جديد الموقع
recent

خطبة | الاحتفال بالمولد النبوي بين دعاة التصوف ودعاة التطرف

خطبة بعنوان: 
"وسطية الاحتفال بالمولد النبوي بين دعاة التصوف ودعاة التطرف"


لعلها تكون مناسبة لمن أحب أن يستأنس بها، أو يوظفها بعد أن ينظفها، فينقحها من أخطائي ليلقحها بأفكاره بشرطين:
1) الدعاء لي -بعد الإخلاص- عن ظهر الغيب.
2) غض البصر -بعد الإصلاح- عما فيها من العيب.
تاريخ إلقائها: 2 الربيع النبوي 1438هـ 2 / 12 / 2016م.

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه
الحمد لله المحمود بتمام الحمد والتبجيل، وأشهد أن لا إله إلا الله المستحق لكمال التعظيم والتهليل، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله المتصف بتمام الأخلاق وصدق التحليل، كانت ذكرى ولادته بالمدائح جديرةً بغاية التجميل وحسن التسجيل، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه سادات التفسير والتأويل، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم لا يحتمل التأخير ولا التأجيل؛ {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} كما جاء في محكم التنزيل...
أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته...
ها نحن في شهر ربيع الأول، وهو الشهر الثالث من الشهور الهجرية، قد تكاثرت فيه الذكريات المتعلقة بالحبيب المصطفى، حتى سمي بشهر سيرة المصطفى، ليس لأننا نتذكر فيه ولادته ونقرأ فيه سيرته، فهذا واجب المسلم طيلة السنة كلها؛ بل لأنه شهر يحمل في طياته أحداثا كبرى من السيرة العطرة، لا نعلم منها إلا أسماءها، أما تفاصيلها، والاستفادة منها، والاقتداء بها فقليل من يعلمها؛ بله من يستعملها؛ ففي شهر ربيع الأول ولد الرسول، وفيه بدأ الوحي بالرؤيا المنامية، وفيه هاجر من مكة إلى المدينة، وفيه توفي فالتحق بالرفيق الأعلى؛ إنها منعطفات كبرى في حياته: الولادة، والبعثة، والهجرة، والوفاة. 
وعلاوة على ذلك فقد وقعت فيه أيضا أحداث أخرى، وإن كانت كل أحداث هذه السيرة كبرى، فهي بالنسبة للأربعة السابقة صغرى؛ ففيه نزلت الآية التي حرمت الخمور، وفيه وقعت غزوة بني النضير، وغزوة دومة الجندل، وغزوة الغابة، وسرية خالد بن الوليد إلى قبيلة بني الحارث المسيحية بنجران فأسلمت عن بكرة أبيها، وفيه توفي إبراهيم ابن النبي
فكان حقا على كل مؤمن ولزاما على كل مسلم أن نحتفل في هذا الشهر بسيرة المصطفى؛ ولكن دعونا نعرف معنى الاحتفال أولا؛ فالاحتفال هو تذكر الشيء في الذهن لمناسبة ملائمة، ثم ذكره باللسان والإشادة به ومحاولة تقريب الناس منه وتتبع خطاه؛ قصد الاقتداء به والسير على منواله ودربه...
والأصل في الاحتفال بالمولد النبوي أمر مشروع؛ لأن النبي كان يحتفل به كل أسبوع، ويعبر عن هذا الاحتفال بالصيام؛ فقد روى الإمام مسلم: أنه سئل عن صوم يوم الاثنين فقال: «فيه ولدت وفيه أنزل علي»، وإذا كنا نتذكر ميلاده مرة في السنة، فإنه يتذكره ويعظمه كل أسبوع، فهذا الحديث يدل على أنه قد تذكر يوم ولادته وذكره وأشاد به، لنسير على منواله ودربه، وهذا أمر متفق عليه من جميع المسلمين، ولم يشذ عن ذلك إلا متشدد متطرف مرفوض.
هذا هو التأصيل المتفق عليه؛ أما التأويل فقد اختلف فيه الناس قديما وحديثا إلى ثلاث فرق:
1) منهم من التزم بظاهر الحديث فصار يحتفل بالمولد النبوي الاحتفال المحدد بالزمن والفعل؛ أي: عن طريق صيام يوم الاثنين أسبوعيا فقط؛ والاحتفال به شهريا أو سنويا عند هؤلاء هو بدعة؛ وكذلك يقولون في الاحتفال به بغير الصيام؛ وهذا نوع من التشدد في الدين والتنطع في الإسلام وهو مذهب الظاهرية بشكلها المعاصر. 
2) منهم من وسع في الاحتفال زمنا وفعلا؛ فصار يحتفل بكل ما يمليه عليه هواه ولو بالكذب والمحرمات؛ عن طريق الرقص والموسيقى والغناء والاختلاط، أو بسرد مولديات محشوة بأساطير وقصص لا أصل لها، وأحاديث موضوعة ومكذوبة على النبي، وهذا نوع من التفسخ والانحلال في الدين. 
3) من الناس من وسع في الاحتفال زمنا وفعلا أيضا ولكن في حدود ما أحل الله؛ أما الزمن فقالوا: نعم؛ نحتفل به أسبوعيا بالصيام؛ ولكن ما دام أصل الاحتفال أسبوعيا موجودا يجوز لنا أن نحتفل به شهريا وسنويا وفي نهاية قرن أيضا؛ هذا من حيث الزمن...
أما من حيث الفعلُ فقالوا: ما دام أصل الاحتفال بالمولد النبوي في إطار الصيام مشروعا؛ فما الذي يمنعنا أن نحتفل به في إطار عبادات أخرى علاوة على صيام يوم الاثنين؛ مثلا: 
- في المغرب فإن وزارة الأوقاف توزع على المساجد سرد كتاب "الشفاء بتعريف حقوق المصطفى" للعالم المغربي القاضي عياض، وهو كتاب قيم في هذا الباب.
- العمرة، وقد اشتهر اليوم بين الناس عمرة المولد النبوي؛ وقد قال الرسول: "تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد". 
- الصدقة؛ وقد جرت العادة عندنا باجتماع الناس على الصدقات في المساجد؛ وقد قال الرسول فيما روى الترمذي وحسنه: "إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ وَتَدْفَعُ عَنْ مِيتَةِ السُّوءِ".
- قراءة القرآن؛ وقد جرى العرف باستدعاء حملة القرآن الكريم لختمه في المنزل حتى يستفيد منه جدرانه وحجراته؛ وقد قال الرسول في الحديث الصحيح: "لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة".
- سرد سيرته والوقوف عند فقهها، وهي بمنزلة المذكرة التفسيرية للقرآن الكريم؛ بل هي بمنزلة المذكرة التطبيقية للقرآن، أو قل إن شئت: هي القرآن العملي، وقد قالت عائشة -رضي الله عنها-: «كان خلقه القرآن». 
- في كثير من البلدان الإسلامية يتم اتخاذ يوم الثاني عشر من ربيع الأول يوم عطلة تعبيرا عن الفرح بولادته.
وهذا هو المخرج الأسلم؛ الأخذ بالوسطية، بحيث يكون الاحتفال بما مطلوب شرعا من التركيز في الدروس والوعظ على السيرة النبوية، والمسابقات فيها وفي حفظ الأحاديث النبوية، وفي حفظ القرآن الكريم وتجويده، والتصدق على الفقراء، وفي نفس الوقت لا ينبغي أن ننساق وراء ما لا يجوز من الاختلاط والرقص والأمداح بأحاديث وأحداث لا أصل لها. 
وهذه الفرقة الثالثة هي الوسطية المطلوبة؛ لأن الاحتفال بالمصطفى أمر مطلوب في كل زمان ومكان، والاجتماع لسيرته أمر مشروع في كل الأحيان، وخصوصا إذا كان في شهر ربيع الأول شهر ولادته. «وخير الأمور أوساطها» والله تعالى يقول: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}. 
عليك بأوساط الأمور فإنها***نجاة ولا تركب ذلولا ولا صعبا
فمن زاد على هذه الوسطية فقد ابتدع، ومن أنكرها فقد تنطع، وقد ضل المبتدعون وهلك المتنطعون كما جاء حديث المصطفى.
وأقول لمن يستنكر هذا النوع من الاحتفال: ألسنا نحتفل بمرور مائة سنة لوفاة عالم مثلا فنقيم الندوات والمحاضرات؟ أليست كل الدول تحتفل بأيامها الوطنية؟ فعندنا نحن في المغرب ذكرى الاستقلال وتحرير الصحراء مثلا وغيرها؛ وعند دول الشرق والخليج أيضا مهد السلفية المعاصرة الاحتفال بذكرياتها الوطنية أمر قد جرى به العمل هنالك، ولم يستطع أحد -مهما تشدد وتطرف وتسلف- أن ينبس ببنت شفة في بدعيتها؛ بل هناك فتاوى رسمية تدعو للاحتفال بها؛ بل هناك احتفال بأسبوع محمد عبد الوهاب؟ وهل الاحتفال هناك بالذكريات الوطنية وذكريات الأشخاص دعوة إلى الله، والاحتفال بالذكريات النبوية بدعة ضد شرع الله؟ وهل محمد عبد الوهاب أفضل عندهم من محمد بن عبد الله؟ ما لكم كيف تحكمون؟ فلم هذا الكيل بمكيالين في شرع الله تعالى؟ 
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين والحمد لله رب العالمين.
الحمد لله رب العالمين…. 
أما بعد فيا أحبة المصطفى يجب أن نعلم أن ذكرى المولد النبوي هي وسيلة للدعوة إلى الله، وفرصة مثلى ينبغي ألا تفوت دون تذكير الناس بأخلاق النبي وآدابه، بحياته وسيرته، بمعاملاته وعباداته، حتى نُحيي في معاملاتنا سنته، وفي قلوبنا محبته؛ وخصوصا أننا قد جهلنا من هذه السيرة العطرة الكثير، قد جهلنا من هذا القرآن العملي الكثير، ألا كفى إنكارا لفوائد هذه الذكرى! ألا كفى تنكرا للاستفادة منها! فهي فرصة لملء القلوب والنفوس، لا لملء المعدات والبطون، وهي كذلك فرصة لربط الناس بالسيرة النبوية الصحيحة، لا بالأوهام والأساطير، فحياة المصطفى ليست في حاجة للرقص والموسيقى والغناء، ليست في حاجة للمدح بالأكاذيب والأساطير، ليست في حاجة للإطراء بما لا أصل له من الخرافات والأوهام، ليست في حاجة لألوان الكذب حتى نقربها من قلوب العوام، فأمامنا شمائله وأخلاقه قد امتلأ بها القرآن الكريم، ونطقت بها كتب الحديث، وأبرزتها بشكل عملي كتب السيرة والشمائل.
يا أحبة المصطفى زَيِّنوا سيرتكم بأخلاق المصطفـى وزِنُوا ما تمدحون به المصطفى بميزان أهل الحديث، فإن كان صحيحا أو حسنا فلا حرج، وإن كان موضوعا وكذبا فألف حرج وحرج، والرسول  يقول: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار». ومهما مدح المادحون فلن يصلوا مدح القرآن الكريم له إذ قال: {وإنك لعلى خلق عظيم}. 
ألا فاتقوا الله عباد الله وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول الله ...
الخطيب : عبد الله بنطاهر
mokhtarat

mokhtarat

يتم التشغيل بواسطة Blogger.