جديد الموقع
recent

الدكتور عبد الهادي التازي وشهادات في حقه رحمه الله


السيرة الذاتية للدكتور عبد الهادي التازي
• الدكتور عبد الهادي التازي ولد بمدينة فاس يوم 15 يونيه 1921 = 7شوال 1339 = 15 يونيه 1921  وتوفي بمدينة الرباط يوم الخميس 2 أبريل 2015 الموافق 12 جمادى الثانية 1436.
• تلقى تعليمه الابتدائي والثانوي بفاس، ونال شهادة العالِمية من جامعة القَرويين (فاس) بدرجة متفوق جدا 1947=1366. عين أستاذا بهذه الجامعة بتاريخ 1/5/1948
• بروفي في الفرنسية، من معهد الدراسات العليا المغربية الرباط 1953.
• انتقل من فاس للرباط بعد استرجاع استقلال المغرب للإشراف على القسم الثقافي بوزارة التربية الوطنية (أكتوبر 1957).
• طمح إلى الانتساب لجامعة محمد الخامس (العصرية) فنال بها دبلوم الدراسات العليا بميزة حسن جدا (28 يبراير 1963). (أول شهادة دبلوم تمنحها الجامعة المذكورة في حياتها).
• شهادة في الإنجليزية من معهد اللغات، بغداد (1966).

ويمكن أن نرصد معالم حياته على الشكل التالي :

في ميدان العمل الدبلوماسي:  
عين سفيراً للمملكة المغربية 13/05/1963 لدى الجمهورية العراقية 
ثم لدى ليبيا (4 يونيو 1967)
ثم لدى بغداد مرة ثانية (20 شتنبر 1968)
ثم عهد إليه بالسفارة لدى الإمارات العربية المتحدة، مارس 1971 
ثم عين سفيرا لدى الجمهورية الإيرانية الإسلامية (28 أبريل 1979) 
ثم عين مكلفا بمهمة بالديوان الملكي ...

في ميدان العمل الوطني:  
• أسهم منذ صغره في الحركة الوطنية فتعرض للاعتقال والنفي عام 1936- 1938، وعام 1944 عند المطالبة بالاستقلال

بعد الاستقلال:
 عين مديرا للمعهد الجامعي للبحث العلمي عام 1974 إلى 1994 طوال عشرين سنة.
• الرئيس الأول والمؤسس لنادي الدبلوماسيين المغاربة 1990.
• رئيس المؤتمر العالمي السادس للأسماء الجغرافية (نيويورك) ابتداء من 1992 ولفترة خمس سنوات متوالية.
• رئيس نادي ابن بطوطة للتنمية وحوار الثقافات 2004.
• عضو المجمع العلمي العراقي مند (1966) ... 
• مجمع اللغة العربية بالقاهرة (1976) 
• والمعهد العربي الأرجنتيني (1978)
•  وعضو مؤسسة آل البيت الملكية للفكر الإسلامي
•  ومجمع اللغة العربية (الأردن) مارس 1980 
• وعضو اللجنة التأسيسية لأكاديمية المملكة المغربية 
• ثم عضو بالأكاديمية (أبريل 1980) 
• عضو بمجمع اللغة العربية بدمشق 1986 
• عضو المجلس الاستشاري الدولي لمؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي (لندن 1991)
• عضو المجمع العلمي المصري 1996.
• عضو اللجنة المغربية للتاريخ العسكري 1996.
• عضو في عدد آخر من الجمعيات والمنتديات الإقليمية والدولية منها المعهد الإيطالي للدراسات الشرقية روما 2004،
• عضو في المعهد الإيطالي للدراسات الإفريقية والشرقية 2006 
• الرئيس الشرفي لمركز ابن بطوطة للبحوث والدراسات والترجمة في بكين (الصين). 
• عضو المجلس العلمي لهيئة المعجم التاريخي للغة العربية بترشيح من اتحاد المجامع العربية 2008.

الأوسمة  

• وسام العرش من درجة ضابط (المغرب 1963) 
• الحمالة الكبرى للاستقلال (ليبيا 1968)
• وسام الرافدين (العراق 1972) 
• قلادة الكفاءة الفكرية من الدرجة الممتازة (المغرب 1976) 
• الميدالية الذهبية لأكاديمية المملكة نونبر 1982  
• وسام العرش من درجة ضابط كبير. 30 يوليه 2006 
• وسام الحمالة الكبرى يوليوز 2015 (بعد وفاته)

شهادات في حقه

كلمة الأستاذ فيصل بن عبدالرحمن بن معمر .. هذا العالم الموسوعي
الوفاء صفة دافئة، لا يحجبها شيء عن ولوج القلب، لتسكن هانئة، مطمئنة في سويدائه تتجدد قوة فعلها، وتتزايد نموا وثباتا مع الأيام.. وعلى رأس صرح الوفاء.. تأتي هذه التظاهرة احتفاء برمز من رموز ثقافاتنا العربية الإسلامية الأصيلة الدكتور عبد الهاديالتازي.. وأجدني في حيرة من أمري لتفعيل هذه الصفة الحميدة من تلميذ الأساتذة، فشهادتي فيه مجروحة، ولكن حسب الصلة التي تربطني بمعاليه نبيلة، لأنها من نبع الفكر، تتسلل من المعلم إلى تلميذه، ويبقى انتقالها من جيل إلى جيل، لذلك فهي محاطة
بالبركة..وجميل أن نحتفي بالرواد الفاعلين في المشهد الثقافي العربي عامة والمغربي على وجه الخصوص، وفي طليعتهم معا معالي البروفسور عبد الهادي التازي، الذي تشهد له مسيرته الحياتية الحافلة بالعطاء الثر والغزير، كأحد أبرز الباحثين العرب ومحققي كتب التراث العربي.. والذي عرف بدأبه وتتبعه وقراءته للمخطوطات التي تتعلق بتاريخ الدول والمدن والأئمة... كذلك اهتمامه بالتاريخ السياسي بحكم عمله الدبلوماسي وثقافته السياسية، إضافة إلى تخصصه في حقل الدراسات العلمية والبحثية. 
الكلمات تكاد تهرب مني وأنا أتحدث عن رجل بحجم هذا العلامة، الذي كنت أحس أني أعرفه جيدا ولكنني في كل المرات كنت أتعلم منه جديدا وفي كل الأسفار التي أحظى بمقابلته، أو التي يأتي فيها إلى بلده الثاني المملكة العربية السعودية يأتي بكل الحب ليقدم إلينا أدبه وعلمه وفكره...يأتي محبا لهذه البلاد..عاشقا ومتيما بها وكله أمل أن ينقل إلى شباب اليوم جزءا من تجربته وحبه لهذه البلاد..وأعتبره كما غيري، جسرا من جسور التواصل بين الأصالة والمعاصرة.. رابطا مهما بين الماضي بمجده، والمستقبل المشرق، وأنا المدين له بالكثير أيضا على المستوى الإنساني..والدا ومفكرا موسوعيا ودبلوماسيا بالشكل الذي لا أستطيع أن أوفيه حقه....
تعرفت على معالي الدكتور عبد الهادي التازي، منذ وقت مبكر،في بدايات عملي بالإدارة العامة للمهرجان الوطني( للثرات والثقافة (الجنادرية) التي كان نجمها الأبرز، عرفته حينها، ومازال رمزا مشعا بحب الوطن العربي، الذي عمل من أقصاه دبلوماسيا..وخاصة منطقة الخليج العربي العراق، شامخا من شموخ تاريخ هذه الأرض.. به قوة وصلابة كجذور الثرات الذي تمتلئ بها أرضنا العربية الأصيلة من مشرقها الواعد إلى مغربها الناهض.
معالي الدكتور عبد الهادي التازي، شخصية لها حضورها الواضح في أبعادها الإنسانية المتنوعة، ثرية في بعدها الفكري، والدبلوماسي، والاجتماعي، وبعدها الإنساني، وبعدها الثقافي..كل من عرفه وتحدث معه ولو لفترة قصيرة يدرك ما تنطوي عليه هذه الشخصية من ثراء وتنوع، وإبداع.. يدرك سرعة البديهة،وحضور المعلومة، وتوظيف الفكرة. وقد انعكس هذا الثراء على أعماله الموسوعية المتنوعة المؤصلة لبعض العلوم والمعارف والآداب...
ولكني حقا، أشكر الأخوة القائمين على هذه الاحتفالية الجليلة بحجم معاليه، فما أحوجنا اليوم- أكثر من أي وقت مضى- إلى الإشارة إلى جهود الرواد باعتبار أعمالهم رصيدا مهما يضاف إلى الفكر الإنساني. وهي فرصة مناسبة للتعريف بإنجازاته، وتاريخه وجهاده ليتعلم منها الأجيال المقبلة كما تعلمنا نحن.. وأعتقد أن احتفالية الوفاء هذه تعطي زخما كبيرا في تقدير أعلامنا ورموزنا الثقافية والفكرية حق قدرها، كما أعتقد أن هذه الاحتفالية لا تخص معاليه بقدر ما تسلط الضوء على عطاء جيل بأكمله، بات ضروريا التعرف على إسهاماته، لتقويم المناهج والمقاربات والتطورات.
ألف باقة حب وود لشيخ المؤرخين وعمدة الرواة.. وعميد الرحالين العرب المعاصرين إلى معالي الدكتور عبد الهادي التازي..والدا وأستاذاوصديقا..

كلمة الدكتور أحمد مختار العبادي: الدكتور عبد الهادي التازي النهر الخالد
كم كنت أود مخلصا أن أكون معكم بشخصي في هذاالاحتفال الكبير لتكريم عالم الأجيال وصديق العمر الأستاذ الدكتور عبد الهادى التازى صاحب الوجه البشوش والابتسامة المشرقة. ولكن ظروفا صحية حالت دون حضوري مع الأسف الشديد. وعزائي في هذا الاعتذار أن ينوب عني ويعبر عن امتناني وشكري ولدي الدكتور حسام أحمد مختار العبادي الذى سبق له زيارة المغرب أكثر من مرة أثناء دراسته فى إسبانيا.
أما عن صداقتي بالدكتور التازي فترجع إلى سنة 1378 1959 أي منذ نصف قرن حينما جئت إلى المغرب الشقيق أستاذا معارا من كلية الآداب جامعة الإسكندرية إلى كلية الآداب جامعة محمد الخامس بالرباط [قبل الاستقلال كانت تسمى معهدا للدراسات المغربية] ولهذا قيل إنني كنت أول أستاذ عربي بها.وكان الأستاذ عبد الهادي التازي فى ذلك الوقت مشرفا على القسم الثقافي بوزارة التربية الوطنية، وكان حاصلا على شهادة العالمية بتفوق من جامعة القرويين بفاس سنة 1947 وعلى شهادات متعددة في الثقافة واللغات الأوربية الحديثة فجمع بذلك بين أصالة اللغة والدين وبين مناهج البحث العلمي واللغات الأوربية العصرية، ثم حدث بعد ذلك بعام تقريبا (سنة1379 ه/ 1960م أن احتفلت المملكة المغربية بالذكرى المائة بعد الألف لجامعة القرويين بمدينة فاس في عهد المغفور له الملك محمد الخامس طيب الله ثراه. وكان احتفالا عالميا رائعا ومهرجانا عظيما بأقدس تراث علمي في المغرب بمدينة فاس،حضره كبار الشخصيات ورؤساء الجامعات ورجال الفكر من شتى أنحاء العالم. وقد دامت هذه الزيارة الحافلة عدة أيام في فاس وغيرها من المدن المغربية العريقة. وكان الدكتور التازي بحكم إشرافه في إدارة الشئون الثقافية وراء نجاح هذا التنظيم الحافل للمهرجان والإشادة به في كل مكان، وقد أصدر سيادته –بوصفه الكاتب العام للمهرجان – كتابا خاصا له عرف باسم الكتاب الذهبي لجامعة القرويين في ذكراها المائة بعد الألف 245 /1960م) جمع كل ما قيل من أخبار - 1373/859 ومحاضراته وصور توضيحية جميلة. كما قدم له بمقدمة حافلة عن المهرجان بعنوان (أيام الذكرى) كما ساهم أيضا ببحث عن تحديد تاريخ وسنة بناء القرويين ( 245 أو 263 أو 306 ه) هذا،وقد ساهمت أنا أيضا، بحكم عضويتي في المهرجان ببحث عن العلاقات الثقافية بين غرناطة وفاس في القرن الثامن الهجري 14م، وكان نجاح مهرجان القرويين، نقلة هامة للدكتور التازي ليحصل بعدها على أول دبلوم للدرسات العليا فى التاريخ من كلية الآداب جامعة الرباط بدرجة ممتازة سنة 1963 م وهى تعادل درجة الماجستر فى الجامعات المصرية وكان لي شرف الإشراف عليها. ولا يتسع الوقت لذكر التفاصيل ولكنني أقتصر على ملاحظة واحدة فى هذا الصدد تدل على دقة الدكتور التازي وأمانته العلمية فى أبحاثه. ذلك أن موضوع الرسالة كان يقوم على دراسة وتحقيق ونشر مخطوط فى تاريخ الموحدين، عنوانه طويل نقتصر على بدايته وهو  (تاريخ المن بالإمامة على المستضعفين) تأليف ابن صاحب الصلاة .اعتمد التازي على صورة لهذا المخطوط فى الخزانة العامة بالرباط ثم لاحظ أن في بعض الورقات خروم  وثقوب أحدثت لبسا والتباسا عند التصوير في الأوراق التي تليها مما سبب صعوبة للقارىء فى فهمها. فما كان منه إلا أن سافر على نفقته الخاصة إلى مكتبة البودليانا بأكسفورد فى أنجلترا للاطلاع على المخطوطة الأصلية الوحيدة للكتاب وبذلك تفادى أخطاء الأشرطة المصورة وأخرج لنا على أكمل وجه كتاب المن بالإمامة لابن صاحب الصلاة، والذى يمتاز بقيمة تاريخية كبيرة فى تاريخ وحضارة الموحدين، كما كان مرجعا هاما للمؤرخين المتقدمين والمتأخرين أمثال ابن القطان، وابن عذارى وابن الأبار وابن الخطيب وابن خلدون والمقرى وغيرهم.
على أن المهم هنا هو أن هذه الرسالة التى تعادل درجة الماجستير فى مصر مهدت له الطريق للحصول على درجة الدكتوراه من كلية الآداب جامعة الإسكندرية بمصر وكان موضوعها "جامع القرويين، المسجد والجامعة بمدينة فاس، موسوعة لتاريخها المعماري والفكري". وكان المشرف على الرسالة في البداية أستاذنا المرحوم الدكتور جمال الدين الشيال عميد الكلية، ثم انتقل الإشراف إلي بعد وفاته رحمه الله وبهذه الرسالة القيمة نال التازي درجة دكتوراه الدولة فى الآداب بمرتبة الشرف الأولى سنة1971م وطبعت الرسالة فى دار الكتاب اللبناني في ثلاثة أجزاء، ولقد شرفت بكتابة كلمة التقديم التى قلت فيها باختصار:
بالأمس كان المعاصرون للوزير والمؤرخ الغرناطي لسان الدين ابن الخطيب ينعتونه بلقب "ذو العمرين" لأنه كان يخصص النهار لأداء مهام وظيفته بينما يتفرغ فى الليل للقراءة والتأليف. وقد وجدنا أن هذا الوصف ينطبق اليوم على صديقنا السفير الدكتور الأستاذ عبد الهادي التازي الذي عرف كيف يجمع بين مهمته كسفير ناجح وبين هوايته كعالم ومؤرخ كبير، وهذا كتابه في تاريخ جامع القرويين يعطينا صورة صادقة للحياة العلمية والاجتماعية والحضارية في مدينة فاس بوجه خاص وفي المغرب العربي بوجه عام. وقد حرص المؤلف على إظهار ما تبقى من هذه المظاهر الحضارية القديمة في عصرنا الحديث فربط الماضي بالحاضر وقدم لنا عملا متكاملا لهذه المؤسسة الجامعية العلمية التى كانت ولا تزال مركز إشعاع علمي وديني وسياسي في بلاد الغرب الإسلامي.
والواقع أن هناك أكثر من حافز دفعني على التقديم لهذا الكتاب، فهناك حافز الحب العميق الذى أكنه للمغرب وتاريخه وحضارته، وهناك حافز الأخوة الصادقة التي تربطني بمؤلف الكتاب منذ زمن بعيد، ثم هناك حافز الإيمان بقيمة هذا الكتاب الذي جمع بين العمق والأصالة والشمول فجاء فريدا في بابه، ولا أعتقد أن أحدا أقدم على مثل هذه المحاولة الجريئة من قبل.
والواقع أن موضوعا مثل هذه الموضوعات الحضارية المتشعبة يتطلب من مؤلفه الكثير من الجهد والقراءة المتصلة لاستخراج كل ما يتصل به من معلومات. وقد أعان الله مؤلف هذا الكتاب فاستطاع أن يطلع على جميع المصادر الأصلية التي تفيده في بحثه. وإلى جانب المراجع المعاصرة والمخطوطات النادرة، اعتمد أيضا على مدونات النوازل الفقهيه والجوالات وحوالات الأحباس الأوقاف وكتب الرحلات، والتاريخ والمعاجم إلى جانب الآثار والعملات القديمة والنقوش المدونة على جدران هذا المسجد ومرافقه، وبهذا العمل الشاق تمكن الدكتور التازي من إخراج أول دراسة علمية مستفيضة عن هذه الجامعة التي تعد من أقدم جامعات العالم. وهكذا نرى أن الدكتور عبد الهادي التازي كان ولايزال والحمد لله من ذوي العقول الموسوعية العالمية المرموقة والمواهب المتعددة.
فإلى جانب موسوعة جامع القرويين، قدم لنا التاريخ الدبلوماسي للمغرب فى عشرة مجلدات ( مطبعة فضالة 1986،كما قدم لنا موسوعة الرحالة المغربى ابن بطوطة المسماة:"تحفة النظار فى غرائب الأمصار وعجائب الأسفار" في (خمسة أجزاء (مطبوعات أكاديمية اللملكة المغربية سنة 1417 ه /1997 م، هذا إلى جانب مقالاته وأبحاثه العلمية التى لا تنتهي وتعد بالمئات!
وقد سجل بعض أسمائها الأستاذ عبد الفتاح الزين في كتاب بعنوان: دراسة فى حياة ومؤلفات الأستاذ عبد الهادي التازي المعهد الجامعى للبحث العلمى سنة 1991 م. ثم هناك عضوية عبد الهادي التازي في مجامع اللغة العربية في مصر والأردن والعراق إلى جانب الأوسمة والنياشين والميداليات والقلادات المختلفة التى نالها من مختلف الدول العربية والأوربية والتي لشدة تواضعه لم أسمعه يتحدث عنها أو عن غيرها من وسائل التقدير والتكريم أو بمدح نفسه بكلمة واحدة عنها، وهذا يذكرنا بالوزير الغرناطى ابن الخطيب حينما ذم وهجا أحد أصحابه لأنه مدح نفسه فقال عنه " هذا الشيخ حمد الله وأثنى على نفسه" !!وبعد، فهذه كلمات قليلة بالنسبة لمآثر التازي هذا النهر العذب الخالد ولكنها لمسة حب ووفاء لرمز الحب والوفاء الدكتور عبد الهادي التازي.

كلمة الأستاذ ثابت الطاهر مدير عام مؤسسة عبد الحميد شومان  
لقد كان من من دواعي سعادتي أن أدعى لإلقاء كلمة بمناسبة حفل كريم العلامة المفكر والمحقق الجليل الأستاذ الفاضل والأخ العزيز لدكتور عبد الهادي التازي، الذي أكن له كل تقدير ومودة، وأعتز بصداقته ومعرفته، مثلما أعتز وتعتز مكتبة عبد الحميد شومان باقتناء أعماله ومؤلفاته، التي تعتبر موسوعة علمية وبحثية وتاريخية وأدبية وفكرية شاملة.
ولقد تعمقت صداقتي وتعاظمت بالدكتور التازي حين حظينا باستضافته قبل بضع سنوات في مؤسسة عبد الحميد شومان في الأردن ، ليحاضر في منتداها الثقافي حول الرحالة العربي الكبير ابن بطوطة، فكان أن أضاء لنا محطات أخرى من حياة هذا الرجل الفذ لم تكن معروفة. ولقد توقفت كثيرا بإزاء هذا الاهتمام الذي يبديه الدكتور التازي بابن بطوطة، وكم شعرت بمبلغ الارتباط بينهما، ولا أظن بأني أجانب الصواب إذا قلت بأن التازي المولع بدراسة الحضارات الإنسانية وشد الرحال والتجوال، قد وجد في رحلات ابن بطوطة وقدرته على وصف عادات الشعوب وتحليل مشاهداته بدقة، ضالته للبرهنة على أن العرب هم دعاة حوار وتقريب بين الحضارات منذ الأزل، ولا دوافع مبطنة وراء توقيهم للانتشار والامتداد غير منفعة البشرية، وامتزاج الشعوب امتزاجًا إنسانيًا بما يكفل حسن التفاعل والجوار، وتحقيق أكبر منفعة ممكنة من هذا التمازج .
أما عن مسيرة حياة الدكتور التازي وحياته الحافلة، فتلك قصة شموخ أخرى لا يسع المتابع غير التوقف عندها طويلا. فهذا الرجل الذي بدأ حياته مكافحًا ضد الاستعمار فعانى ضروب الاعتقال والنفي ، ثم ابتغى العلم فحقق فيه تميزًا وتفردًا .. كل  إنما يدل على مدى ارتباط التازي باللحظة الوطنية في كل تحولاتها ... فهو جندي مخلص حين يتطلب الظرف الوطني الكفاح والمقاومة ، وهو عالم مبدع حين يتطلب الظرف نفسه البناء والتطور واللحاق بركب الحضارة، ولا أدل على ذلك من آثاره العلمية والفكرية والأدبية في كل الحقول التي طرقها باحثا ومحققا؛ والتي يربو عددها على نحو خمسة وخمسين مؤلفًا ما بين أعمال منشورة أو معدة للنشر، فضلا عن إنجازاته الوظيفية في كل المواقع التي شغلها وترك بصماته الواضحة عليها. وأنا على يقين أن مثل هذا الكم الضخم من  الإنجاز البحثي، يستحق أن تعقد من أجله ندوات ومؤتمرات عدة لسبر أغواره، والكشف عن مكنوناته.
   
كلمة الأستاذ عباس الجراري: الدكتور عبد الهادي التازي....كما أعرفه
حين طلب مني أن أشارك في هذا الحفل الكبير غمرني شعور بالبهج والحبور، لما ينم عنه التكريم في حد ذاته من وفاء وعرفان، وتقدير لجهود أبناء الوطن العاملين في جميع الواجهات من أجل رقي هذا الوطن وتقدمه. وقد زاد عندي هذا الشعور البهيج، والحفل يتعلق بالأخ الكريم الأستاذ الدكتور عبدالهادي التازي، الذي لا تخفى مكانته الطليعية بين أقرانه من العلماء والباحثين والأكاديميين المرموقين، ليس على مستوى المغرب فحسب، ولكن على صعيد العالم العربي والإسلامي والدولي كذلك. إلا أني حين عزمت على المشاركة وتقديم شهادة في حق المكرم الفاضل،أحسست ببعض التردد والحيرة. أما التردد فبسبب اتساع موقعه الجامع في رحابه بين النبوغ المبكر الذي ظهر به وسط نظرائه من طلبة القرويين وشباب فاس المتنور، وبين مواقفه الوطنية الرائدة، وإنجازاته العلمية العديدة، وكذا المسؤوليات السامية التي تحمل أعباءها بكفاية فائقة وخبرة كبيرة، في مختلف المجالات التعليمية والثقافية والسياسية على مدى أزيد من نصف قرن، ومازال ينهض بها في إقبال على الحياة بتفاؤل واستبشار،وبنشاط دائب وروح شباب دائم لا يشيخ.وأما الحيرة فناتجة عن هذا الاتساع الذي تجليه رحابة فكرية أجد معها صعوبة في الوقوف عند بعض جوانبها، وهي كلها لخصبها وغناها تغري، ليس بمجرد الحديث عنها، ولكن لإفاضة القول فيها بما هي جديرة به، وكذا بما هو جدير به من إشادة وتنويه.ولعلي أمام هذا الشعور المتردد الحائر، أن أكتفي باستحضار بعض ما يصلني بالصديق العزيز ويشدني إليه، في علاقة وطيدة منذ تسنى لي في أواخر سنوات الأربعين وأوائل الخمسين من القرن الماضي، أن أراه لأول مرة في الرباط، ولا سيما في مجلس والدي رحمه الله، حين زاره لإهدائه بواكير إنتاجه المتمثلة على ما أظن، في "تفسير سورة النور" و"شرح لامية العرب". وكان يرافقه في هذه الزيارة الوجيهان المرحومان عبد اللطيف التازي وعبد الله ملين. ثم رأيته بعد ذلك في مجلس العلامة سيدي المدني ابن الحسيني تغمده الله بواسع رحمته، وكان السيد الوالد يأخذني معه في مثل هذه الزيارات، وأنا يومئذ تلميذ المرحلة الابتدائية والإعدادية. والحقيقة أني منذ هذه اللقاءات ارتسمت في ذهني صورة الشاب التازي القادم من فاس، يحمل شهادة العالمية من جامعة القرويين التي أصبح مدرسا بها، والمتطلع بحماس نادر إلى الاستزادة المعرفية وتمتين الأواصر مع الشخصيات العلمية والوطنية البارزة في تلك المرحلة، وخاصة في الرباط حيث كانت له لحمة أسرية بآل التازي وملين، جعلته يكثر الزيارات ويطيل المقام، مما أتاح له اكتساب صداقات رباطيه كان دائم الإعراب عن اعتزازه بها. وقد كانت الرغبة في مثل هذه الاستزادة المعرفية مقرونة عنده- وما تزال-  برفقة القلم والقراطيس وتقييد الفوائد والفرائد. ولست أشك في أن هذه الرغبة كانت حافزه إلى إتمام دراساته العليا في جامعة محمد الخامس بالرباط، ثم جامعة الإسكندرية في مصر الشقيقة.
ولم تلبث علاقتي بالدكتور التازي أن توطدت بعد أن أصبحنا نلتقي في القاهرة، أوائل سنوات الستين ومنتصفها، وهو يومئذ سفير بغداد، حين كان يحضر للمشاركة في بعض المؤتمرات، ولا سيما القمة العربية التي كان يشارك في عضوية الوفد المغربي إليها معظم سفراء المغرب في البلدان العربية، وكنت إذ ذاك حديث الالتحاق بالسلك الدبلوماسي في السفارة المغربية بمصر.ولا أخفي كم كنت أعجب به وبأحاديثه ومروياته وما يحكيه من نوادر وطرائف، بأسلوب تزيد في جاذبيته بشاشته وابتسامته ووداعته. ثم توالت لقاءاتنا الثقافية في رحاب جامعة محمد الخامس، حين التحقت بهيئة التدريس فيها، وكان هو يدير المعهد الجامعي للبحث العلمي. وقد كثرت هذه اللقاءات بعد ذلك في أكاديمية المملكة المغربية، وغيرها من المؤسسات العلمية، كمجمع اللغة العربية بالقاهرة، ومؤسسة آل البيت في المملكة الأردنية الهاشمية.وكانت كلها تتيح لي شخصيا فرصا لمزيد من الاستمتاع بصحبته في مرافقته وموافقته، وخاصة في المنتديات الخارجية التي كنا نحضرها، وما تستدعي من أسفار وتنقلات هي وحدها كانت كفيلة بالكشف عن عمق الصداقة التي تجمعنا، والتي يوطد أواصرها بهدوء طبعه وصفاء سريرته وحسن طويته، وكريم شيمه التي منها وفاء صادق وإخلاص خالص، ورغبة تلقائية في التواصل مع الآخرين بتواضع يزين لطيف معشره وسماحة فكره. وكانت هذه الصداقة تتقوى عبر ما كنا نناقش من قضايا وطنية ومشكلات فكرية ومسائل لغوية، وما كنا نتبادله ونتهاداه من منشورات علمية، كان له فيها القدح المعلى وقصب السبق. وإذا كان المجال لا يتسع للحديث عنها كلها، فلا أقل من الإشارة إلى بعض منها، ولا سيما إصداراته الرائدة التي أغنت البحث التاريخي بجميع فروعه – تأليفا وتحقيقا – والتي يناهز عددها الأربعين، كتحقيقه الدقيق لكتاب "المن بالأمانة "لابن صاحب الصلاة، ودراسته المعمقة عن "جامع القرويين المسجد الجامعة بمدينة فاس"، دون إغفال "التاريخ الدبلوماسي المغربي" الذي هو بمجلداته العشرة موسوعة متفردة في بابه.
وربما كان من آخر أعماله التي نشرها أكاديمية المملكة المغربية إخراجه في أربعة أسفار لرحلة ابن بطوطة، هذا الرحالة الذي يبدو لي أن الأخ التازي كان يتخذه مثالا يقتدي به ونموذجا يحتذيه، وعندي أنه بهذا الاقتداء والاحتذاء، وبما له من جولات مثمرة عديدة عبر العالم دون بعضها،يعتبر ابن بطوطة وقته دون منازع.
لا أريد أن أواصل استعراض السجايا والمزايا التي يتمتع بها الصديق الأود، الأستاذ الدكتور عبد الهادي التازي، الذي هو الابن البار لمدينة فاس التي تبادله اليوم وفاء بوفاء، وهي تحتفي به في ذكرى مرور اثني عشر قرنا على بنائها وتأسيس الدولة المغربية، وبمناسبة هذا الملتقى العالمي حول تحالف الحضارات والثقافات، وهو أحد الموضوعات التي كانت باسمرار مثار اهتمام مكرمنا العزيز، الذي هو بهذا وغيره ودون أدنى شك، أحد أعلام المغرب البارزين ومفاخره في هذا العصر وكل عصر. وإنه ليكفي لتخليص الإشادة بمكانته المتميزة أن أقول إنه بملامح حياته الخاصة والعامة، ومنجزاته الثقافية المتنوعة، وبوظائفه السامية المتعددة، قد اجتمع فيه ما تفرق في غيره بمظاهر شتى وصيغ متعددة.
كما لا أريد أن أسترسل في الحديث عما يجمعني به، فضلا عن استحضار ما لنا من ذكريات مشتركة، أو التعبير عن المشاعر الجميلة التي تثيرها في نفسي هذه الذكريات.
     
كلمة السيد حسن أوريد: عبد الهادي التازي...هذا الماهد
هل يمكن للعالم وكل صاحب معرفة أن يسمو ويتميز إن هو لم يرتبط بثقافة ما أو مرجعية فكرية أو قاعدة أخلاقية ؟ قد يكون صاحب معارف يحملها ودروس يزجيها وتقنيات يحذقها، ولكنه لن يسمو أو يتميز ... فالمرجعية الفكرية والقوام الثقافي هو ما يمنح العالم تميزه، بل هو ما يعطيه النفس، بل هو ما يجعله رسالة تهون دونها الشدائد وتذلل من خلالها الصعاب ... وعبد الهادي التازي من طينة هؤلاء ... هو من الفرسان الأواخر لرعيل من الماهدين أصيبوا على حين غرة حينما حلت بساحتهم قوة حضارية فرضت عليهم هيمنتها العسكرية والسياسية والفكرية، بل سلبتهم حريتهم واستقلالهم ... وكيف تساير الخسف؟ قوة كانت فيما سلف ضاربة يضرب لها ألف حساب، فتحت الأندلس ونشرت الإسلام في أصقاع إفريقيا وأقامت حضارة لا تزال معالمها، أو بعض منها ماثلة للعيان... وتساءل عالم في قصيدة تنضح أسى هو المختار السوسي :
حتى متى شعبي يعبده الجهل * كأن لم يكن قطب السيادة من قبل... !
سرى هذا السؤال في النفوس سري النار في الهشيم، وانثنى أغلبهم إلى تلك القوة التي قارعوا بها الصعاب: الإسلام... ولكنهم أدركوا أن شيئا ما اعتمل في العالم، وأنه إن كان لزاما عليهم أن يعضوا بالنواجذ على الإسلام، فليس عليهم أن يديروا ظهورهم ما انتهت إليه التجربة الإنسانية من علوم ومعارف... أليس يدعو الإسلام إلى التقاط الحكمة أنى وجدت ؟
هؤلاء الماهدون هم الذين صنعوا الحركة الوطنية ... صنعوا قاربا لا يقل أهمية عن قوارب طارق بن زياد ... في صنيع طارق الماجد اقتحام، وفي صنيعهم صمود ... وكان نسخ هذا الدوح هو مرجعية فكرية وقاعدة ثقافية من هذا المعين أخذ الأستاذ عبد الهادي التازي ... ارتبط على غرار أبناء جيله، بمنظومة أخلاقية تنهل من الإسلام، ولم يكن الإسلام في وجدان هؤلاء ينفصل عن اللغة العربية، ولذلك سعوا إلى الحفاظ عليها، بل في تطويرها. وتأثروا بأساليب الشرق وأدركوا دور الصحافة في نشر الوعي، بل ودورها في بعث الحياة في اللغة العربية، التي أصابها الوهن والجحود، لا تنضح بالحياة ولا تحمل أسرار الكون ولا تعين على الدهر ... كانت الكتابة بها وبأسلوب عصري خال من المستنبطات البلاغية، التي كانت تسمى مجازا بالمحسنات، عملا نضاليا وامتشق الفتى عبد الهادي قلمه يصور ما في الحياة بأسلوب رقيق رشيق، ينط كما تنط الطيور، ولا يؤوده أن يقتحم قضايا المجتمع، ولا يزعجه أن يزاوج بين الجد والهزل ... وكان من الرواد الذين أدركوا أن اللغة وحدها لا تكفي، وأنه ينبغي أن تستند إلى معرفة أكاديمية ولذلك حضر عملا رصينا، نال عنه جائزة الدكتوراه عن جامعة القرويين، وما أدراك ما القرويين. أليست هي التي حمت بيضة الإسلام في الغرب الإسلامي ؟ أليست الصخرة التي تكسرت عليها حراب المعتدين ؟ وهل يمكن أن يفصل هذا الموضوع عما قام به أعلام من هؤلاء الماهدين فيما أكبوا على تواريخ مدنهم ومناطقهم، مثل صنع المختار السوسي في سوس العالمة، والفقيه داود في تاريخ تطوان، وأبو العباس التعارجي في تاريخه لمراكش، وأبو جندار في الاغتباط في تاريخ الرباط وهلم جرا...
كان صيت عبد الهادي التازي يسبقه، ولم يتح لي أن رأيته رأي العين إلا يوم الجمعة تاسع يوليه سنة 1978 وقد حل أستاذا لمادة الفكر الإسلامي بالمدرسة المولوية ... كان يحمل شيئا فريدا عبر زاده الأكاديمي، وعبر قوامه الثقافي والفكري، كان يحمل تجربة ثرة في العمل الدبلوماسي، كان قد أتى توا من العراق حيث شغل منصب سفير هناك مرتين اثنتين تخللتهما سفارته في ليبيا... وكان أن زاوج في دروسه معرفته الأكاديمية مع تجربته الميدانية... وكانت كل الإحالات التي تحملها دروسه من أحمد أمين وسامي النشار فيما يخص الفرق الإسلامية والمذاهب والنحل لا تضاهي تجاربه للتدليل عن "تقية" الشيعة... وكان ذلك يثير لدينا فضولا،
أو ليس من خصائص التربية الجيدة إثارة الفضول؟ وكان يحدث أن تندر على استنتاجاته حول الاتحاد السوفيتي، وعن بؤسها الروحي، وعن ماديتها ... كان بعضنا يرى في تلك الاستنتاجات ضحالة معرفية وغبن رؤية وتأثير تربية بورجوازية ... كذا... كنا أبناء عصرنا، وكان عبد الهادي التازي يصدر في حكمه عن عمق تاريخي وحدس حضاري. ولذلك حينما نطق التاريخ بحكمه ثلاثون سنة بعد ذلك، كان عبد الهادي التازي على صواب وكنا على خطأ ...
وكان يحلو لنا أن نردد معه تلك المحفوظات التي نظمها المغاربة لتعلم اللغات الأجنبية. أذكر منها ما يخطر على بالي عفو الذاكرة:
كلمة الصباح عندهم "بونجور" ولفظة الدوام عندهم "توجور"،
الرأس طيط والأنف ني، والعنق "كو" ، وفي التعبير عن كثير قل "بوكو"
وماذا يعني كل هذا ؟ أفلا يعني أن المغاربة أرادوا أن يعلموا ما لدى الآخر من معارف وأن يتعلموا لذلك لغته وفق أسلوب متواضع حوله: النظم... مثلما يتعلمون ألفية ابن مالك وفقه ابن عاشر نظما... وقد لا تشاطرهم أسلوبهم ذاك، ولكن أليس في ذلك آية من رغبة المغاربة على الانفتاح ومعرفة الآخر...
ثم غادرنا عبد الهادي التازي، وقد يكون ذلك في ربيع 1979اختير لأن يكون سفيرا بإيران لدى الجمهورية الإسلامية الإيرانية... ومن يستطيع أن يمثل المغرب سواه وهو الذي عرف المرجعيات الشيعية كما أنه كان سفيرا بالعراق، وهو العارف بالملل والنحل، وهو الشاهد على ما كان يعتمد بالحوزات العلمية في النجف وكربلاء ... لا أزال أذكره وقد وقف خطيبا يودع زملاءه من الأساتذة بالمدرسة المولوية وتلامذته، يستشهد ببيت للمتنبي أسمعه لأول مرة :
خلقت ألوفا لو رجعت إلى الصبا لفارقت شيبي موجع القلب باكيا ... !
وهل هناك من دلائل الوفاء ما تضمنه هذا البيت من أخلاق وشيم ؟
والتحق أستاذنا بمنصبه في طهران وقام بما تفرضه عليه السفارة من إصلاح ذات البين حتى عادت المياه إلى مجاريها، لكن الرياح لم تلبث أن تغيرت، وعاد السفير إلى قواعده في جامعة محمد الخامس. ووجدت عبد الهادي التازي أستاذا بكلية الحقوق، وقد تكون السنة 1984 أو 1985 ، وكان آنذاك يدرس التاريخ الدبلوماسي للمغرب... وكانت دروسه آنذاك نواة مشروع طموح هو موسوعة للتاريخ الدبلوماسي للمغرب... ولا أزال أذكر جولاته في تاريخ المغرب الدبلوماسي الموغل في القدم، قبل الإسلام، ولا أزال أذكر إحالاته إلى تنافس مماليك نومديا وموريتانيا القيصرية والطنجية... لم يكن هذا المشروع اعتباطيا، مشروع هذه الموسوعة، التي رأت النور سنوات قليلة من تلك الدروس... أليست الدبلوماسية تعبيرا عن سيادة دولة ما... أو ليس هذا الإيغال في التاريخ شهادة على عمق هذه الأمة التاريخي... ما التاريخ؟ أليس هو مختبر العلاقات الإنسانية؟ أليس هو كتاب (العبر)، كما سماه ابن خلدون للعمران البشري ... أليس تاريخ دبلوماسية المغرب مختبر يفيد المؤرخ والدبلوماسي على السواء؟ بين رسالة عبد الهادي التازي حول جامعة القرويين وبين موسوعته الدبلوماسية وشيجة قوية. هما، لو شئت أن أستعمل تعبيرا أثيرا للفيلسوف الفرنسي باسكال، المنتهى الأصغر – فاس والمنتهى الأكبر – تاريخ الدبلوماسية، لأمة عريقة ذات مجد أثيل وحضارة راسخة ...ثم نذر عبد الهادي التازي حياته لمشروع علمي لا يقل أهمية عن تلك الصروح التي أقامها، وهو يريد بها مجد أمته وعراقة بلده هو تحقيق رحلة ابن بطوطة... ما ابن بطوطة؟ رحالة مغربي شهير جال بلدانا عديدة، وكفى... ذلك أن من الظهور الخفاء، وهو مثل لم يفتأ عبد الهادي التازي يردده في دروسه ولقاءاته، وهو يحق أن يكون شعارا للباحث الرصين... فالظاهر يخفي الباطن، وما يظهر لا يفصح عن سره ما لم يتدبره المرء بعقله وعلمه... ولذلك جعل عبد الهادي التازي وكده أن يسير غور عالم رحلة ابن بطوطة. وما أحسب أن ما أقدم عليه عبد الهادي التازي بمسبوق...وعسى أن تمتعني الأيام في قراءة تحقيق عبد الهادي التازي. ما قرأته عن رحلة ابن بطوطة يعود إلى عهد الصبا في نسخة مختصرة تجارية لا تفي بالغرض ... ويحضرني ما قاله لي الأديب لطفي أقلعي الذي كتب رواية منتقاة من هذا الرحالة الفريد الذي جاب أدغال إفريقيا والهند ومهامه بالصين وجزر البحر الهندي،إنه تعلم ما المغرب وعبقريته من خلال سيرة هذا الرحالة الفذ...وإذن هو قاسم مشترك في كل ما أكب عليه عبد الهادي التازي،عبقرية الأمة المغربية سواء أتجلت في عمارتها وعمرانها، وهوموضوع فاس، أو في سياستها الخارجية، أو في رجالاتها، وابن بطوطة أحد هؤلاء الرجال الأفذاذ الذي بهم نفخر ...
أعود إلى عوالم الدبلوماسية، وإلى دروس عبد الهادي التازي التي كان يقدمها بكلية الحقوق بالرباط، أعود إلى ذلك والذاكرة تلح علي، وأنا أكتب ما أكتب عفو البديهة وعلى السجية، أعود إلى ذلك الدرس الذي كان يرصعه بآية قرآنية كانت الثابت في العمل الدبلوماسي المغربي ... قد يكون فيما أقوم به إقحاما، ولكن لن تستقيم هذه الشهادة التي أرادها الأستاذ عبد الهادي التازي من واحد من تلامذته دون أن أذكر تلك الآية الكريمة :
"وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر، إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق" ...وعسى أن يتاح لي فهم أوجه هذه الآية الكريمة مثلما أتيح للأستاذ عبد الهادي التازي أن يقدم شرحا لها ...
هل وفيت الأستاذ عبد الهادي التازي حقه في هذه الشهادة ؟ لا، فهو أجل مما قدمت... بيد أن لي في تقديمها – رغم قصورها–  شفيعا، وهي أني أريد من خلالها تقديم عرفاني لرعيل من الماهدين، أولئك الذين أقاموا صرح الحركة الوطنية بإيمانهم وتضحياتهم، لم يثنهم عن ذلك ضعفهم وهوانهم على الناس... هو عرفان لهم وعرفان لآخر الفرسان عبد الهادي التازي... وقد أكون أغفلت جانبا من شخصيته هو أسماها بلا منازع دماثة خلقه وكريم سريرته، وهل كان يبلغ ما بلغ لولا تلك المضغة
التي إن صلحت صلح الجسد كله ألا وهي القلب...

mokhtarat

mokhtarat

يتم التشغيل بواسطة Blogger.