جديد الموقع
recent

جدل الفلسفة في التربية الإسلامية بين التربوي والإديولوجي


د. خالد الصمدي*

طلب مني زملائي الفضلاء المنشغلين بالتحولات التي تعرفها مناهج مادة التربية الإسلامية، أن أتفاعل مع النقاش الدائر حول المنهاج الجديد لمادة التربية الإسلامية منذ الإعلان عن الرغبة الملكية السامية في مراجعة هذه المناهج في فبراير من السنة الماضية، فاعتبرت من الزاوية العلمية والتربوية المحضة أن ما هو متوفر لحد الساعة من المعطيات العلمية النظرية والتطبيقية لا يسمح ببناء تصور يحترم الشرط العلمي الذي يفضي إلى تقويم رشيد مفيد في تطوير المنهاج الذي يوجد في سياق التجريب، مع احترام المواقف المختلفة المعبر عنها في سياق التفاعل الظرفي الأولي الذي لا يخلو من إيجابية، دون أن أغفل الاشتغال على الموضوع وإعلان نتائج هذا الاشتغال في الوقت المناسب في سياق التجويد الذي ننشده بحول الله.

وفي انتظار نضج هذا الشرط العلمي، تابعت باهتمام النقاش الدائر هذه الأيام حول إيراد نص يعكس وجهة نظر من الاشتغال بالفلسفة في كتاب من كتب التربية الإسلامية، فلم أنشغل به بداية الأمر، بعد أن وجدت أن هذا النقاش مغلف بنفس إديولوجي واضح لا يمت إلى الحقل التربوي والتعليمي النبيل بصلة، إلى أن علمت ان جمعية أساتذة الفلسفة قد أصدرت بيانا في الموضوع، وحث البعض جمعية أساتذة التربية الإسلامية على التراشق مع هذا البيان ببيان مضاد، ثم دخلت على الخط بعض وسائل الإعلام التي تبحث عن الإثارة ورفع رقم مبيعاتها لتدخل بشكل مستغرب خطاب الداعشية! والتكفير! والتخوين! والتهوين! دفعة واحدة إلى الحقل التربوي النبيل، وتجعل من بعض قليلي التجربة من مدرسي المادتين، ومن بعض المتربصين بهما معا وقودا لتسعير نار الحقد والضغينة بين زملاء في نفس المهنة، يقتسمون في الواقع المرير التعليم ببلادنا نفس المحنة، وعوض أن يعيدوا النقاش إلى الحقل التربوي الهادئ والبحث الرصين فضلوا استغلال الموقف للبحث عن ترميز وشهرة زائفين غير وسائل الإعلام.

وإذا ما عدنا بالموضوع إلى مجاله التربوي الطبيعي، وبالنظر إلى غايات المنهاج التعليمي التي ترفع من شأن الحوار والفكر النقدي، لا نجد غضاضة في إيراد وجهة نظر منسوبة إلى فقيه من فقهاء الإسلام في قرن من القرون في مادة التربية الإسلامية أو مادة الفلسفة نفسها يرى فيها أن الاشتغال بالفلسفة “زندقة وأن ذلك أس السفه” في سياق تعليم التلاميذ مهارات تفكيك المقولات وربطها بسياقها ونقدها وعرضها على مقولات تنتقد بعض جوانبها أو تنقضها وتدحضها من أساسها بالفكر والمنطق وتصحيح المفاهيم، وهو أمر محمود ومرغوب ومطلوب، ولا يمكن أن يعد بحال من الأحوال موقفا من مادة الفلسفة كمادة تعليمية إلا عند أصحاب النظر الضيق، كما أن إيراد نص لمفكر عقلاني غربي ينتقد المعرفة المستندة إلى الدين ويربطها من وجهة نظره بالخرافة والأسطورة، في مادة الفلسفة أو في مادة التربية الإسلامية نفسها على سبيل تنمية نفس القيم والمهارات السالفة الذكر أمر محمود ومرغوب ومطلوب أيضا، ولا يعد بحال موقفا من الدين الإسلامي أو من مادة التربية الإسلامية إلا عند أصحاب النظر القاصر، وخاصة وأن الأمر يتعلق بمرحلة التعليم الثانوي التي تعتبر المرحلة المناسبة لبناء ثقافة الحوار وترسيخ ثقافة النقد وقبول الاختلاف.

إن من يريد تحنيط مواد دراسية قائمة على الفكر والنقاش الفكري بما فيها إيراد الفكر المخالف وتدريب المتعلمين على أدوات ومهارات التعامل معه، إما مدرس عاجز عن القيام بهذه المهمة ويعبر عن هذا العجز بالدعوة إلى مصادرة التنوع الفكري وأدوات التعامل معه من المادتين، وتعويضه بنمط فكري أحادي يقتل حاسة النقد، وإما غريب عن حقل التربية والتعليم يحشر أنفه بنفس إيديولوجي في قضية لها أهلها من الحكماء والعلماء.

إن غايات مثل هذا الخطاب بشقيه العاجز أو الإيديولوجي، ستأخذ مداها القصير إلى أن يذوبها العقلاء من القائمين على المادتين الدراسيتين المتكاملتين في بحر حكمتهم، ويخيب ظن من يرغب في تصفية حسابات إيديولوجية ضيقة من خلال تصريف مواقف الصوفية من السلفية والعكس، ومواقف العقلانية من الدينية والعكس عبر مناهج الفلسفة والتربية الإسلامية والتي لن تكون في نهاية المطاف إلا ضخا للوقود في خزان من يتربص بالمادتين وبمهمتهما التربوية النبيلة، قصدوا إلى ذلك أو لم يقصدوا، وخروجا عن الغاية المثلى للمناهج التعليمية القائمة على تعزيز قيم الحوار والتسامح والتعايش والانفتاح وتعزيز الفكر النقدي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* رئيس المركز المغربي للدراسات والأبحاث التربوية.

mokhtarat

mokhtarat

يتم التشغيل بواسطة Blogger.