• صوت القرويين

    الجمعة، 30 ديسمبر 2016

    خطبة | تأملات في قصة مريم وابنها عيسى عليهما السلام

    الخطيب : محمد الصديق
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله الذي أوجد الأشياء من العدم ، وأرسل الرسل والأنبياء لإصلاح الأمم ، وأيدهم بالآيات والمعجزات ، وجعل خلق الإنسان أقل من خلق السماوات ، لاإله إلا هو خلق آدم من تراب ، وجعل نسله من سلالة من ماء مهين تستوي فيه النطف والأنساب ، وجعل أفضل خلقه سيدنا محمدا بدون شك ولا ارتياب .
    والصلاة والسلام على سيدنا محمد المنحدر من أطهر الأرحام وأحسن الأنساب ، صلى الله وسلم عليه وعلى آله الميامين ، وعلى صحابته أزكى الخلائق ، وأفضل الأصحاب ، صلاة وسلاما دائمين متلازمين نرجو بهما الأمن من الخوف ، والنجاة من العذاب. 
    أما بعد فيا عباد الله، من المناسب أن نتحدث في هذا اليوم المبارك السعيد عن نبي عظيم من أنبياء الله ورسله ، ولادته كانت معجزة من المعجزات ، ودليلا واضحا على عظمة وقدرة المولى عز وجل ، ذلكم النبي هو عيسى عليه وعلى نبينا أزكى السلام ، وأفضل الصلوات ، عيسى ـ أيها الإخوة ـ ولد من دون أب ، وآدم خلقه الله من غير أب ولا أم ، فكان بينهما نوع شبه في الخلق ، وهذا ما نطق به القرآن وصدعت به الآيات ، قال تعالى : (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون) 
    عيسى عليه السلام هو بشارة الله تعالى لمريم عليها السلام بواسطة الملائكة (إذ قالت الملائكة يامريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين) 
    أمه نشأت نشأة طهر وعفاف ، وتربت في بيت على التقوى تؤدي الواجبات وتكثر من نوافل الطاعات ، وهذا شأن البيوت الطاهرة ؛ فإنها ــ في الغالب ــ لاتنتج إلا الطاهرات العفيفات ، حملت زوج عمران بمريم عليها السلام ، وكان من عادة بني إسرائيل أن يحررون الذكور لخدمة بيت المقدس ، وليس الاناث ، فاعتقدت أم مريم أن ما برحمها ؛ ولد ذكر ، فنذرته لخدمة هذا البيت ، والقيام بشؤونه. قال تعالى: 
    ( إذ قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم )
    مريم وصفها الله بالطهر والعفاف في قرآنه الكريم ، ونفى عنها كل زيغ ، بل جعلها افضل نساء العالمين في زمانها، قال تعالى : 
    ( وإذ قالت الملائكة يامريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين)
    ذات يوم خرجت هذه الطاهرة من محرابها ، فأرسل الله إليها روحه جبريل عليه السلام متشكلا في صورة آدمي .
    لما رأته عليها السلام في صورة شاب أبيض الوجه ، لم تعرفه من قبل ظنت به سوءا ـ ومن شأن العفيفات أن يضطربن عندما يصبن بشك أو ريبة، اضطربت وخافت على نفسها، وظنته إنسانا جاء للاعتداء عليها ، فقالت ( إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا ) فأجابها الملك ( قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا )
    تعجبت الطاهرة من هذا الأمر، واستبعدته لأنه مخالف لقانون الأسباب ، ثم إنها طاهرة عفيفة ، لاتعرف البغاء، ولا تمارس الفحشاء ، ولم تتزوج من ، لذا قالت : ( قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا ) أجابها الملك ( قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا )
    واختلف العلماء في مدة حملها على أقوال يطول سردها ، ولا فائدة ترجى من ورائها ، غير أن العطف بالفاء في قوله ( فحملته فانتبذت به مكانا قصيا فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة) يقتضي : أنها حملته ، فوضعته في الحين ، كما قال بعض العلماء ، وهناك من قال : تسعة أشهر ، وهو قول ابن عباس ـ والعلم عند الله عز وجل ـ لما وضعته 
    ( قالت ياليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا ) لكن الله عز وجل أيدها ، وتدارك خفقات قلبها ، وربط على فؤادها ، وهدأ من روعها ، وخفف عنها من حزنها ( فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تجتك سريا وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا) 
    والآيات أيها الإخوة التي تتحدث عن عيسى كثيرة يطول المقام بذكرها ، فنكتفي من الحديث عنه عليه السلام بما ذكرنا ولنجعل من قصته عفاف مريم وطهرها ، نبراسا تهتدي به كل أم ، وكل بنت ، وكل أخت من المسلمات ، لا أن تتشبه الأخت المسلمة بغيرها ممن خلعن برقع الحياء عن وجوههن .
    أسأل الله تعالى أن يرد بنا إلى دينه ردا جميلا .
    نفعني الله وإياكم بالقرآن المبين .................الخ
    الدعـــــــــاء

    الخطبة الثانية
    أيها المسلمون : اعتاد الناس أن يحتفلوا بعيد المسيح عليه السلام عند رأس السنة الميلادية ـ كما جرت العادة ـ وهي عادة دخيلة على المسلمين ؛ للأسباب التالية : 
    أولا : أن النصارى لايحتفلون بأعيادنا الدينية ، فهل رأيت أحدهم يوم عيد الأضحى ياتي بأضحية ليذبحها تقليدا للمسلمين ، ومشاركة لهم في عيدهم هذا ؟ الجواب : لا ، والحس شاهد بذلك.
    ثانيا : أن عيد ميلاد المسيح اختلف في يومه وزمانه ، وعندنا من القرآن الكريم ما يدل على أن ولادته لم تكن شتاء ، وإنما كانت صيفا ، وهذا ما يشهد له قوله تعالى ( وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا ) والرطب لايكون شتاء ، وإنما يكون صيفا .
    ثالثا : أن الاحتفال عند النصارى الكاثوليك بدأ في القرن الرابع الميلادي ، والنبي عليه السلام بعث ، وكان النصارى موجودين زمن بعثته ، وكانوا يحتفلون ، ولم يحتفل معهم عليه السلام ، ولم يقل لهم ( نحن أحق بعيسى منكم ) كما قالها لليهود عند ما وجدهم في المدينة يصومون يوم عاشوراء . (نحن أولى بموسى منكم ) 
    رابعا : العرب في جاهليتهم كانوا يؤرخون بأيامهم ، وأحداثهم ، وبقي ذلك فيهم حتى في حياة النبي ، وخلافة أبي بكر ، وصدر من خلافة عمر ، ومع اتساع رقعة الدولة الإسلامية ، احتاج المسلمون إلى تاريخ يعملون به لتستقيم حياتهم الدينية والدنيوية ، وقد وقعت حادثة في زمن عمر ، وهي : أن رجلا كان له دين على آخر ، وكان الموعد هو " شعبان " فرفع أمر الرجل إلى أمير المومنين عمر ، فقال : أي شعبان هذا ؟ أمن هذه السنة ، أم التي قبلها ، أم التي بعدها ؟ ثم جمع الناس ، وقال : ضعوا للناس شيئا يعرفون به حلول ديونهم ، واختلفوا بأي شئ يؤرخون حتى اجتمع أمرهم على هجرته عليه السلام ، السوال : لما ذا لم يعتمد المسلمون التاريخ الميلادي وقتها ؟ 
    وهذا لايعني أننا نحاول إلغاء التاريخ الميلادي فهذا لايقول به عاقل ، وإنما مقصودنا : ألا نجاري غيرنا في كل صغيرة وكبيرة .
    فنسأل الله تعالى أن يرد بأمتنا إلى دينها ردا جميلا ......... الدعــــاء والختم
    الجمعة : 30 ربيع الأول 1438 هـ 
    الموافق : 30 دسمبر 2016 م
    المسجد : حي المصلى بن دباب فاس

    تنويه: المقالات والمواضيع المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي أصحابها
    Scroll to Top