جديد الموقع
recent

الأنصاص آلة مساعدة لضبط الرسم العثماني عند المغاربة


سار حفظ القران الكريم في الصدور وتدوينه في السطور جنبًا إلى جنب منذ نزول أول آية على النبي إلى وقتنا الحاضر، وسيبقى إن شاء الله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

قال الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9] إنه وعد من الله تعالى بحفظ القرآن الكريم وصيانته من التبديل والتحريف. وقد انفرد القرآن الكريم بهذه المزية دون سائر الكتب السماوية الأخرى. فقد هيأ الله سبحانه وتعالى هذه الأمة لتتسابق طائفة منها لخدمة كتاب الله تعالى كتابة وقراءة وتفسيرًا، وكلهم أمل في أن يكونوا من أهل القرآن. وقد حث الرسول منذ بعثته على تعلم الكتابة مجيباً ربه الذي دعاه منذ أول آية نزلت عليه إلى تعلمها لما لها من أهمية بالغة في حفظ المنطوق وتسهيل استذكاره بقوله تعالى: {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ . الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ . عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق:3-5]. ومن هنا تظهر أهمية الكتابة والتوثيق إلى جانب الحفظ. وقد سار حفظ القران الكريم في الصدور وتدوينه في السطور جنبًا إلى جنب منذ نزول أول آية على النبي إلى وقتنا الحاضر، وسيبقى إن شاء الله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

المحور الاول: اعتناء المسلمين بتدوين القران الكريم:
منذ نزول أول آية على رسول الله، كان عليه الصلاة والسلام يتلقى ما يوحى إليه من ربه فيحفظه و يعيه، ويحفظه أصحابه رضوان الله عليهم فيحفظونه مجودًا مرتلًا عملاً بتوجيه الله تعالى {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [المزمل من الآية:4]. فيأمر كتاب الوحي بتدوينه مبينًا عليه الصلاة والسلام موضع ما أنزل عليه قائلاً: «ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا قبل كذا وبعد كذا». وأعني بالرسم القرآني الذي أقره رسول الله هو أوضاع حروف القرآن الكريم في الصحف التي كتبت بحضور رسول الله عليه وسلم بدون تنقيط ولاشكل. وأما الحركات، وأما النقط، وأما الهمزات فهو الضبط الذي يضاف إلى الرسم العثماني قصد إغناء الأداء الحامل لمراد الله من كلامه، هذا الضبط يضاف إلى الرسم لإغناء النص القرآني الذي أداه الرسول بأمر من ربه. ولم يلتحق الرسول بالرفيق الأعلى إلا والقرآن محفوظ في الصدور ومكتوب في السطور حسب الطريقة المشار إليها سابقًا، غير أنه لم يكن مجموعاً بين دفتي كتاب واحد. فكان أول جمع له على يد خليفة رسول الله أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ثم من بعده على عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه ليتم بذلك جمع المصحف الإمام. وقد رتبت سوره وضمنها آياته وفق ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابه. وكانت المصاحف العثمانية خالية من النقط والشكل. ونظراً لاعتناق الإسلام من طرف عدة أجناس فإنه كثر اللحن والخطأ في النطق بالآيات القرآنية، الشيء الذي يفسد المعنى فأحس أولو الأمر بالخطر، فوضعوا علامات تساعد على النطق السليم دون المساس بالرسم العثماني. وأطلق على هذه العلامات نقط الإعراب ونقط الاعجام وأدخلت على هذه العلامات بعض التحسينات حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن في المصاحف.

المحور الثاني: انتشار القرآن الكرين بالمغرب واهتمام المغاربة بالرسم العثماني
1. العوامل التي ساعدت على انتشار القرآن الكريم بالمغرب
دخل القرآن الكريم إلى المغرب مع دخول الفاتحين الذين كانوا رهباناً بالليل فرساناً بالنهار ثم عرف انتشارًا واسعًا بفضل: البعثات: ابتداء من البعثة التي تركها عقبة بن نافع الفهري خلال فتحه للمغرب. 62 هـ.
أ‌- الكتاتيب: يعتبر الكتاب أول معهد مستقل بمهمة تعليم القرآن الكريم وتحفيظه وقد اعتنى المغاربة بهذه الكتاتيب عناية فائقة، بحيث لا يمكن أن توجد قرية أو مدينة إلا وتجد بها كتابا أو أكثر بجانب كل مسجد، وأكثر من هذا فقد أوقفوا لها الأوقاف الوفيرة مما يضمن بقاءها وحياتها.
ب-الرتبة: وهو نظام تعليمي يتحمل فيه السكان (أهل القرية) تكاليف إقامة الطلبة القادمين من مختلف المناطق قصد حفظ القرآن الكريم، بحيث إن الأهالي يوفرون لهؤلاء الطلبة الوجبات الغذائية اليومية بانتظام، ويكرمونهم، وينزلونهم منزلة أبنائهم إلى أن ينعم الله عليهم بحفظ كتابه العزيز واستظهاره.
د- قراءة الحزب: فسنة قراءة الحزب التي سنها المغاربة مرتين كل يوم في جميع المساجد.
2. اهتمام المغاربة برسم القرآن الكريم:
لقد اهتم المغاربة برسم القرآن الكريم اهتمامًا لا مزيد عليه. واحترامًا لمقام الصحابة والتابعين والعلماء المجتهدين التزموا بالرسم العثماني والضبط الذي أجمعت عليه الأمة باعتبارهما شيئان متلازمان لا يمكن أن ينفك أحدهما عن الآخر، فاهتموا برسمه وضبطه وحصر الكلمات المتشابهة فيه، وعد أجزائه وأحزابه وأنصافه وأرباعه وأثمانه وكلماته وحروفه. فوضعوا لذلك رموزًا تساعدهم على الاحتفاظ به كما رسمه كتبة المصحف الإمام وما اجتمعت عليه الأمة من الضبط والشكل وسموها بالأنصاص خصوصاً إذا علمنا أن كثيرًا من الكلمات في القرآن الكريم خرجت عن الخط القياسي مرات وكتبت به مرات أخرى. فأنى لإنسان أن يتذكر مثلاً أن كلمة كتاب تكتب محذوفة هنا وثابتة هناك إن لم يقيدها بنص أو رمز يسهل حفظها ويرشده إلى طريقة كتابتها بأسرع وقت ممكن. فما هي الأنصاص يا ترى؟
أ‌- الأنصاص: الأنصاص جمع نص وهو جمع قلة على وزن أفعال يقول ابن مالك: أَفْعِلَة أَفْعُل ثم فِعْلَة ثَمّة أَفْعَال جُمُوعُ قِلّة.
وقد عرفت الأنصاص بتعاريف عديدة أذكر منها على سبيل المثال: الأنصاص مصطلح متداول بين أرباب القراءة في المغرب للتعبير عن مجموعة من القواعد التي تؤطر الكلمات الخارجة عن القياس في رسمها أو ضبطها أو في كيفية أدائها. كما تؤطر هذه الأنصاص الكلمات المتشابهة في التقديم والتأخير والحذف والإضافة مع التنصيص على أماكن وجودها في القرآن الكريم إما بواسطة السور أو بواسطة الأحزاب والأثمان. والهدف العام من هذه الأنصاص يتمثل في المحافظة على تواتر الرسم العثماني الذي يحمل بين طياته مواضع الإعجاز ثم الحفاظ على القراءة الصحيحية المنقولة عن ورش عن نافع. وبهذين العنصرين يكتمل حفظ القرآن الكريم رسمًا ولفظاً.
وقد عثرت على ثلاث وثائق متداولة في المنطقة وهي كالتالي:
1. الوثيقة الأولى: لقمان
وهي منظومة للشيخ الإمام العالم الفقيه الولي الصالح أبي عبد الله سيدي يحيى بن موسى الجزولي رحمه الله ورضي عنه، وسماها بلقمان وتحتوي على 84 بيتاً وموضوعها (المحمول) حيث قال في ذلك:
يا سائلا بالحمل والوضع جُمْعا *** فكن طالبًا للعلم واجْرِ إلى الخيرِ
وهاك حروف الحمل في نظم أبيات *** مما حُرِّكَ بالضم والفتح والكسرِ
وتتضمن المنظومة مقدمة وأربعة عشرين باباً استهلها بقوله:
بدأت ببسم الله الرحمان مولانا وسيدنا الرحيم سبحان ذي الغُفْرِ
وثم صلاة الله على محمد وعثرته وأصحابه ذوي النَّصْرِ
وبعد فنبتدىء بحمد الله الذي له الملك دائما تجلى عن النَّظْرِ
والأبواب جاءت مرتبة ترتيبًا هجائياً. (باب محمول الباء)
باب محمول التاء والثاء. باب محمول الجيم. باب محمول الحاء. باب محمول الياء. وفي هذا يقول رحمه الله:
نظمتها حرفا بعد حرف على الإثْرِ دليلا على التسهيل لِمُريد اليُسْرِ
وختم منظومته بقوله:
لَقَد كَملتُ المحمول في نظْم أبيات مِمَّا حُرِّك بالضم والفتح والكَسْرِ
2. الوثيقة الثانية: الأنصاص
وقد صدرت هذه الوثيقة بالمقدمة التالية:
الحمد لله العظيم الوهاب، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الكريم الأواب، الناطق بالحكمة والصواب، وعلى آله وجميع الأصحاب، ومن تلاهم بإحسان إلى يوم الإياب. وبعد فيقول العبد الفقير إلى مولاه، الغني به عما سواه، المعتمد عليه في جميع أحواله دون ما عداه، المرتجي منه غفران ذنبه الأقرب والأبعد أبو عبد الله سيدي محمد التهامي بن الطيب بن أحمد وفقه الله بمنه وكرمه توفيق من أرشده وأسعد، مقيدًا لسائله ما أوعاه من النصوص، وما أصلحه منها وما نظمه بالخصوص مشيرًا بالصاد لما أصلحه، وبالزاي لما زاد فيه وبالهاء لما نظمه مرتبة على ترتيب الأحزاب والسور مسقطًا فيه المردد والمكرر. وما ذهلت عنه يلحق حيث بدا وظهر ولا فائدة في الإطناب الذي لا يعتبر.
ومن هذه المقدمة نستطيع أن نقول إن الفقيه الجليل أبا عبد الله سيدي محمد التهامي بن الطيب بن أحمد المسيفي الغرفي رحمه الله تعالى قد جمع هذه الأنصاص ونقحها بإصلاحها وزيادة ما رأى بها من نقص بالإضافة إلى ما نظمه مشيرًا إلى ذلك بحرف من الحروف الهجائية.
وفي مطلع هذه المنظومة أشار إلى القبائل التي نزل بلسانها القرآن باعتبارها أفصح العرب وهي: قريش وأسد وكنانة وهذيل وبنو تميم وضبة وقيس، وفي هذا قال رحمه الله تعالى:
هاك القبائلَ التي قد نزَلَ على لسانها القرآنُ مجمَلاَ
فقريشٌ وأسدٌ وكنانهْ هُذيلٌ مَعْ بني تَميم ضَبهْ
وقيسٌ الذين أنْزِلَ الكتابْ موافقاً لهم هم أفصح العَرَبْ
ثم انتقل رحمه الله تعالى إلى بيان ما احتوى عليه القرآن الكريم حيث بين أن القرآن الكريم لايخلو من أن يكون أمرًا او نهياً أو محكماً أو متشابهاً أو بشرى أو إنذارًا أو قصة أو موعظة أو مثلاً وفي ذلك يقول رحمه الله تعالى:
ألا إنما القرآن تسعةُ أحْرُف أتتك في البيت بعدُ خُذْهَا بِلاَ زَلَل
حلال حرام محكم متشابِهٌ بَشِيرٌ نَذِيرٌ قِصّةٌ عِظَةٌ مَثَلُ
ثم انتقل ناصحاً طلبة العلم إلى التمسك بآداب المتعلم حاثاً إياهم على تقوى الله تعالى والصبرعلى المشاق والجد والاجتهاد، مبينًا ثواب تلاوة القرآن الكريم وأن بكل حرف عشر حسنات مبينًا فضل تعلمه وتعليمه مستشهدًا بحديث رسول الله: «إن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه» (صحيح البخاري [5028]) إلا أنه روى الحديث بالمعنى قائلاً في ذلك رحمه الله تعالى:
وإن ترد الحفظَ لِلقرآنِ وسائر العلوم خذ بَياني
عليك بالدرس والاعتزالِ والصبر والتقوى وحسن الحالِ
ولتكن للشيوخ كالمْملُوك تنلْ وتبل.غْ مبلَغَ الملوكِ
من لم يذق ذل التعلم فلا ينال حِفظًا ويموت جَهِلاََ
جاء لكل حرف عشر حسنات كذا تُمحى عنه عشر سيئات
تعلم كتاب الله والزم تفهَمه تنل شرفاً عند الإله ومكْرَمَه
وقد قال رحمه الله في كتابة بسم الله:
وطول الباء في بسم اللهِ تعظيمًا ثم تشريفًا للهِ
وقيل ذاك عِوَضٌ من الألفِ فحقق العلوم وافهم ما أصفِ
وقيل ليمتاز منه السينُ والأول أشهرُ يا إنسانُ
وكانت للشيخ رحمه الله تعالى علاقة وطيدة مع طلبة أهل فاس، وقد سألوه يومًا عن كيفية كتابة كلمة "ملئه" فأجاب رحمه الله تعالى:
يا غادِيا للغرب لمكناس بلغ سلامي طُلْبَ أَهلِ فاسَ
وقل لهم ملائه قد حُوِّلَت همزتُهُ وتحت ياء ادخلتْ
ودارةٌ فوق ألفِ اللام وجدتها في الصحراء خُذْ نظامِي
3. الوثيقة الثالثة: نصرة الكتاب
نصرة الكتاب (أو النصرة) وهو الاسم الأكثر تداولاً عند أهل المنطقة، نظمها الفقيه الجليل أبو عبد الله سيدي محمد التهامي بن الطيب، الذي جمع ونقح الأنصاص.
وهي عبارة عن منظومة تشتمل على مدخل وخمسة أبواب وخاتمة تتضمن رسم وضبط القرآن الكريم بشكل مبسط وميسر وعدد أبياتها 367 بيتاً.
أ- مقدمة نصرة الكتاب
قال رحمه الله تعالى في هذه المقدمة:
قال عُبيدُ ربه المحتجبِ محمدُ التهامي بن الطيبِ
من بعد بسم الله الرحمان الرحيم مسهِّل الخط لدى الذكر الحكيمِ
الحمد لله الذي قد أنزل كتابه على إمام الفُضَلاَ
ثم الصلاة والسلام سرمدَا على محمد شفيعنا غدَا
وآله ذوي التقى والعلم وصحبه أولي الندى والحلم
ب- مرتكزات نصرة الكتاب
وقد أشار الناظم رحمه الله تعالى إلى وجوب الاقتداء بما رسم في المصحف الإمام، ثم بين المنهجية التي اتبعها في نظمه تسهيلا على الباحث، وذلك أنه رتب عمله ترتيبًا هجائيًا مشيرًا إلى اتباع قراءة ورش عن نافع ذاكرًا أبواب منظومته الخمس وهي:
- الحذف وأحكامه.
- حذف الياءات والواوات.
- أحكام الهمزة.
- الوصل والفصل.
- حكم التاء المتصلة والملحقات بها.
ج- التسمية وطريقة البحث
وفي هذا يقول رحمه الله تعالى:
سميته بنُصرة الكتاب بينت فيه مختار الأصحاب
فكل حكم ظاهر سَكَتُّ عن حصره وغيره قيَّدْتُ
أشرت للمخصوص بالمجاورهْ أو بسورة أو حرف أو حركَهْ
كيف أتت أو عُرف أو ضميرِ أو اسم أو جمع لدى التحريرِ
أو بالإطلاق أو باللفظ للذي قد عَلِم الحذفُ نوعه حينئذِ
أو كيفما أو حيث أو بكُل وفقنا الله لحسنِ القولِ
مما تقدم نعلم علم اليقين أن الناظم لم يهتم بالأحكام الظاهرة في منظومته، وإنما حصر فقط الأحكام غير المقيدة بقاعدة. وأما بالنسبة لطريقة البحث فقد استعمل كلمات يميز بها الباحث الأحكام المخصوصة (أي الخاصة بوضع دون سواه) من الأحكام العامة التي تطبق على لفظ ما، أينما ورد ذكره فقد أشار مثلاً للمخصوص بذكر السورة كقوله: "وفي الإسراء أخرتني" أي أن كلمة أخرتني في سورة الإسراء يقع فيها حذف الياء وإلحاقها وأما في قوله "وفي اليقطين غاوين" فقد أشار لموضع غاوين التي توجد في سورة الصافات التي يطلق عليها الحفاظ سورة اليقطين لورود هاته الكلمة فيها دون غيرها من السور. وبالتالي استعمل هنا الإشارة بكلمة. أما عندما يتعلق الأمر بحكم مطلق فنجده يشير إلى ذلك بكلمات مثل: كيف أتت - كل - كلا- أو بذكر اللفظ دون تقييد والمثال على هذا أسوقه من حذف لام الذي حيث قال في شأنها - لله اللائي كيف يأتي.
وفيما يلي أذكر أمثلة من المنظومة مع استخراج بعض الأحكام والاستشهاد عليها من كتاب الله عز وجل.
د- قاعدة الحذف نموذجًا:
مفاد هذه القاعدة أن تحذف ألف أو واو أو ياء بعض الكلمات. فتخرج الكلمة بذلك عن قواعد الإملاء المعروفة مثل "أنجيناكم" و"أطيعون" و"لا يستون" ففي الكلمة الاولى تم حذف الألف بعد النون، وفي الكلمة الثانية حذفت ياء المتكلم من آخر الكلمة. وأما الكلمة الثالثة فتم حذف الواو الثانية ويدخل تحت نطاق الحذف أيضًا حذف اللام المدغمة في مثلها، كقوله تعالى: "واليل" وبما أن بعض الكلمات تكتب تارة بالحذف وتارة بالاثبات فقد قام الناظم رحمه الله تعالى بإحصائها مرتبًا إياها وفق الحروف الهجائية. وفيما يلي بعض الامثلة.
1) حذف الألف: (مثال بعد الغين)
فقد ذكر الناظم أن أربع عشرة كلمة جاءت غينها محذوفة (أي أن غينها متصلة بما بعدها) فقال رحمه الله تعالى في ذلك:
والغينُ جمعُ غالبين غافرين كل مَغَارب غاشيهْ والغارمين
ولفظ غافل في اليقطين غاوينْ وفاسْتَغَاثَه أضغاثُ غَابرينْ
مُغاضبا أضغانُ أو مغرات وضف اليهم أن اعمل سَابِغَاتْ
2) حذف الياء
وهاك ياء فُصلت وتُلِيتْ وَصَلالا وقْفا وفي الخط الحِقتْ
وفي طَرَف الداعي دعاني اتبعني أَوَّلَ عِمْرَان وفي الإسراء أخَّرْتَنِي
والمهتدي فيه وفي الكهف وأن يهدِيَني ويُؤتيني تُعلمني
وفيه نَبغِ تسألَنّي هو دمع دُعَائي رَبَّنا ويأتِي لا فَضَعْ
وألا تتَّبِعني وَينقذونِي يُكذِّبُوني قصَص وَترجُمُوني
فاعتزِلوني والتَّلاقِي والتَّنَادِي أَتَانِي الله الجوابِ والمنادِي
والبادي ثم أَرْبَعا نَكِيرِي وَنُذري وَعِيدِي مَعْ نَذِيرِي
ان جُرد الثلاثُ والجَوَارِي فِي بالوادي في الفجر ويسْرِي أضِفِ
أهانني أكرمني تُرْديني أتُمِدونَني باليقينِ
3) حذف الواو:
وقد بين الناظم أن حذف الواو إما أن يكون حذف إلحاق حيث تعوض الواو بواو صغيرة وقد حصر الناظم عددها في ثمان كلمات وهي: غاوون. وُوري. الموؤدة. تلوون. داوود. فأووا. يستوون. ليسؤوا.. فقال في ذلك رحمه الله تعالى:
وألحق الثاني من غاوون وَوُوري مع مؤودة تَلْوُون
كُلا داوُودَ فَأوَوْا لَفظ يَسْتَوُونَ وَلِيسؤُوا الأُولَى مِنْه فَتَهُون
وإما أن يكون حذف إسقاط وفيه تسقط الواو من الكلمة ولا تعوض فقال في ذلك رحمه الله تعالى:
وَأَسْقِطِ الْوَاو مِنْ يومَ يَدْعُ وَصَالِح التَّحْرِيم مَع سَنَدْعُ
ويمحُ ما حميم ويدْعُ الإنسانُ خمسة أحْرف فلاحَ التبيان
حذف اللام:
فقد بين الناظم رحمه الله تعالى أن اللام تنطق في بعض الكلمات ولكنها لا تكتب. وهذه الكلمات هي: التي والليل. اللاتي والذي ولله. واللائي.
وخلاصة القول:إنه بهذه الطريقة استطاع الإمام سيدي محمد بن التهامي بن الطيب رحمه الله تعالى أن يجمع عدة قواعد قرآنية في أرجوزته قصد المحافظة عل الرسم العثماني وضبطه. وقد تطرق فيها بالإضافة إلى موضوع الحذف الذي سقت منه بعض الأمثلة إلى مواضيع أخرى مثل الزيادة وأحكام الهمز والفصل والوصل والتاء المربوطة التي كتبت مبسوطة. وتعد النصرة عند أهل المغرب بالإضافة إلى ابن بري والجزرية والأنصاص شيئاً ملازمًا لحفظ القرآن الكريم.

خاتمة
في ختام هذا البحث المتواضع نستطيع أن نصل إلى النتائج التالية:
أولاً: إن الله سبحانه وتعالى قد تكفل بحفظ القرآن الكريم رسمًا ولفظًا، فهيأ هذه الأمة لتتسابق طائفة منها لخدمة هذا الكتاب المنير، أملًا في أن يكونوا من أهل القرآن عملاً بما أخرجه البزار في مسنده وابن ماجة في سنته والأهوازي في الإيضاح عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن لله أهلين من الناس» قيل ومن هم يارسول الله؟ قال: «أهل القرآن هم أهل الله وخاصته».
ثانيًا: لقد تشبث المغاربة بالقرآن الكريم منذ دخول الإسلام إلى المغرب. فانتشر انتشارا منقطع النظير وذلك بفضل اعتنائهم بالكتاتيب القرآنية وانتشار الزوايا، وتشجيع الطلبة وذلك بتحمل تكاليف إقامة الغرباء منهم وإكرامهم، وإنزالهم منزلة أبنائهم، كما أن لسنة قراءة الحزب في المساجد والزوايا الآثار الكبيرة في تحفيظ كتاب الله خصوصاً بالنسبة للذين لم يتمكنوا من حفظه في الصغر.
ثالًثا: اهتمام المغاربة بالرسم القرآني اهتمامًا لا مزيد عليه، فوضعوا لذلك الأنصاص. هذه الأنصاص التي اهتمت بالرسم وتثبيت الآيات المتشابهات التي يصعب تذكرها.
رابعًا: لقد ساعدت الأنصاص على الاحتفاظ بالقرآن الكريم كما رسمه كتبة المصحف الإمام وأجمعت عليه الأمة من الضبط والشكل باعتبارهما شيئان متلازمان لا يمكن أن ينفك أحدهما عن الآخر.
خامسًا: حقًا إن الأنصاص آلة مساعدة لضبط الرسم العثماني عند المغاربة.
محمد واحدي
mokhtarat

mokhtarat

يتم التشغيل بواسطة Blogger.