية طلبتهم إلى هذا الميدان العلمي التاريخي الذي يمكنه أن يحقق تصورات حضارية في نفوس العرب المعاصرين ليجعلوا من علمائهم السابقين قدوة حسنة تعينهم على البحث المتواصل عساهم بذلك أن يحيوا مجدا غبر وأن يمنحوا أمتهم فرصة أخرى للازدهار الحضاري وللتقدم العلمي.
    إن هذه المقالة كانت من أهم ما كتبه ابن طفيل وقد وفق في أسلوبها وفي عرضها وجعلها من الموضوعات التي لا يتحقق الحكم فيها إلا على الاستقراء العلمي وعلى التجارب المتصلة بذلك، وكانت الجوانب الطبية فيها واضحة تمام الوضوح كما أن النتائج الموصول إليها كانت مبنية على خبرة تامة تدل على اعتناء ابن طفيل بأبحاثه وموضوعاته.
    المقالة السادسة: خصها للحديث عن أنواع كثيرة من الحميات (14).
    ويظهر من تحليله أنه كان يتحدث عن الحميات المرضية وعن الحميات العرضية ويستفيد القارئ العادي من هذه المقالة أسماء عدد من الحميات حسب المصطلحات التي كانت سائدة آنذاك.
    فمن ذلك حمي يوم وحمى الدق وهي غير مرتفعة الحرارة وتستمر ثلاثة أيام فأكثر وحمى الغب وهي شديدة جدا يقول عنها في منظومته:
    تبدأ بالنابض حمى الغب         يوما ويوما لا بأمر صعب
    ومدة النابض لا تطول          وبردها مقصر قليـــل
    لكنها تبدأ بالتسخين             ويسرع التهابها في الحين
    وحرها يلدغ كف اللامس     كأنه لهب نار القــابس
    وربما خلط في الكلام         صاحبها في شدة المقـام
    لا سيما إن كان ذا مزاج     محترق ملتهــب وهاج
    ثم انتقل بعد ذلك إلى الحديث عن الحمى المحرقة وعن الحمى الدموية وعن الحمى البلغمية النائبة كل يوم، ونلاحظ بعد ذلك وجود ورقة تجمل الرقم الثالث عشر بعد المائة مغايرة في الشكل والخط لما قبلها ولما بعدها أضيفت للكتاب وهي ليست منه وفيها حديث عن الحميات أيضا والدليل على أنها ليست من الكتاب، وجود نفس العناوين أحيانا مع اختلاف النظم المحلل لمعانيها فمن ذلك مثلا الحديث عن حمى تسمى بحمى الغشي، ففي تلك الورقة تجد تحديدها على الشكل الآتي (15):
    تحدث للإنسان حنى الغشي          كنوب حمى بلغم في السعي
    تدور مثل دورها في الأكثر        ويذبل الجسم بسر الضرر
    ويعتري في وجهه التهيج   وذا دليل واضح منتهج
    في حين نجد في الأوراق العادية نفس العنوان لكنه يفسر بما يأتي (16).
    يحدث بالإنسان حمى غشي كنوب حمى بلغم في المشي
    تدور مثل دورها سواء  فيذبل  الجسم بها  استيلاء 
    ويسقط النبض وتمضي   من نوبة حين تنوب عنـوة
    ثم يستمر في وصفها وفي ذكر علاجها.
    وبعد الانتهاء من ذكر الحميات تحدث عن الجدري والحصية، ثم تسربت أوراق بخط مغاير تعرضت لذكر البحران وأطالت في تحليله وتفسيره ثم تعرضت لتدبير الناقه إلا أنها لم تشرحه (17) وقد أعيد هذا العنوان المتعلق بتدبير الناقه مرة أخرى وشرحه شرحا يتلاءم مع ما هو معروف في الطب آنذاك إذ من المعلوم أن العناية بالناقه أمر كان يهتم به الأطباء كثيرا لما ينتج عنه من النفع ولما يحقق من المصالح الجسدية المتوقفة على الوعي الطبي والتربية الصحيحة، فليس من اللائق أن يبقى المريض معرضا بعد شفائه لبعض الطوارئ التي قد تعيد إليه المرض، بل هو في حاجة إلى التربية السليمة والتعهد المتواصل والرفق الذي لا ينقطع وقد خص ابن سينا لهذا الموضوع نفسه في كتابه القانون دراسة دقيقة مفيدة قال فيها (18) "يجب أن يرفق بالناقة في كل شيء ولا يورد عليه ثقيل من الأغذية ولا شيء من الحركات والحمامات والأسباب المزعجة من الأصوات وغير ذلك ويدرج إلى رياضة معتدلة رقيقة فإنها نافعة جدا..." ونظرا لأهمية هذا الموضوع فإن ابن طفيل لم يهمله في هذه المقالة فهو به قد ختمها وقال عند تحليله (19).
    من كان من حماه ذا استقلال          فينبغي في أكثر الأحـوال
    أن يلزم الشيء الذي اغتداه         وقت العلاج قبل أن يفضاه
    أو ما يكون زائلا قلــيلا             ثم إلى أقوة كذا تعــديلا
    مندرجا إلى غذاء الصحة          فإنه بذا ينال نجحـــه
    وامنعه أن يسهر والحماما         إلا إذا البرء له استقامـا
    ومره أن يجتنب الجماعـا          ولا يضار جوعه إن جاعا
    ولا يضار جوعه شديـدا           والحمر لا يكن لها مريدا
    وامنعه من كل طعام حـار        لا سيما إن كان ذا اشعار
    وعلى كل حال فإن ابن طفيل اعتنى بهذا الموضوع كاعتناء ابن سينا به لما فيه من الأهمية الصحية التي يجب أن يتنبه إليها المرضى وأن يطبقوها بكل دقة، فإن للمريض مسؤولية كبرى في ممارسة أسباب العلاج فليس الطبيب إلا مشخصا وواصفا أما المباشر لأدوية والمراقب للوقاية في الغالب،  فهو المريض الذي يجب أن يعي مسؤوليته وأن يلتزم بها.
    وبعد هذا الموضوع أنتقل إلى المقالة الأخيرة وهي التي توضح موضوعها فيما يأتي فيقول:
    المقالة السابعة في العلل التي تعتري البدن من الخارج وعلاجها وفي السموم وقد قسمها إلى أربعين باب حسب ما يظهر من الهامش الموجود بطرة الكتاب أثناء ذكر المقالة (20) وفيها تعرض لكثير من السموم وأظهر عوارضها ومفعولها وما يتيسر علاجه منها وما لا يتيسر ويمكن للمختصين أن يطلعوا على هذه الأبواب في الكتاب ذاته فهي مفيدة جدا.
    وعلى كل حال فالكتاب ككل يعتبر صورة للتصور الطبي الذي كان سائدا في عصر ابن طفيل نهج فيه ناظمه نهجا تعليميا حيث بدأ بتشخيص المرض وذكر خصائصه ثم يتعرض بعد ذلك لأنواع العلاج ويشير في هذا العرض إلى تجاربه وإلى ما هو متداول معروف ولذلك لا يمكن التثبت بما فيه إلا إذا قوبل بما يتلاءم معه في موضوعه وفي مواصفاته ولا يتيسر الاستفادة منه إلا إذا كانت هناك ثقافة لغوية وطبية في آن واحد فكثير من النباتات والمعادن والحيوانات ظلت لها أسماؤها الموروثة عن الحضارة القديمة، وكثير من الأدوية ارتبطت عند الذكر بمن وضعها ولعلها كانت متداولة آنذاك، فهو عندما يتحدث مثلا عن أقراص جالينوس كوسيلة من وسائل العلاج، لا شك لأنها كانت أقراصا مستعملة ومعروفة لمن توصف إليه وهو عندما يشير إلى بعض النباتات أو بعض المقاييس سيجد ولا ريب آنذاك صيدليات موازية لإنجاز ما يشير إليه، فالازدهار الطبي دائما يعايش الازدهار الصيدلي ولعل الطب الحديث قد استفاد من تجارب سابقيه وهذا أمر لا ينكر إلا أن هذه الاستفادة تقبل المسايرة والاطلاع على أكثر ما يمكن الاطلاع عليه من مخلفات الأجداد فقد نجد إلى الآن فيها شيئا يضفي على ملاحظات المعاصرين ما ينمون به مشاهداتهم وما يغيرون به بعض النظريات التي قد تكون داخلة في باب المسلمات؛ فالمعلم في تطور ولا ينمو العلم إلا بالحرص على المعرفة المتواصلة والبحث الدائم وقد نجد في إحياء التراث ما يحقق تطورا أو يصحح رأيا يفيد الإنسانية في مستقبلها المجهول الذي نتمنى أن يكون خيرا وسلاما.
    -------------------------------------------
    1) الجزء الثاني من الآنيس المطرب بروض القرطاس المطبعة الوطنية صفحة 176.
    2) عن مقدمة كتاب حي بن يقظان بقلم الدكتور جميل صليبا وكامل عيد الطبعة الأولى.
    3) لم يكن الشطر الثاني موزونا فعدلناه بإضافة (والعز) ويمكن أن تعوض بكلمة في وزنها مثل (والعلم) مثلا.
    4) البيتان المكرران هما:
    وإن يفتك القصد بالحجامة  في أخذ في قفاه باستقامه
    وإن بدا البلغم في المكان  لم يغب ذلك عن العيان
    5) نبه ابن سينا في كتابه القانون (ح 2 ص 45) أن الورم الذي يكون بالدماغ لا يسمى برساما بالباء وإنما يسمى سرساما بالسين لأن البرسام بالباء يكون بالصدر لا بالدماغ ولكن ابن طفيل لم يتقيد بهذا لأنه أطلق البرسام على ورم الدماغ أيضا.
    6) تتكون المقالة الأولى من الورقة الثانية في الترقيم مع أنها الورقة الأولى في الواقع إلى الوجه الثاني من الورقة الحادية والعشرين.
    7) الوجه الأول من الورقة 37 من المخطوطة المتحدث عنها.
    8) أخذت المقالة الثانية من المخطوطة ما بين الوجه الثاني في الورقة 21 وبين آخر الورقة 47.
    9) استغرقت المقالة الثالثة من الوجه الأول من الورقة 48 على الوجه الثاني من الورقة 70.
    10) استغرقت هذه المقالة من الوجه الثاني من الورقة السبعين إلى الوجه الثاني من الورقة الثالثة والثمانين، إلا أنه يلاحظ إقحام الورقة الحاملة للرقم الواحد والسبعين فهي ليست من المقالة المذكورة وذلك واضح لأنها لا تتناسب مع الموضع زيادة على أنها كتبت بخط مغاير إلا أنه يلاحظ في وجهها الثاني أنها تتصل بهذا الكتاب من حيث الإشارة إلى إتمام المقالة الثالثة وبداية المقالة الرابعة وبعد مشقة تبين لنا في آخر الورقة نفس العنوان الذي وضع للمقالة الرابعة المتحدث عنها وعلى كل حال فهناك خلط ينبغي أن يعنى به المهتمون بتحقيق هذا الكتاب في المستقبل.
    11) المخطوطة الوجه الأول من الورقة الثمانين.
    12) استغرقت هذه المقالة من الوجه الثاني للورقة الثالثة والثمانين إلى الوجه الثاني من 104.
    13) المخطوطة الوجه الأول من الورقة التسعين.
    14) المخطوطة الوجه الثاني من الورقة 108 إلى الورقة 125.
    15) المخطوطة الوجه الثاني من الورقة 113 وقد بدلنا في البيت الثاني كلمة الجسد بالجسم ليستقيم الوزن.
    16) المخطوطة الوجه الثاني من الورقة 114.
    17) الأوراق المقصودة ترقم في الكتاب من 117 إلى 124.
    18) كتاب القانون الجزء الأول صفحة 106.
    19) المخطوطة، الورقة 125
    20) تستغرق المقالة من الورقة 125 إلى آخر الكتاب.
     
    تنويه: المقالات والمواضيع المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي أصحابها
    Scroll to Top